وَ رُوِيَ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) خَرَجَ ذَاتَ لَيْلَةٍ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَ كَانَتْ لَيْلَةً قَمْرَاءَ، فَأَتَى الْجَبَّانَةَ، وَ لَحِقَهُ جَمَاعَةٌ يَقْفُونَ أَثَرَهُ، فَوَقَفَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ قَالَ: مَنْ أَنْتُمْ قَالُوا: شِيعَتُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَتَفَرَّسَ فِي وُجُوهِهِمْ ثُمَّ قَالَ: فَمَا لِي لَا أَرَى عَلَيْكُمْ سِيمَاءَ الشِّيعَةِ!
قَالُوا: وَ مَا سِيمَاءُ الشِّيعَةِ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ: صُفْرُ الْوُجُوهِ مِنَ السَّهَرِ، عُمْشُ الْعُيُونِ مِنَ الْبُكَاءِ، حُدْبُ الظُّهُورِ مِنَ الْقِيَامِ، خُمُصُ الْبُطُونِ مِنَ الصِّيَامِ، ذُبُلُ الشِّفَاهِ مِنَ الدُّعَاءِ، عَلَيْهِمْ غُبْرَةُ الْخَاشِعِينَ.
28- وَ قَالَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): الْمَوْتُ طَالِبٌ وَ مَطْلُوبٌ، لَا يُعْجِزُهُ الْمُقِيمُ، وَ لَا يَفُوتُهُ الْهَارِبُ، فَقَدِّمُوا وَ لَا تَتَكَلَّمُوا، فَإِنَّهُ لَيْسَ عَنِ الْمَوْتِ مَحِيصٌ، إِنَّكُمْ إِنْ لَمْ تُقْتَلُوا تَمُوتُوا، وَ الَّذِي نَفْسُ عَلِيٍّ بِيَدِهِ لَأَلْفُ ضَرْبَةٍ بِالسَّيْفِ عَلَى الرَّأْسِ أَهْوَنُ مِنَ الْمَوْتِ عَلَى فِرَاشٍ.
29- وَ مِنْ كَلَامِهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): أَيُّهَا النَّاسُ أَصْبَحْتُمْ أَغْرَاضاً تَنْتَضِلُ فِيكُمْ الْمَنَايَا، وَ أَمْوَالُكُمْ نَهْبُ الْمَصَائِبِ، وَ مَا طَعِمْتُمْ فِي الدُّنْيَا مِنْ طَعَامٍ فَلَكُمْ فِيهِ غُصَصٌ، وَ مَا شَرِبْتُمُوهُ مِنْ شَرَابٍ فَلَكُمْ فِيهِ شَرَقُ.
وَ أَشْهَدُ بِاللَّهِ مَا تَنَالُونَ مِنَ الدُّنْيَا نِعْمَةً تَفْرَحُونَ بِهَا إِلَّا بِفِرَاقِ أُخْرَى تَكْرَهُونَهَا.
أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّا خُلِقْنَا وَ إِيَّاكُمْ لِلْبَقَاءِ لَا لِلْفَنَاءِ، وَ لَكِنَّكُمْ مِنْ دَارٍ إِلَى دَارٍ تُنْقَلُونَ، فَتَزَوَّدُوا لِمَا أَنْتُمْ صَائِرُونَ إِلَيْهِ وَ خَالِدُونَ فِيهِ، وَ السَّلَامُ.
الأمالي — الجزء 1 — ص 216 · [8] المجلس الثامن