و لمصلحة تعود على الخلق، لا عليه، جلت عظمته، فإذا اقتضت المصلحة وجود شيء في وقت معين أوجده سبحانه فيه، لا يتقدم عليه، و لا يتأخر عنه..
و لا مانع في حكم العقل ان تتعلق الارادة الأزلية بإيجاد الحوادث في أوقاتها الخاصة، ما دامت على ما هي قبل الحادث و بعده..
و تجدر الإشارة الى ان قول الإمام: «لأوقاتها» يومىء الى ان العالم لم يخلق دفعة واحدة بل على التدريج أو التطور، و أن كل شيء يستند في وجوده و استمراره الى إرادته تعالى مباشرة أو بواسطة ما خلق و سبّب من الأسباب، و ان الطبيعة أو البيئة هي عامل يكيف الشيء الموجود، و لا يخلقه و يوجده..
و بهذا شهدت تجارب علماء الطبيعة، و قد ذكر أحمد أمين العراقي أقوالهم في ج 2 من كتاب «التكامل في الاسلام» طبعة 3.
( و لأم بين مختلفاتها، و عرّز غرائزها، و ألزمها أشباحها ).
في الكون عوالم و عناصر متعددة و مختلفة في جوهرها و وظائفها، فالروح مثلا غير البدن حقيقة و أثرا، و لكن كلا منهما لا يقوم بوظيفته إلا اذا اقترن بالآخر، و هذا ينطبق على كل عملية عضوية في الجسم ذي الأعضاء، فما من عضو واحد منها يؤدي وظيفته إلا باقترانه مع غيره، و هكذا سائر الكائنات أو الكثير منها يرتبط بعضها مع بعض بنحو أو بآخر، و بهذا الترابط الطبيعي يسير الكائن في طريقه المرسوم له، و يحقق الغاية التي من أجلها وجد.
و يعني هذا التلاؤم و الترابط انه لا شيء وجد صدفة أو عبثا..
و أين مكان الصدفة و العبث ؟
هل هو في هذا النظام المحكم الدقيق الذي يخضع له الكون و لا يتعداه بحال ؟
أو هو في التقدير الكمي و الكيفي و الزمني لكل كائن ؟
أو هو في التعاون بين الكائنات على البناء و التعمير ؟
أبدا لا تفسير لذلك إلا بوجود القدير الحكيم، و انه المصدر الأول لكل شيء ايجادا و امدادا، و لولاه لا شيء على الاطلاق.
الحكم والكلمات وشروحها