⟨و ذكر في الجوامع قريبا منه عن عامر بن ربيعة عن أبيه و سيأتي ما يدل على أنها نزلت في الخطإ في القبلة و في قبلة المتحير و⟩
قال الصدوق في الفقيه و نزلت هذه الآية في قبلة المتحير ذكر ذلك بعد نقل صحيحة معاوية فيحتمل أن يكون من الخبر و من كلامه و لو كان من كلامه أيضا فالظاهر أنه لا يقول إلا عن رواية وروى الشيخ في التهذيب عن محمد بن الحصين قال كتبت إلى عبد صالح الرجل يصلي في يوم غيم في فلاة من الأرض و لا يعرف القبلة فيصلي حتى إذا فرغ من صلاته بدت له الشمس فإذا هو قد صلى لغير القبلة أ يعتد بصلاته أم يعيدها فكتب يعيدها ما لم يفته الوقت أ و لم تعلم أن الله يقول و قوله الحق ﴿فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.. و قال الشيخ في النهاية بعد نقل الآية- وَ رُوِيَ عَنِ الصَّادِقِ (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ: هَذَا فِي النَّوَافِلِ خَاصَّةً فِي حَالِ السَّفَرِ.انتهى.و قد تحمل على النافلة و الفريضة في الجملة جمعا بين الروايات و مراعاة لعموماللفظ ما أمكن قال في كنز العرفان اعلم أنه مهما أمكن تكثير الفائدة مع بقاء اللفظ على عمومه كان أولى فعلى هذا يمكن أن يحتج بالآية على أحكام الأول صحة صلاة الظان و الناسي فيتبين خطاؤه و هو في الصلاة غير مستدبر و لا مشرق و لا مغرب.الثاني صحة صلاة الظان و الناسي فيتبين خطاؤه بعد فراغه و كان التوجه بين المشرق و المغرب.الثالث الصورة بحالها و كان صلاته إلى المشرق و المغرب و تبين بعد خروج الوقت.الرابع المتحير الفاقد للأمارات يصلي إلى أربع جهات تصح صلاته.الخامس صحة صلاة شدة الخوف حيث توجه المصلي.السادس صحة صلاة الماشي ضرورة عند ضيق الوقت متوجها إلى غير القبلة.السابع صحة صلاة مريض لا يمكنه التوجه بنفسه و لم يوجد غيره عنده يوجهه.و أما الاحتجاج بها على صحة النافلة حضرا ففيه نظر لمخالفة فعل النبي ص فإنه لم ينقل عنه فعل ذلك و لا أمره و لا تقريره فيكون إدخالا في الشرع ما ليس فيه نعم يحتج بها على موضع الإجماع و هو حال السفر و الحرب و يكون ذلك مخصصا لعموم حَيْثُ ما كُنْتُمْ بما عدا ذلك و هو المطلوب انتهى. و أقول الآية بعمومها و إطلاقها تدل على جواز الصلاة على غير القبلة مطلقا و صحة ما وقع منها لغيرها مطلقا و نسخها غير معلوم فما خرج منها بدليل من إجماععلى ان قوله تعالى ❮لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ❯ معناه ما بين المشرق و المغرب من البلاد كلها و يتّحد معناه مع قوله «﴿فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾» و لو كان معناه ما بين المشرق و المغرب من من الجهات أيضا لدخل في مفهومه جهة الجنوب و الشمال على السواء و شمل كل الجهات و اما الحكم بأن صلاة المعذور إذا وقع ما بين المشرق و المغرب فهي ماضية، فانما هو لاجل أن القبلة- بيت اللّه الحرام- بعد ما كانت مفروضة، تبطل الصلاة باستدبارها عمدا و سهوا و جهلا و نسيانا كسائر الاركان كما قال (عليه السلام): «لا تعاد الصلاة الا من خمس:الوقت و الطهور و القبلة و الركوع و السجود» و أمّا إذا لم يستدبرها و لم ينحرف عنها عمدا و وقع الصلاة الى يمينها و شمالها صحت صلاته.و أمّا قوله (عليه السلام) بأن ما بين المشرق و المغرب قبلة المتحير، فالمراد حكم المتحير في المدينة (لانها موضع نشر الحكم) حيث ان قبلة المدينة إلى جهة الشمال و يمين المصلى إلى جهة الشرق، و يساره إلى جهة الغرب. و أمّا في الامكنة و البلاد التي تقع في شرق مكّة أو غربها كبلاد مصر و باكستان مثلا يكون قبلة المتحير ما بين الجنوب و الشمال بالمعنى الذي عرفت. أو غيره فهو خارج به و غير ذلك داخل فيها و أما آية القبلة الآتية فهي معارضة لهذه الآية في أكثر الأحكام و هذه مؤيدة بأصل البراءة فما لم ينضم إليه شيء آخر من إجماع أو نص فالعمل بهذه الآية فيه أقوى.