ذَلِكَ، وَ انْثَالُوا عَلَيَّ حَتَّى لَقَدْ وُطِئَ الْحَسَنَانِ وَ شَقَّ عِطَافِي، فَلَمَّا نَهَضْتُ بِهَا وَ بِالْأَمْرِ فِيهَا نَكَثَتْ طَائِفَةٌ، وَ مَرَقَتْ طَائِفَةٌ، وَ قَسَطَ آخَرُونَ، كَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا اللَّهَ يَقُولُ: «تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ»، بَلَى وَ اللَّهِ لَقَدْ سَمِعُوهَا، وَ لَكِنْ رَاقَتْهُمْ دُنْيَاهُمْ وَ أَعْجَبَهُمْ زِبْرِجُهَا.
أَمَا وَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ، لَوْ لَا حُضُورُ النَّاصِرِ، وَ لُزُومُ الْحُجَّةِ وَ مَا أَخَذَ اللَّهُ مِنْ أَوْلِيَاءِ الْأَمْرِ مِنْ أَنْ لَا يُقَارُّوا عَلَى كِظَّةِ ظَالِمٍ وَ سَغَبِ مَظْلُومٍ، لَأَلْقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا، وَ لَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسِ أَوَّلِهَا، وَ لَأَلِفُوا دُنْيَاهُمْ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْزٍ".
فَنَاوَلَهُ رَجُلُ مِنْ أَهْلِ السَّوَادِ كِتَاباً فَانْقَطَعَ كَلَامُهُ، فَمَا أَسِفْتُ عَلَى شَيْءٍ كَأَسَفِي عَلَى مَا فَاتَ مِنْ كَلَامِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهِ قُلْتُ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوْ اطَّرَدْتَ مَقَالَتَكَ مِنْ حَيْثُ أَفْضَيْتَ إِلَيْهِ مِنْهَا.
فَقَالَ: هَيْهَاتَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، تِلْكَ شِقْشِقَةٌ هَدَرَتْ ثُمَّ قَرَّتْ.
الأمالي — الجزء 1 — ص 374 · [13] المجلس الثالث عشر