حَادِي، وَ نَادَاكم لِلْمَوْتِ مُنَادِي، فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا، وَ لا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللّهِ الْغَرُورُ.
أَلَا وَ إِنَّ الدُّنْيَا دَارٌ غَرَّارَةٌ خَدَّاعَةٌ، تَنْكِحُ فِي كُلِّ يَوْمٍ بَعْلًا، وَ تَقْتُلُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ أَهْلًا، وَ تُفَرِّقُ فِي كُلِّ سَاعَةٍ شَمْلًا، فَكَمْ مِنْ مُنَافِسٍ فِيهَا، وَ رَاكِنٍ إِلَيْهَا مِنَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ، قَدْ قَذَفَتْهُمْ فِي الْهَاوِيَةِ، وَ دَمَّرَتْهُمْ تَدْمِيراً، وَ تَبَّرَتْهُمْ تَتْبِيراً، وَ أَصْلَتْهُمْ سَعِيراً.
أَيْنَ مَنْ جَمَعَ فَأَوْعَى، وَ شَدَّ فَأَوْكَى، وَ مَنَعَ فَأَكْدَى بَلَى أَيْنَ مَنْ عَسْكَرَ الْعَسَاكِرَ، وَ دَسْكَرَ الدَّسَاكِرَ، وَ رَكِبَ الْمَنَابِرَ، أَيْنَ مَنْ بَنَى الدُّورَ، وَ شَرَّفَ الْقُصُورَ، وَ جَمْهَرَ الْأُلُوفَ قَدْ تَدَاوَلَتْهُمْ أَيَّامُهَا، ابْتَعَلَتْهُمْ أَعْوَامُهَا، فَصَارُوا أَمْوَاتاً، وَ فِي الْقُبُورِ رُفَاتاً، قَدْ نَسُوا مَا خَلَّفُوا، وَ وَقَفُوا عَلَى مَا أَسْلَفُوا، ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ، أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَ هُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ.
وَ كَأَنِّي بِهَا وَ قَدْ أَشْرَقَتْ بِطَلَائِعِهَا، وَ عَسْكَرَتْ بِفَظَائِعِهَا، فَأَصْبَحَ الْمَرْءُ بَعْدَ صِحَّتِهِ مَرِيضاً، وَ بَعْدَ سَلَامَتِهِ نَقِيضاً، يُعَالِجُ كَرْباً، وَ يُقَاسِي تَعَباً، فِي حَشْرَجَةِ السِّبَاقِ، وَ تَتَابُعِ الْفُوَاقِ، وَ تَرَدُّدِ الْأَنِينِ، وَ الْذُّهُولِ عَلَى الْبَنَاتِ وَ الْبَنِينَ، وَ الْمَرْءُ قَدِ اشْتَمَلَ عَلَيْهِ شُغُلٌ شَاغِلٌ، وَ هَوْلٌ هَائِلٌ، قَدِ اعْتُقِلَ مِنْهُ اللِّسَانُ، وَ تَرَدَّدَ مِنْهُ الْبَنَانُ، فَأَصَابَ مَكْرُوهاً، وَ فَارَقَ الدُّنْيَا مَسْلُوباً، لَا يَمْلِكُونَ لَهُ نَفْعاً، وَ لَا لِمَا حَلَّ بِهِ دَفْعاً، يَقُولُ اللَّهُ (عَزَّ وَ جَلَّ) فِي كِتَابِهِ:
الأمالي — الجزء 1 — ص 685 · [38] مجلس يوم الجمعة الرابع عشر من شعبان سنة سبع و خمسين و أربعمائة