أما الإمام الصّادق فانه مسترسل في كلامه كل الترسل، سمح في عبارته كل السماحة.
ثمّ ان في كتاب التوحيد تناسق في البحوث، و وحدة موضوعية منعدمة في مؤلّفات الجاحظ، لان الجاحظ يتبع طريقة الاستطراد و يبتعد كثيرا عن صلب الموضوع.
و لو كان كتاب التوحيد للجاحظ حقا، لأودع فيه شيئا من آرائه الخاصّة في الاعتزال، او آراء بعض أئمة المعتزلة، و ما لهم من عقائد في باب الحكمة و التدبير في الخلق، كما هو شأنه في بحوثه الكلامية...
و بعكس ذلك نرى روح التشيع متجلية ظاهرة في كتاب التوحيد، و ان سهولة عبارته اقرب ما تكون ميلا إلى أسلوب الإمام الصّادق و الأفكار التي كان يمليها على المآت من تلاميذه و أصحابه.
و الجاحظ كان يتناول الأفكار بروح يبدو انه خال من حرارة الايمان، و انه يأتي الفن بقصد العبث و التلاعب، و اظهار المقدرة البيانية، و هي روح تقصيه عن مكان الكاتب ذي الرسالة السامية، و الذي يقول و يعنى ما يقول، ثمّ يؤمن بما يقول، لذلك لا يحس قارئ الجاحظ إلّا بالنشوة تخامره، و باللذة تساوره، و بالاعجاب بقدرة هذا 34 الفنان، ان اخرج من الحق باطلا، و من الباطل حقا.
لكنه مع هذا يعجز ان يحمل القارئ على الايمان بما يرى، و التصديق لما يقول و الجاحظ إذا اخضع مختلف المواضيع لاسلوبه، لم يخضع بينها الفلسفة بحدودها و مصطلحاتها و تعاريفها و انما تناولها تناول أديب يتفلسف و كتاب التوحيد و ان لم يكن موضوعه فلسفيا، فهو من النتائج الفلسفية البعيدة الاغوار التي لا ينتهى إليها إلّا من أوتي حظا عظيما من الفهم و الدراية بشئون هذا الخلق، و أحوال هذا العالم، مما هو داخل في حظيرة علم المعقول..
و الجاحظ ليس اهلا لخوض مثل موضوع كتاب التوحيد و الوقوف عند أمثاله موقف العاجم لعوده، الغائص في اغواره الكاشف عن مبهماته، العارف باصوله و فروعه.
توحيد المفضل