وَ نَادَتْ بِانْقِضَائِهَا، وَ نَعَتْ نَفْسَهَا وَ أَهْلَهَا، فَمَثَّلَتْ بِبَلَائِهَا الْبِلَى، وَ تَشَوَّقَتْ بِسُرُورِهَا إِلَى السُّرُورِ تَخْوِيفاً وَ تَرْغِيباً، فَابْتَكَرَتْ بِعَافِيَةِ، وَ رَاحَتْ بِفَجِيعَةٍ، فَذَمَّهَا رِجَالٌ فَرَّطُوا غَدَاةَ النَّدَامَةِ، وَ حَمِدَهَا آخَرُونَ اكْتَسَبُوا فِيهَا الْخَيْرَ.
فَيَا أَيُّهَا الذَّامُّ لِلدُّنْيَا، الْمُغْتَرُّ بِغُرُورِهَا، مَتَى اسْتَذَمَّتْ إِلَيْكَ، أَمْ مَتَى غَرَّتْكَ، أَ بِمَضَاجِعِ آبَائِكَ مِنَ الْبِلَى، أَمْ بِمَصَارِعِ أُمُّهَاتِكَ تَحْتَ الثَّرَى كَمْ مَرَّضْتَ بِيَدَيْكَ، وَ عَالَجْتَ بِكَفَّيْكَ تَلْتَمِسُ لَهُمُ الشِّفَاءَ، وَ تَسْتَوْصِفُ لَهُمُ الْأَطِبَّاءَ، لَمْ تَنْفَعْهُمْ بِشَفَاعَتِكَ، وَ لَمْ تُسْعِفْهُمْ فِي طَلِبَتِكَ، مَثَّلَتْ لَكَ- وَيْحَكَ- الدُّنْيَا بِمَصْرَعِهِمْ مَصْرَعَكَ، وَ بِمَضْجَعِهِمْ مَضْجَعَكَ، حِينَ لَا يُغْنِي بُكَاؤُكَ، وَ لَا يَنْفَعُكَ أَحِبَّاؤُكَ.
ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَهْلِ الْمَقَابِرِ، فَقَالَ: يَا أَهْلَ التُّرْبَةِ، وَ يَا أَهْلَ الْغُرْبَةِ، أَمَّا الْمَنَازِلُ فَقَدْ سُكِنَتْ، وَ أَمَّا الْأَمْوَالُ فَقَدْ قُسِمَتْ، وَ أَمَّا الْأَزْوَاجُ فَقَدْ نُكِحَتْ، هَذَا خَبَرُ مَا عِنْدَنَا، فَمَا خَبَرُ مَا عِنْدَكُمْ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: وَ اللَّهِ لَوْ أُذِنَ لَهُمْ فِي الْكَلَامِ لَأَخْبَرُوكُمْ أَنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى.
الأمالي — الجزء 1 — ص 595 · [26] مجلس يوم الجمعة الثالث و العشرين من شهر ربيع الأول سنة سبع و خمسين و أربعمائة