فصل: فإن قيل عادة العرب و إن جرت في التحدي بما ذكرتموه فلا يمتنع صحة التحدي بالفصاحة دون طريقة النظم لا سيما و الفصاحة هي التي يصح فيها التفاضل و إذا لم يمتنع ذلك فما أنكرتم أن يكون تحداهم بالفصاحة دون النظم و أفهمهم قصده فلهذا لم يستعملوه.
قلنا ليس بممتنع أن يقع التحدي بالفصاحة دون النظم و إنما 1001 منعناه بالقرآن من حيث أطلق التحدي به و عري عما يخصه بوجه دون وجه فحملناه على ما عهده القوم و ألفوه في التحدي.
و لو كان صلى الله عليه وآله وسلم أفهمهم تخصيص التحدي بقول مسموع لوجب أن ينقل إلينا لفظه و لا نجد له نقلا و لو كان أخطرهم إلى قصده بمخارج الكلام أو بإشارة و غيرها لوجب اتصاله بنا أيضا لأن ما يدعو إلى النقل للألفاظ يدعو إلى نقل ما يتصل بها من مقاصد و مخارج سيما فيما تمس الحاجة إليه.
أ لا ترى أنه لما نفى النبوة بعد نبوته - بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وآله وسلم لَا نَبِيَّ بَعْدِي أفهم مراده السامعين من هذا القول أنه عنى به لا نبي من بعدي لا نبي من البشر كلهم و أراد صلى الله عليه وآله وسلم بالبعد عموم سائر الأوقات اتصل ذلك بها على حد اتصال اللفظ حتى شركنا سامعيه في معرفة الغرض و كنا في العلم به كأحدهم و في ارتفاع كل ذلك من النقل دليل على صحة قولنا.
فصل: على أن التحدي لو كان مقصورا على الفصاحة دون النظم لوقعت المعارضة من القوم ببعض فصيح شعرهم أو بليغ كلامهم لأنا نعلم حقا الفرق بين قصار السور و فصيح كلام العرب.
الخرائج و الجرائح