باب في الصرفة و الاعتراض عليها و الجواب عنه و تقرير ذلك في الصرفة هو أنه لو كانت فصاحة القرآن خارقة فقط لوجب أن يكون بينه و بين أفصح كلام العرب التفاوت الشديد الذي يكون بين الممكن و المعجز و كان لا يشتبه فصل بينه و بين ما يضاف إليه من أفصح كلام العرب كما لا يشتبه الحال بين كلامين فصيحين و إن لم يكن بينهما ما بين الممكن و المعجز.
أ لا ترى أن الفرق بين شعر الطبقة العليا من الشعراء و بين شعر المحدثين يدرك بأول نظر و لا نحتاج في معرفة ذلك الفصل إلى الرجوع إلى من تناهى في العلم بالفصاحة.
988 و قد علمنا أنه ليس بين هذين الشعرين ما بين المعتاد و الخارق للعادة فإذا ثبت ذلك و كنا لا نفرق بين بعض قصار سور المفصل و بين أفصح شعر العرب و لا يظهر لنا التفاوت بين الكلامين الظهور الذي قدمناه فلم حصل الفرق القليل و لم يحصل الكثير و لم ارتفع اللبس مع التقارب و لم يرتفع مع التفاوت.
فصل: و الاعتراضات على ذلك كثيرة منها قولهم إن الفرق بين أفصح كلام العرب و بين القرآن موقوف على متقدمي الفصحاء الذين تحدوا به.
و الجواب أن ذلك لو وقف عليهم مع التفاوت العظيم لوقف ما دونه أيضا عليهم و قد علمنا خلافه.
فأما من ينكر الفرق بين أشعار الجاهلية و المحدثين فإن أشار بذلك إلى عوام الناس و الأعاجم فلا ينكر ذلك و إن أشار إلى الذين عرفوا الفصاحة فإنه لا يخفى عليهم.
فإن قالوا الصرف عن ما ذا وقع قلنا الصرف وقع عن أن يأتوا بكلام يساوي أو يقارب القرآن في فصاحته و طريقة نظمه بأن سلب كل من رام المعارضة التي يتأتى بها ذلك.
الخرائج و الجرائح