ففي المسائل الخلافية التي لم يرد فيها نص أو ورد من الجانبين و لم يكن جانب البطان أقوى يمكن الاستدلال بتلك الآية فيها ففي الرابع تدل على جواز الصلاة إلى أي جهة شاء و لا يجب القضاء مع تبين الخطإ و إن كان مستدبرا و قيد ضيق الوقت في السادس غير محتاج إليه و أما صحة النافلة حضرا إذا كان ماشيا أو راكبا فهي داخلة في الآية و مؤيدة بالنصوص و التقييد بموضع الإجماع يقلل جدوى الآية بل ينفيها مع أنه ره قد استدل بها على موضع الخلاف أيضا هذا بالنظر إلى الآية مع قطع النظر عن الأخبار و ستطلع على ما تدل عليه الأخبار من اختصاص هذه الآية بالنافلة و آيات التولية بالفريضة و نزول هذه الآية في قبلة المتحير أو الخاطي في الاجتهاد.و في الكشاف و قيل معناه فأينما تولوا للدعاء و الذكر و لم يرد الصلاة و في المعالم قال مجاهد و الحسن لما نزلت وَ قالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ قالوا أين ندعوه فأنزل الله الآية و قال أبو العالية لما صرفت القبلة قالت اليهود ليس لهم قبلة معلومة فتارة يصلون هكذا و تارة هكذا فنزلت.و قال البيضاوي و قيل هذه الآية توطئة لنسخ القبلة و تنزيه للمعبود أن يكون في حيز و جهة و على هذه الأقوال ليست بمنسوخة و قيل كان للمسلمين التوجه في صلاتهم حيث شاءوا ثم نسخت بقوله فَوَلِ و هذا غير ثابت بل الأخبار تدل على خلافه ثم إنها على بعض التفاسير تدل على إباحة الصلاة في أي مكان كان.إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ علما و قدرة و رحمة و توسعة على عباده عَلِيمٌ بمصالح الكل و ما يصدر عن الكل في كل مكان و جهة.سَيَقُولُ السُّفَهاءُ الخفاف الأحلام مِنَ النَّاسِ قيل هم اليهود لكراهتهم التوجه إلى الكعبة و أنهم لا يرون النسخ و قيل المنافقون لحرصهم على الطعن و الاستهزاء و قيل المشركون قالوا رغب عن قبلة آبائه ثم رجع إليها و ليرجعن إلى دينهم و قيل يريد المنكرين لتغيير القبلة من هؤلاء جميعا ما وَلَّاهُمْ حرفهم ﴿عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ يعني بيت المقدس و القبلة كالجلسة في الأصل الحال التي عليها الإنسان من الاستقبال ثم صارت لما يستقبله في الصلاة و نحوها.و فائدة الإخبار به قبل وقوعه أن مفاجأة المكروه أشد و العلم به قبل وقوعه أبعد من الاضطراب إذا وقع لما يتقدمه من توطين النفس و أن يستعد للجواب فإن الجواب العتيد قبل الحاجة إليه أقطع للخصم بل ربما كان علم الخصم بمعرفة ذلك منهم و استعدادهم للجواب رافعا لاهتمامه على أنه سبحانه ضمن هذا الإخبار من حقارة الخصوم و سخافة عقولهم و كلامهم ما فيه تسلية عظيمة و علم الجواب المناسب و قارنه بألطاف عظيمة و في كل ذلك تأييد و تعظيم له و للمسلمين و حفظ لهم عن الاضطراب و ملاقاة المكروه.قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ له الأرض و البلاد و العباد فيفعل فيها ما يشاء و يَحْكُمُ ما يُرِيدُ على مقتضى الحكم و وفق المصلحة و على العباد الانقياد و الاتباع فبعد أمر الله بذلك لا يتوجه الإنكار و طلب العلة و المصلحة فلا يبعد أن يكون المقول في الجواب هذا المقدار لا غير كما هو المناسب لترك تطويل الكلام مع السفهاء و عدم الاشتغال ببيان خصوص مصلحة فما بعد هذا الخطاب للنبي ص تسلية له عن عدم إيمانهم و امتنانا عليه و على المؤمنين بهدايتهم لدين الإسلام أو لما هو مقتضى الحكمة و المصلحة و يجوز دخوله في الجواب توبيخا لهم و تبكيتا على عدم هدايتهم لذلك مع ما تقدم كذا قيل.