عَمَّا حَاوَلُوا مِنْ صَنْعَتِهَا عَلَى حِرْصِهِمْ وَ اجْتِهَادِهِمْ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ لَوْ ظَفِرُوا بِمَا حَاوَلُوا مِنْ هَذَا الْعِلْمِ كَانَ لَا مَحَالَةَ سَيَظْهَرُ وَ يَسْتَفِيضُ فِي الْعَالَمِ حَتَّى تَكْثُرَ الْفِضَّةُ وَ الذَّهَبُ وَ يَسْقُطَا عِنْدَ النَّاسِ فَلَا تَكُونُ لَهُمَا قِيمَةٌ وَ يَبْطُلُ الِانْتِفَاعُ بِهِمَا فِي الشِّرَاءِ وَ الْبَيْعِ وَ الْمُعَامَلَاتِ وَ لَا كَانَ يَجْبِي السُّلْطَانُ الْأَمْوَالَ وَ لَا يَدَّخِرُهُمَا أَحَدٌ لِلْأَعْقَابِ وَ قَدْ أُعْطِيَ النَّاسُ مَعَ هَذَا صَنْعَةَ الشَّبَهِ مِنَ النُّحَاسِ وَ الزُّجَاجِ مِنَ الرَّمْلِ وَ الْفِضَّةِ مِنَ الرَّصَاصِ وَ الذَّهَبِ مِنَ الْفِضَّةِ وَ أَشْبَاهِ ذَلِكَ مِمَّا لَا مَضَرَّةَ فِيهِ فَانْظُرْ كَيْفَ أُعْطُوا إِرَادَتَهُمْ فِي مَا لَا ضَرَرَ فِيهِ وَ مُنِعُوا ذَلِكَ فِيمَا كَانَ ضَارّاً لَهُمْ لَوْ نَالُوهُ وَ مَنْ أَوْغَلَ فِي الْمَعَادِنِ انْتَهَى إِلَى وَادٍ عَظِيمٍ يَجْرِي مُنْصَلِتاً بِمَاءٍ غَزِيرٍ لَا يُدْرَكُ غَوْرُهُ وَ لَا حِيلَةَ فِي عُبُورِهِ وَ مِنْ وَرَائِهِ أَمْثَالُ الْجِبَالِ مِنَ الْفِضَّةِ تَفَكَّرِ الْآنَ فِي هَذَا مِنْ تَدْبِيرِ الْخَالِقِ الْحَكِيمِ فَإِنَّهُ أَرَادَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنْ يَرَى الْعِبَادُ قُدْرَتَهُ وَ سَعَةَ خَزَائِنِهِ لِيَعْلَمُوا أَنَّهُ لَوْ شَاءَ أَنْ يَمْنَحَهُمْ كَالْجِبَالِ مِنَ الْفِضَّةِ لَفَعَلَ لَكِنْ لَا صَلَاحَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فَيَكُونُ فِيهَا كَمَا ذَكَرْنَا سُقُوطُ هَذَا الْجَوْهَرِ عِنْدَ النَّاسِ وَ قِلَّةُ انْتِفَاعِهِمْ بِهِ وَ اعْتَبِرْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ قَدْ يَظْهَرُ الشَّيْءُ الظَّرِيفُ مِمَّا يُحْدِثُهُ النَّاسُ مِنَ الْأَوَانِي وَ الْأَمْتِعَةِ فَمَا دَامَ عَزِيزاً قَلِيلًا فَهُوَ نَفِيسٌ جَلِيلٌ آخِذُ الثَّمَنِ فَإِذَا فَشَا وَ كَثُرَ فِي أَيْدِي النَّاسِ سَقَطَ عِنْدَهُمْ وَ خَسَّتْ قِيمَتُهُ وَ نَفَاسَةُ الْأَشْيَاءِ مِنْ عِزَّتِهَا
توحيد المفضل — ص 153 · أنواع المعادن و استفادة الإنسان منها