تَأَمَّلِ الْآنَ يَا مُفَضَّلُ مَا سُتِرَ عَنِ الْإِنْسَانِ عِلْمُهُ مِنْ مُدَّةِ حَيَاتِهِ فَإِنَّهُ لَوْ عَرَفَ مِقْدَارَ عُمُرِهِ وَ كَانَ قَصِيرَ الْعُمُرِ لَمْ يَتَهَنَّأْ بِالْعَيْشِ مَعَ تَرَقُّبِ الْمَوْتِ وَ تَوَقُّعِهِ لِوَقْتٍ قَدْ عَرَفَهُ بَلْ كَانَ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَدْ فَنِيَ مَالُهُ أَوْ قَارَبَ الْفَنَاءَ فَقَدِ اسْتَشْعَرَ الْفَقْرَ وَ الْوَجَلَ مِنْ فَنَاءِ مَالِهِ وَ خَوْفِ الْفَقْرِ عَلَى أَنَّ الَّذِي يَدْخُلُ عَلَى الْإِنْسَانِ مِنْ فَنَاءِ الْعُمُرِ أَعْظَمُ مِمَّا يَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنْ فَنَاءِ الْمَالِ لِأَنَّ مَنْ يَقِلُّ مَالُهُ يَأْمُلُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مِنْهُ فَيَسْكُنُ إِلَى ذَلِكَ وَ مَنْ أَيْقَنَ بِفَنَاءِ الْعُمُرِ اسْتَحْكَمَ عَلَيْهِ الْيَأْسُ وَ إِنْ كَانَ طَوِيلَ الْعُمُرِ ثُمَّ عَرَفَ ذَلِكَ وَثِقَ بِالْبَقَاءِ وَ انْهَمَكَ فِي اللَّذَّاتِ وَ الْمَعَاصِي وَ عَمِلَ عَلَى أَنَّهُ يَبْلُغُ مِنْ ذَلِكَ شَهْوَتَهُ ثُمَّ يَتُوبُ فِي آخِرِ عُمُرِهِ وَ هَذَا مَذْهَبٌ لَا يَرْضَاهُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ وَ لَا يَقْبَلُهُ أَ لَا تَرَى لَوْ أَنَّ عَبْداً لَكَ عَمِلَ عَلَى أَنَّهُ يُسْخِطُكَ سَنَةً وَ يُرْضِيكَ يَوْماً أَوْ شَهْراً لَمْ تَقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُ وَ لَمْ يَحُلَّ عِنْدَكَ مَحَلَّ الْعَبْدِ الصَّالِحِ دُونَ أَنْ يُضْمِرَ طَاعَتَكَ وَ نُصْحَكَ فِي كُلِّ الْأُمُورِ وَ فِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ عَلَى تَصَرُّفِ الْحَالاتِ فَإِنْ قُلْتَ أَ وَ لَيْسَ قَدْ يُقِيمُ الْإِنْسَانُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ حِيناً ثُمَّ يَتُوبُ فَتُقْبَلُ تَوْبَتُهُ قُلْنَا إِنَّ ذَلِكَ شَيْءٌ يَكُونُ مِنَ الْإِنْسَانِ لِغَلَبَةِ
توحيد المفضل — ص 82 · ما ستر عن الإنسان علمه من مدة حياته