تقدير الحواس بعضها يلقى بعضا فَانْظُرْ كَيْفَ قَدَّرَ بَعْضَهَا يَلْقَى بَعْضاً فَجَعَلَ لِكُلِّ حَاسَّةٍ مَحْسُوساً يَعْمَلُ فِيهِ وَ لِكُلِّ مَحْسُوسٍ حَاسَّةً تُدْرِكُهُ وَ مَعَ هَذَا فَقَدْ جُعِلَتْ ____________ (1- 2) لعل الأصل في كلمة محسوس هنا هو «حس» و لا تأتي كلمة محسوس هنا، لان حس بمعنى شعر و علم فعل لازم، و من البديهي عدم جواز صيغة اسم المفعول من الفعل اللازم، إلّا إذا عدي بحرف- 60 أَشْيَاءُ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ الْحَوَاسِّ وَ الْمَحْسُوسَاتِ لَا تَتِمُّ الْحَوَاسُّ إِلَّا بِهَا كَمِثْلِ الضِّيَاءِ وَ الْهَوَاءِ فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ ضِيَاءٌ يُظْهِرُ اللَّوْنَ لِلْبَصَرِ لَمْ يَكُنِ الْبَصَرُ يُدْرِكُ اللَّوْنَ وَ لَوْ لَمْ يَكُنْ هَوَاءٌ يُؤَدِّي الصَّوْتَ إِلَى السَّمْعِ لَمْ يَكُنِ السَّمْعُ يُدْرِكُ الصَّوْتَ فَهَلْ يَخْفَى عَلَى مَنْ صَحَّ نَظَرُهُ وَ أَعْمَلَ فِكْرَهُ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الَّذِي وَصَفْتُ مِنْ تَهْيِئَةِ الْحَوَاسِّ وَ الْمَحْسُوسَاتِ بَعْضُهَا يَلْقَى بَعْضاً وَ تَهْيِئَةِ أَشْيَاءَ أُخَرَ بِهَا تَتِمُّ الْحَوَاسُّ لَا يَكُونُ إِلَّا بِعَمَلٍ وَ تَقْدِيرٍ مِنْ لَطِيفٍ خَبِيرٍ فيمن عدم البصر و السمع و العقل و ما في ذلك من الموعظة فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِيمَنْ عَدِمَ الْبَصَرَ مِنَ النَّاسِ وَ مَا يَنَالُهُ مِنَ الْخَلَلِ فِي أُمُورِهِ فَإِنَّهُ لَا يَعْرِفُ مَوْضِعَ قَدَمَيْهِ وَ لَا يُبْصِرُ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَفْرُقُ بَيْنَ الْأَلْوَانِ وَ بَيْنَ الْمَنْظَرِ الْحَسَنِ وَ الْقَبِيحِ وَ لَا يَرَى حُفْرَةً إِنْ هَجَمَ عَلَيْهَا وَ لَا عَدُوّاً إِنْ أَهْوَى إِلَيْهِ بِسَيْفٍ وَ لَا يَكُونُ لَهُ سَبِيلٌ إِلَى أَنْ يَعْمَلَ شَيْئاً مِنْ هَذِهِ الصِّنَاعَاتِ مِثْلِ الْكِتَابَةِ وَ التِّجَارَةِ وَ الصِّيَاغَةِ حَتَّى أَنَّهُ لَوْ لَا نَفَاذُ ذِهْنِهِ لَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْحَجَرِ الْمُلْقَى وَ كَذَلِكَ مَنْ عَدِمَ السَّمْعَ يَخْتَلُّ فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ فَإِنَّهُ يَفْقِدُ رَوْحَ الْمُخَاطَبَةِ وَ الْمُحَاوَرَةِ وَ يَعْدَمُ لَذَّةَ الْأَصْوَاتِ وَ اللُّحُونِ الْمُشْجِيَةِ وَ الْمُطْرِبَةِ وَ تَعْظُمُ الْمَئُونَةُ عَلَى النَّاسِ فِي مُحَاوَرَتِهِ حَتَّى يَتَبَرَّمُوا بِهِ وَ لَا يَسْمَعُ شَيْئاً مِنْ أَخْبَارِ النَّاسِ وَ أَحَادِيثِهِمْ حَتَّى يَكُونَ كَالْغَائِبِ وَ هُوَ شَاهِدٌ أَوْ كَالْمَيِّتِ
توحيد المفضل