و بعد النظر و التأمل عدلت عنه، لأن استعداد الانسان للشر تماما كاستعداده للخير أو أكثر بدليل ان أهل الشر و الضلالة أكثر بكثير من أهل الخير و الهداية.
و الذي أراه الآن و في هذه اللحظة بالذات ان المقصود بالفطرة في الآية الكريمة، و في قول الإمام عليه السلام و في حديث «كل مولود» هو ان نفس الانسان خلقت صحيفة بيضاء لا شيء فيها، و لا توحي بشيء على الاطلاق، و لكنها تقبل كل ما يكتب فيها و يرسم سواء أكان وحيا من الرحمن، أم كان تضليلا من الشيطان..
و بالبداهة ان الوحي من خالق الفطرة و هو وحده الذي يجب أن يرسم فيها ما يرسم، و أن تؤمن به و تعمل.
و يدلنا على صحة هذا التفسير ان الانسان يولد، و لا يولد معه شيء إلا حواسه الخمس، و معدة تطلب الطعام و الشراب كما هو المشاهد بالحس و الوجدان، ثم يكتسب معارفه مما يحيط به شيئا فشيئا عن طريق هذه الحواس..
و في أقوال أهل البيت عليه السلام ما يعزز ذلك و يدل عليه، قال صاحب مجمع البيان: روى أصحابنا عن الإمام الباقر: «ان الناس كانوا قبل نوح أمة واحدة على فطرة اللّه، لا مهتدين و لا ضالين، فبعث اللّه النبيين».
و سياق الآية يدل على صحة التفسير الذي اخترناه للفطرة، بل و يفرضه، لأن الآية الكريمة وردت بعد قوله تعالى: و من آياته ان خلقكم من تراب..
و من آياته ان خلق لكم من أنفسكم أزواجا..
و من آياته خلق السموات و الأرض الى قوله و هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده..
و له المثل الأعلى..
بعد هذا البيان الطويل عن انشاء الخلق و إعادته، و بعد ذكر الفطرة قال سبحانه: ذلك الدين القيّم و لكن أكثر الناس لا يعلمون أي ان الدين الحنيف القيّم الذي يجب أن تأخذ به فطرة الانسان هو الايمان باللّه الذي يبدأ الخلق ثم يعيده، لا الشرك أو اليهودية أو النصرانية، و ما الى ذلك مما لا مصدر له إلا تضليل الأبوين،
الحكم والكلمات وشروحها