وَ لَبَلَغَ بِهِ ذَلِكَ إِلَى أَنْ يَتَعَاطَى أُمُوراً فِيهَا تَلَفُ نَفْسِهِ وَ لَوْ كُفِيَ النَّاسُ كُلَّمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ لَمَا تَهَنَّئُوا بِالعَيْشِ وَ لَا وَجَدُوا لَهُ لَذَّةً أَ لَا تَرَى لَوْ أَنَّ امْرَءاً نَزَلَ بِقَوْمٍ فَأَقَامَ حِيناً بَلَغَ جَمِيعَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ مَطْعَمٍ وَ مَشْرَبٍ وَ خِدْمَةٍ لَتَبَرَّمَ بِالْفَرَاغِ وَ نَازَعَتْهُ نَفْسُهُ إِلَى التَّشَاغُلِ بِشَيْءٍ فَكَيْفَ لَوْ كَانَ طُولُ عُمُرِهِ مَكْفِيّاً لَا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ فَكَانَ مِنْ صَوَابِ التَّدْبِيرِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي خُلِقَتْ لِلْإِنْسَانِ أَنْ جُعِلَ لَهُ فِيهَا مَوْضِعُ شُغُلٍ لِكَيْلَا تُبْرِمَهُ الْبِطَالَةُ وَ لِتَكُفَّهُ عَنْ تَعَاطِي مَا لَا يَنَالُهُ وَ لَا خَيْرَ فِيهِ إِنْ نَالَهُ ____________ اللقط مصدر من لقط الشيء: اخذه من الأرض بلا تعب، و لقط الطائر الحب: أخذه بمنقاره الاشر و البطر «كلاهما بالفتح» بمعنى واحد.
و في نسخة البحار تهنوا.
87 الخبز و الماء رأس معاش الإنسان و حياته وَ اعْلَمْ يَا مُفَضَّلُ أَنَّ رَأْسَ مَعَاشِ الْإِنْسَانِ وَ حَيَاتِهِ الْخُبْزُ وَ الْمَاءُ فَانْظُرْ كَيْفَ دُبِّرَ الْأَمْرُ فِيهِمَا فَإِنَّ حَاجَةَ الْإِنْسَانِ إِلَى الْمَاءِ أَشَدُّ مِنْ حَاجَتِهِ إِلَى الْخُبْزِ وَ ذَلِكَ أَنَّ صَبْرَهُ عَلَى الْجُوعِ أَكْثَرُ مِنْ صَبْرِهِ عَلَى الْعَطَشِ وَ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْمَاءِ أَكْثَرُ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْخُبْزِ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِشُرْبِهِ وَ وُضُوئِهِ وَ غُسْلِهِ وَ غَسْلِ ثِيَابِهِ وَ سَقْيِ أَنْعَامِهِ وَ زَرْعِهِ فَجُعِلَ الْمَاءُ مَبْذُولًا لَا يُشْتَرَى لِتَسْقُطَ عَنِ الْإِنْسَانِ الْمَئُونَةُ فِي طَلَبِهِ وَ تَكَلُّفِهِ وَ جُعِلَ الْخُبْزُ مُتَعَذِّراً لَا يُنَالُ إِلَّا بِالْحِيلَةِ وَ الْحَرَكَةِ لِيَكُونَ لِلْإِنْسَانِ فِي ذَلِكَ شُغُلٌ يَكُفُّهُ عَمَّا يُخْرِجُهُ إِلَيْهِ الْفَرَاغُ مِنَ الْأَشَرِ وَ الْعَبَثِ أَ لَا تَرَى أَنَّ الصَّبِيَّ يُدْفَعُ إِلَى الْمُؤَدِّبِ وَ هُوَ طِفْلٌ لَمْ تَكْمُلْ ذَاتُهُ لِلتَّعْلِيمِ كُلُّ ذَلِكَ لِيَشْتَغِلَ عَنِ اللَّعِبِ وَ الْعَبَثِ اللَّذَيْنِ رُبَّمَا جَنَيَا عَلَيْهِ وَ عَلَى أَهْلِهِ الْمَكْرُوهَ الْعَظِيمَ وَ هَكَذَا الْإِنْسَانُ لَوْ خَلَا مِنَ الشُّغُلِ لَخَرَجَ مِنَ الْأَشَرِ وَ الْعَبَثِ وَ الْبَطَرِ إِلَى مَا يَعْظُمُ ضَرَرُهُ عَلَيْهِ وَ عَلَى مَنْ قَرُبَ مِنْهُ وَ اعْتَبِرْ ذَلِكَ بِمَنْ نَشَأَ فِي الْجِدَةِ
توحيد المفضل