و يحتمل أن يكون المراد أن المشرق و المغرب و ما فيهما مخلوقه تعالى و معلوله و لا اختصاص له بشيء منها حتى يتعين التوجه إليه فكلما علم المصلحة من التوجه إلى جهة لقوم يأمرهم بذلك ﴿يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ و هو ما تقتضيه الحكمة و المصلحة من توجيههم تارة إلى بيت المقدس و الأخرى إلى الكعبة.وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً أي عدلا أو أشرف الأمم فلذا هديناكم إلى أشرف قبلة و أفضلها لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ يوم القيامة و قد مر تفسير الآية في كتاب الإمامة و أن الخطاب إلى الأئمة و أن في قراءتهم (عليه السلام) أئمة وسطا.وَ ما ﴿جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾ قيل الموصول ليس صفة للقبلة بل ثاني مفعولي جعل أي و ما جعلنا القبلة بيت المقدس إلا لامتحان الناس كأنه أراد أن أصل أمرك أن تستقبل الكعبة و استقبالك بيت المقدس كان عارضا لغرض.و قيل يريد و ما جعلنا القبلة الآن التي كنت عليها بمكة أي الكعبة و ما رددناك إليها إلا امتحانا لأن رسول الله ص كان يصلي بمكة إلى الكعبة قال في الروض الانف: و في الحديث دليل على أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان يصلّي بمكّة الى بيت المقدس، و هو قول ابن عبّاس، و قالت طائفة: ما صلى الى بيت المقدس الا اذا قدم المدينة سبعة عشر شهرا أو ستة عشر شهرا فعلى هذا يكون في القبلة نسخان:نسخ سنة بسنة و نسخ سنة بقرآن و قد بين حديث ابن عبّاس منشأ الخلاف في هذه المسألة، فروى عنه من طرق صحاح أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان إذا صلى بمكّة استقبل البيت المقدس فلما كان (عليه السلام) يتحرى القبلتين جميعا لم يبن توجهه الى بيت المقدس للناس حتّى خرج من مكّة، و اللّه اعلم انتهى.و هذا مستبعد جدا بل محال عادة لان المسلمين كانوا محصورين ثلاث سنين في شعب أبى طالب و كانوا يصلون، و ليس هذا الشعب في الناحية الجنوبية من مكّة، و كان (صلى الله عليه وآله وسلم) يصلى في دار خديجة (عليها السلام) شرقيّ مكّة و لا يمكن فيها استقبال الكعبة و بيت المقدس معا، الا أن يلتزم أحد بأن المسلمين لم يصلوا في مكّة منذ ثلاث عشرة سنة الا في الجانب الجنوبى من المسجد الحرام و أيضا فانه (صلى الله عليه وآله وسلم) سافر الى الطائف و صلى في سفره قطعا، و الطائف شرقيّ مكّة و لا يمكن فيه استقبال مكّة و بيت المقدس جميعا، و هاجر المسلمون الى حبشة و بقوا هناك سنين قبل الهجرة الى المدينة المنورة و لا يمكن من الحبشة استقبال القبلتين، الا أن يلتزم بأنهم لم يصلوا، أو كان تكليفهم غير تكليف نبيهم (صلى الله عليه وآله وسلم).و العجب من صاحب الروض الانف مع كمال دقته و تفطنه لجوانب الأمور و أطرافها كما يعلم من تتبع كتابه كيف اختار هذا القول، و بالجملة فالالتزام بوجود نسختين في القبلة أهون.و ان لم يمكن أو استبعد ذلك، فينبغي أن يقال: ان الكعبة كانت بيت المقدس، الا أن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لم يجعل الكعبة خلف ظهره قط، بل كان يقف الى بيت المقدس اما بحذائه إذا امكنه، و الا فبحيث يكون الكعبة الى أحد جوانبه، و هذا تشريف منه للكعبة الشريفة و أدب لم يكن واجبا على سائر المسلمين و اللّه العالم. ثم أمر بالصلاة إلى صخرة بيت المقدس بعد الهجرة تأليفا لليهود ثم حول إلى الكعبة و قيل بل كانت قبلته بمكة بيت المقدس إلا أنه كان يجعل الكعبة بينه و بينه كما روي عن ابن عباس و سيأتي من تفسير الإمام (عليه السلام) فيمكن أن يراد ذلك أيضا باعتبار جعله الكعبة بينه و بين بيت المقدس فكأنها كانت قبلة له في الجملة.