وَ عَلَى حَسَبِ هَذَا أَيْضاً نَقُولُ إِنَّ الْعَقْلَ يَعْرِفُ الْخَالِقَ مِنْ جِهَةٍ تُوجِبُ عَلَيْهِ الْإِقْرَارَ وَ لَا يَعْرِفُهُ بِمَا يُوجِبُ لَهُ الْإِحَاطَةَ بِصِفَتِهِ فَإِنْ قَالُوا فَكَيْفَ يُكَلَّفُ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ مَعْرِفَتَهُ بِالْعَقْلِ اللَّطِيفِ وَ لَا يُحِيطُ بِهِ قِيلَ لَهُمْ إِنَّمَا كُلِّفَ الْعِبَادُ مِنْ ذَلِكَ مَا فِي طَاقَتِهِمْ أَنْ يَبْلُغُوهُ وَ هُوَ أَنْ يُوقِنُوا بِهِ وَ يَقِفُوا عِنْدَ أَمْرِهِ وَ نَهْيِهِ وَ لَمْ يُكَلَّفُوا الْإِحَاطَةَ بِصِفَتِهِ كَمَا أَنَّ الْمَلِكَ لَا يُكَلِّفُ رَعِيَّتَهُ أَنْ يَعْلَمُوا أَ طَوِيلٌ هُوَ أَمْ قَصِيرٌ وَ أَبْيَضُ هُوَ أَمْ أَسْمَرُ وَ إِنَّمَا يُكَلِّفُهُمُ الْإِذْعَانَ لِسُلْطَانِهِ وَ الِانْتِهَاءَ إِلَى أَمْرِهِ أَ لَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ أَتَى بَابَ الْمَلِكِ فَقَالَ اعْرِضْ عَلَيَّ نَفْسَكَ حَتَّى أَتَقَصَّى مَعْرِفَتَكَ وَ إِلَّا لَمْ أَسْمَعْ لَكَ كَانَ قَدْ أَحَلَّ نَفْسَهُ بِالْعُقُوبَةِ فَكَذَا الْقَائِلُ إِنَّهُ لَا يُقِرُّ بِالْخَالِقِ سُبْحَانَهُ حَتَّى يُحِيطَ بِكُنْهِهِ مُتَعَرِّضاً لِسَخَطِهِ فَإِنْ قَالُوا أَ وَ لَيْسَ قَدْ نَصِفُهُ فَنَقُولُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ الْجَوَادُ الْكَرِيمُ قِيلَ لَهُمْ كُلُّ هَذِهِ صِفَاتُ إِقْرَارٍ وَ لَيْسَتْ صِفَاتِ إِحَاطَةٍ فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ حَكِيمٌ وَ لَا نَعْلَمُ بِكُنْهِ ذَلِكَ مِنْهُ وَ كَذَلِكَ
توحيد المفضل — ص 177 · معرفة العقل للخالق معرفة إقرار لا معرفة إحاطة