بظاهره ينافي ما روي في الأخبار المستفيضة من أنّه عليه السّلام إذا ظهر ضرب الناس بسيفه و بسوطه، حتّى يدخلوا في دينه طائعين أو كارهين، فيجييء تأويل قوله تعالى: هُوَ اَلَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدىََ وَ دِينِ اَلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى اَلدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ اَلْمُشْرِكُونَ فإنّ ظهور دينه على جميع الأديان إنّما يكون في زمان المهدي عليه السّلام على ما نطقت به الأخبار.
قلت:
قد كنت أفكر في تلك الأخبار مدّة و أطلب وجه الجمع بينهما، حتّى وفق اللّه تعالى الوقوف على حديث يجتمع بين هذه الأخبار و حاصله أنّ المهدي عليه السّلام إذا خرج أحيا اللّه سبحانه له جماعة ممّن محّض الكفر محضا كما سيأتي بيانه، فهؤلاء الأحياء الّذين تقدّم موتهم و رأوا العذاب عيانا و اضطروا إلى الايمان، لا يقبل المهدي عليه السّلام منهم توبة، لأنّ توبتهم في هذه الحال مثل توبة فرعون لمّا أدركه الغرق، فقال عزّ و جلّ في جوابه: آلْآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ فلم يقبل له توبة، و مثل توبة من بلغت روحه إلى حلقه و تغرغرت في صدره، و رأى مكانه من النّار و عاينه فأنّه إذا تاب لا يقبل له توبة أيضا.
فالمراد بالنّفس الّتي لا ينفعها إيمانها هذه النّفس، و أمّا الأحياء الّذين يكونون في زمان ظهوره عليه السّلام و لم يسبق عليهم الموت فلا يقبل عليه السّلام منهم إلاّ القتل أو الإيمان.
انتهى كلامه أعلا اللّه مقامه، هذا و يمكن الجمع أيضا بحمل الأخبار الدالّة على قبوله التوبة على إبتداء ظهوره، و عدم استقرار ملكه، و معاملتهم على الظّاهر لا على الواقع، و الأخبار الدالّة على عدم قبوله التوبة على زمانه استقرار سلطنته و دولته و عندها يعاملهم على الواقع و لا يقبل توبة من أحد، و هذا الجمع يساعده الإعتبار.
بشارة الإسلام في علامات المهدي عليه السلام — الجزء 1 — ص 154 · ما ورد عن طريق اصحابنا