و قيل القبلة التي كنت مقبلا و حريصا عليها و مديما على حبها أن تجعل قبلة و ربما يضمن الجعل معنى التحويل أو يحذف المفعول الثاني أي منسوخة أو يحذف مضاف أي تحويل القبلة و لا يخفى ضعف الجميع و يحتمل أن يكون المعنى و ما شرعنا و قررنا القبلة التي كنت عليها قبل ذلك أو يكون المفعول الثاني محذوفا أي مقررة أو مفروضة و الموصول على الوجهين صفة للقبلة.إِلَّا لِنَعْلَمَ إلا امتحانا للناس لنعلم من يثبت على الدين مميزا ممن يرتد و ينكص على عقبيه فعلى الوجه الأول و بعض الوجوه الأخيرة يمكن أن يراد لنعلم ذلك عند كونها قبلة أو الآن عند الصرف إلى الكعبة ذلك أو الأعم و لعله أولى.و قيل في تأويل ما توهمه الآية من توقف علمه سبحانه على وجود المعلوم وجوه الأول أن المراد به و بأمثاله العلم الذي يتعلق به الجزاء أي العلم به موجودا حاصلا.الثاني أن المراد به التمييز فوضع العلم موضع التميز لأن العلم يقع به التميز و هو الذي يقتضيه قوله مِمَّنْ يَنْقَلِبُ كما أومأنا إليه كما قال تعالى ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ و يشهد له قراءة ليعلم على بناء المجهول.و الثالث أن المراد به علم الرسول و المؤمنين مع علمه فعلمه و إن كان أزليا لكن لا ريب في جواز عدم حصول علم الجميع إلا بعد الجعل كما هو الواقع.الرابع أن المراد علم الرسول ص و المؤمنين و إنما أسند علمهم إلى ذاته لأنهم خواصه و أهل الزلفى لديه.و الخامس أن المقصود بالذات علم غيره من الرسول ص و المؤمنين و الملائكة لكنه ضمهم إلى نفسه و علمهم إلى علمه إشارة إلى أنهم من خواصه و هذا قريب مما تقدمه.و السادس أنه على التمثيل أي فعلنا ذلك فعل من يريد أن يعلم.وَ إِنْ كانَتْ إن هي المخففة التي يلزمها اللام الفارقة بينها و بين النافية و الضمير لما دل عليه قوله وَ ما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ من الردة و التحويلة و الجعلة و قيل للكعبة لَكَبِيرَةً أي ثقيلة شاقة ﴿إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ أي هداهم الله للثبات و البقاء على دينه و الصدق في اتباع الرسول ص.وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ اللام لام الجحود لتأكيد النفي ينتصب الفعل بعدها بتقدير أن و الخطاب للمؤمنين تأييدا لهم و ترغيبا في الثبات إِيمانَكُمْ قيل أي ثباتكم على الإيمان و رسوخكم فيه و قيل إيمانكم بالقبلة المنسوخة أو صلاتكم إليها كما سيأتي في الرواية و عن ابن عباس لما حولت القبلة قال ناس كيف أعمالنا التي كنا نعمل في قبلتنا الأولى و كيف بمن مات من إخواننا قبل ذلك فنزلت إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ فلا يضيع أجورهم. فأشار اللّه عزّ و جلّ الى ردّ مزعمتهم من استحالة النسخ بقوله «وَ ما ﴿جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ وَ إِنْ ﴿كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾» أى أنّها كبيرة يشق احتمالها و هضمها و التصديق بأن كلتا القبلتين حكم مرضى للّه عزّ و جلّ بعد ما سول لهم الشيطان بأن ذلك من البداء المستحيل، الا على الذين هداهم اللّه الى حقائق الايمان فاعترفوا بالنسخ و البداء تسليما و اخلاصا للّه و حسن بلائه.