كل الناس يقدسون المعاني الانسانية النبيلة، و لكن الفرق بعيد بين أن يكون هذا التقديس دينا و عقيدة ينبع من العقل و القلب، و يختلط باللحم و الدم مع الشعور بأن هذه المعاني كما هي نبيلة في ذاتها فإن الإنسان مسؤول عنها أمام قوة قادرة عادلة تراقب و تحاسب، و تثيب و تعاقب، الفرق بعيد جدا بين هذا و بين أن يكون تقديس المعاني الانسانية لمجرد انها نبيلة، و ان الانسان يفعلها لمحض انه طيب و مهذب و حسن المعاملة، دون أن يكون مسؤولا عن تركها و إهمالها أمام قوة تعلم الغيب و تحاسب من أهمل و تجاهل..
و أية جدوى من الخير في ذاته و من الشر في ذاته إذا لم يشعر الانسان انه مسؤول عن كل ذرة منهما أمام من لا يغادر كبيرة و لا صغيرة إلا أحصاها، و سأل عنها، و كافأ من أحسن بالحسنى، و من أساء بما يستحق ؟
قال أديب معاصر:
«ان من قال: لسنا في حاجة الى القرآن لنكون على أخلاق هو أشبه بالبقال الذي اكتشف ان حسن المعاملة بضاعة رابحة في حد ذاتها، و انها تكسب له قلب الزبون و جيبه».
( فنظرت فإذا ليس لي معين إلا أهل بيتي، فضننت بهم عن الموت ).
قال ابن أبي الحديد:
« ما زال علي عليه السلام يقول هذا القول، و لقد قاله عقب وفاة رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم قال: لو وجدت أربعين ذوي عزم..
ذكر ذلك نصر بن مزاحم و كثير من أرباب السير ».
و على أية حال فإن قوله عليه السلام: «ليس لي معين إلا أهل بيتي، فضننت بهم عن الموت».
واضح الدلالة على أنه كان يرى ان الخلافة حق له دون غيره، و ان قريشا انتهبوا هذا الحق و اغتصبوه، و انه لو دافع عنه بالقوة لقابلوه بقوة أشد، و ما أبقوا عليه و لا على أهله، فسكت لا حرصا على نفسه لأنه لا يبالي بالموت بل على أهله..
و تكلمنا عن ذلك مفصلا في كتاب «فلسفة التوحيد و الولاية» فصل: حول التسنن و التشيع.
الحكم والكلمات وشروحها