واستقبح من نفسك ما تستقبح من غيرك، وارض من الناس لك ما ترضى به لهم منك ولا تقل بما لا تعلم، بل لا تقل كلما تعلم، ولا تقل مالا تحب أن يقال لك.
واعلم أن الاعجاب ضد الصواب وآفة الالباب فإذا أنت هديت لقصدك فكن أخشع ما تكون لربك.
واعلم أن أمامك طريقا ذا مشقة بعيدة وأهوال شديدة وأنه لا غنى بك فيه عن حسن الارتياد وقدر بلاغك من الزاد مع خفة الظهر، فلا تحملن على ظهرك فوق بلاغك، فيكون ثقلا ووبالا عليك وإذا وجدت من أهل الحاجة من يحمل لك زادك فيوافيك به حيث تحتاج إليه فاغتنمه، واغتنم من استقرضك في حال غناك و اجعل وقد قضائك في يوم عسرتك.
واعلم أن أمامك عقبة كؤودا لا محالة مهبطا بك على جنة أو على نار، المخف ____________ فارض من الناس اذا عاملوك بمثل ما تعاملهم ولا تطلب منهم أزيد مما تقدم لهم.
الاعجاب: استحسان ما يصدر عن النفس.
الارتياد: الطلب أصله واوى من راد يرود وحسن الارتياد: إتيانه من وجهه.
البلاغ بالفتح: الكفاية أى ما يكفى من العيش ولا يفضل.
في قوله: " من استقرضك إلخ " حث على الصدقة والمراد انك اذا أنفقت المال على الفقراء وأهل الحاجة كان أجر ذلك وثوابه ذخيرة لك تنالها في القيامة فكانهم حملوا عنك زادا ويؤدونه اليك وقت الحاجة.
كذا وفى النهج [ واغتنم من استقرضك في حال غناك ليجعل قضاءه لك في يوم عسرتك ].
(*) صفحة فيها أحسن حالا من المثقل فارتد لنفسك قبل نزولك واعلم أن الذي بيده ملكوت خزائن الدنيا والآخرة قد أذن بدعائك وتكفل بإجابتك وأمرك أن تسأله ليعطيك وهو رحيم، لم يجعل بينك وبينه ترجمانا.
ولم يحجبك عنه.
ولم يلجئك إلى من يشفع إليه لك.
ولم يمنعك إن أسأت التوبة.
ولم يعيرك بالانابة.
ولم يعاجلك بالنقمة.
ولم يفضحك حيث تعرضت للفضيحة.
ولم يناقشك بالجريمة.
ولم يؤيسك من الرحمة.
ولم يشدد عليك في التوبة فجعل النزوع عن الذنب حسنة.
وحسب سيئتك واحدة.
وحسب حسنتك عشرا.
وفتح لك باب المتاب والاستيناف، فمتى شئت سمع نداءك ونجواك فأفضيت إليه بحاجتك وأنبأته عن ذات نفسك وشكوت إليه همومك واستعنته على امورك وناجيته بما تستخفي به من الخلق من سرك ثم جعل بيدك مفاتيح خزائنه فألحح في المسألة يفتح لك باب الرحمة بما أذن لك فيه من مسألته، فمتى شئت استفتحت بالدعاء أبواب خزائنه، فألحح ولا يقنطك إن أبطأت عنك الاجابة فإن العطية على قدر المسألة وربما اخرت عنك الاجابة ليكون أطول للمسألة وأجزل للعطية وربما سألت الشئ فلم تؤتاه وأوتيت خيرا منه عاجلا وآجلا، أو صرف عنك لما هو خير لك فلرب أمر قد طلبته فيه هلاك دينك لو أوتيته ولتكن مسألتك فيما يعنيك مما يبقى لك جماله [ أ ] وينفى عنك وباله والمال لا يبقى له ولا تبقى له، فإنه يوشك أن ترى عاقبة أمرك حسنا أو سيئا أو يعفو العفو الكريم.
تحف العقول