ثمّ خاطب المؤمنين تسلية لهم و قال: «وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ» فانكم آمنتم بالقبلة الأولى، ثمّ لما وجهتكم عنها الى غيرها قبلتم و آمنتم و صدقتم، فصلواتكم كلها الى القبلتين مقبولة غير ضائعة عند ربكم لأنّها كانت عن ايمان. فالايمان في الآية بمعناه الاصلى، لكنها لما كان متعلقا بأمر القبلة في صلواتهم تأوله المفسرون بالصلاة، فافهم ذلك. ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ﴾ قيل أي تردد وجهك في جهة السماء تطلعا للوحيروي أن رسول الله ص صلى مدة مقامه بمكة إلى بيت المقدس ثلاث عشرة سنة و بعد مهاجرته إلى المدينة سبعة أشهر على ما رواه علي بن إبراهيم و ذكره جماعة.و قال الصدوق رحمه الله تسعة عشر شهرا كما سيأتي و المشهور بين العامة ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا فقالت اليهود تعييرا إن محمدا تابع لنا يصلي إلى قبلتنا فاغتم لذلك رسول الله و إنه كان قد استشعر أنه سيحول إلى الكعبة أو كان وعد ذلك كما قيل أو كان يحبه و يترقبه لأنها أقدم القبلتين و قبلة أبيه إبراهيم و أدعى للعرب إلى الإسلام لأنها مفخرهم و مزارهم و مطافهم فاشتد شوقه إلى ذلك مخالفة على اليهود و تمييزا منهم و خرج في جوف الليل ينظر إلى آفاق السماء منتظرا في ذلك من الله أمرا.- وَ رُوِيَ أَنَّهُ ص قَالَ لِجَبْرَئِيلَ (عليه السلام) وَدِدْتُ أَنْ يُحَوِّلَنِي اللَّهُ إِلَى الْكَعْبَةِ فَقَالَ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام) إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ مِثْلُكَ وَ أَنْتَ كَرِيمٌ عَلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْ فَإِنَّكَ عِنْدَ اللَّهِ بِمَكَانٍ فَعَرَجَ جَبْرَئِيلُ وَ جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ص يُدِيمُ النَّظَرَ إِلَى السَّمَاءِ رَجَاءَ أَنْ يَنْزِلَ جَبْرَئِيلُ بِمَا يُحِبُّ مِنْ أَمْرِ الْقِبْلَةِ فَلَمَّا أَصْبَحَ وَ حَضَرَ وَقْتُ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَ قَدْ صَلَّى مِنْهَا رَكْعَتَيْنِ نَزَلَ جَبْرَئِيلُ فَأَخَذَ بِعَضُدَيْهِ وَ حَوَّلَهُ إِلَى الْكَعْبَةِ وَ أَنْزَلَ عَلَيْهِ قَدْ نَرىالْآيَةَ فَصَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ إِلَى الْكَعْبَةِ.. و قال بعضهم: دل الحديث على أن المشى الضرورى لا يبطل الصلاة و فيه ايماء الى أن تقدم النساء على الرجال و محاذاتهم لمن في الصلاة مخل بالصلاة و على ما ذكرنا، فلا يدل على شيء من ذلك، بل يدلّ على رجحان تقدم الرجال على النساء، فلما تحولوا بقى الرجال في مكانهم و النساء في مكانهن متقدمات على الرجال بعد أن كن متأخرات و لم يبطل صلاتهم بذلك التقدّم الحادث أثناء الصلاة، ثمّ لا نعلم أن ذلك كان في جماعة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لاختلاف الاخبار في ذلك. و قيل قد هنا على أصله من التوقع و التحقيق من غير اعتبار تقليل و لا تكثير و قيل هنا للتكثير و قيل للتقليل لقلة وقوع المرئي من تقلب وجهه (عليه السلام) و الرؤية منه تعالى علمه سبحانه بالمرئي و ليس بآلة كما في حقنا.فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً فلنعطينك و لنمكننك من استقبالها من قولك وليته كذا إذا جعلته واليا له أو فليجعلنك تلي سمتها تَرْضاها تحبها و تميل إليها لأغراضك الصحيحة فلا يستلزم ذلك سخط بيت المقدس و لا سخط التوجه إليه.و الشطر النحو و الجهة و المراد
[بحار الأنوار (ج74-92)] · موسوعة الغيبة والظهور