فأجمع رأي القوم جميعا على أن يفعلوا- ما أشار به عليهم روبيل، فلما كان يوم الأربعاء الذي توقعوا فيه العذاب- تنحى روبيل عن القرية- حيث يسمع صراخهم و يرى العذاب إذا نزل، فلما طلع الفجر يوم الأربعاء فعل قوم يونس ما أمرهم روبيل به- فلما بزغت الشمس أقبلت ريح صفراء- مظلمة مسرعة لها صرير و حفيف و هدير فلما رأوها عجوا جميعا- بالصراخ و البكاء و التضرع إلى الله، و تابوا إليه و استغفروه- و صرخت الأطفال بأصواتها تطلب أمهاتها، و عجت سخال البهائم تطلب الثدي- و عجت الأنعام تطلب الرعي، فلم يزالوا بذلك- و يونس و تنوخا يسمعان ضجيجهم [صيحتهم] و صراخهم- و يدعوان الله عليهم بتغليظ العذاب عليهم، و روبيل في موضعه يسمع صراخهم و عجيجهم- و يرى ما نزل و هو يدعو الله- بكشف العذاب عنهم.
فلما أن زالت الشمس و فتحت أبواب السماء- و سكن غضب الرب تعالى رحمهم ____________ - السفح: عرض الجبل المنبسط أو أسفله.
- عج الرجل عجاً و عجيجاً: صاح و رفع صوته.
- بزغ الشمس: طلعت.
- الصرير: الصوت الشديد.
و حفيف الريح: صوتها في كل ما مرت به و الهدير بمعناه.
- السخال جمع السخلة: ولد الشاة.
134 الرحمن- فاستجاب دعاءهم و قبل توبتهم- و أقالهم عثرتهم، و أوحى الله إلى إسرافيل عليه السلام أن اهبط إلى قوم يونس فإنهم قد عجوا إلى البكاء و التضرع- و تابوا إلي و استغفروني- فرحمتهم و تبت عليهم، و أنا الله التواب الرحيم- أسرع إلى قبول توبة عبدي التائب من الذنوب و قد كان عبدي يونس و رسولي- سألني نزول العذاب على قومه- و قد أنزلته عليهم، و أنا الله أحق من وفى بعهده- و قد أنزلته عليهم، و لم يكن اشترط يونس حين سألني أن أنزل عليهم العذاب أن أهلكهم- فأهبط إليهم فأصرف عنهم- ما قد نزل بهم من عذابي، فقال إسرافيل: يا رب إن عذابك قد بلغ أكتافهم- و كاد أن يهلكهم- و ما أراه إلا و قد نزل بساحتهم فإلى أين أصرفه فقال الله: كلا إني قد أمرت ملائكتي- أن يصرفوه [يوقفوه] فلا ينزلوه عليهم- حتى يأتيهم أمري فيهم و عزيمتي- فاهبط يا إسرافيل عليهم و اصرفه عنهم- و اصرف به إلى الجبال- بناحية مفاوض العيون و مجاري السيول- في الجبال العاتية
تفسير العياشي