يَا أَبَا ذَرٍّ، مَا زَهِدَ عَبْدٌ فِي الدُّنْيَا إِلَّا أَثْبَتَ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فِي قَلْبِهِ، وَ أَنْطَقَ بِهَا لِسَانَهُ، وَ بَصَّرَهُ عُيُوبَ الدُّنْيَا وَ دَاءَهَا وَ دَوَاءَهَا، وَ أَخْرَجَهُ مِنْهَا سَالِماً إِلَى دَارِ السَّلَامِ.
يَا أَبَا ذَرٍّ، إِذَا رَأَيْتَ أَخَاكَ قَدْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا فَاسْتَمِعْ مِنْهُ، فَإِنَّهُ يُلْقِي إِلَيْكَ الْحِكْمَةَ.
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَزْهَدُ النَّاسِ قَالَ: مَنْ لَمْ يَنْسَ الْمَقَابِرَ وَ الْبِلَى، وَ تَرَكَ مَا يَفْنَى لِمَا يَبْقَى، وَ مَنْ لَمْ يَعُدَّ غَداً مِنْ أَيَّامِهِ، وَ عَدَّ نَفْسَهُ فِي الْمَوْتَى.
يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّ اللَّهَ (تَعَالَى) لَمْ يُوحِ إِلَيَّ أَنْ أَجْمَعَ الْمَالَ، لَكِنْ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ كُنْ مِنَ السّاجِدِينَ، وَ اعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ.
يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنِّي أَلْبَسُ الْغَلِيظَ، وَ أَجْلِسُ عَلَى الْأَرْضِ، وَ أَرْكَبُ الْحِمَارَ بِغَيْرِ سَرْجٍ، وَ أُرْدِفُ خَلْفِي، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي.
الأمالي — الجزء 1 — ص 531 · [19] مجلس يوم الجمعة الرابع من المحرم سنة سبع و خمسين و أربعمائة