ثم ينظر فيما أتى به حتى يعلم أنه من أي نوع هو و كيف فضل على ما فضل عليه من أنواع الكلام حتى يعلم أنه نظم مباين لسائر المنظوم و نمط خارج عن جملة ما كانوا اعتادوه فيما بينهم من أنواع الخطب و الرسائل و الشعر و المنظوم و المنثور و الرجز و المخمس و المزدوج و العريض و القصير.
1004 فإذا تأملت ذلك و تدبرت مقاطعه و مفاتحه و سهولة ألفاظه و استجماع معانيه و أن كل لفظة منها لو غيرت لم يمكن أن يؤتى بدلها بلفظة هي أوفق من تلك اللفظة و أدل على المعنى منها و أجمع للفوائد و الزوائد منها.
و إذا كان كذلك فعند تأمل جميع ذلك يتحقق ما فيه من النظم اللائق و المعاني الصحيحة التي لا يكاد يوجد مثلها على نظم تلك العبارة و إن اجتهد البليغ و الخطيب [باب في خواص نظم القرآن] فصل في خواص نظم القرآن أولها خروج نظمه عن صور جميع أسباب المنظومات و لو لا نزول القرآن لم يقع في خلد فصيح سواه و لذلك قَالَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ لَمَّا اخْتَارَهُ قُرَيْشٌ لِلْمَصِير إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم قَرَأَ صلى الله عليه وآله وسلم عَلَيْهِ حم السَّجْدَةَ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ سَمِعْتُ أَنْوَاعَ كَلَامِ الْعَرَبِ فَمَا أَشْبَهَهُ شَيْءٌ مِنْهَا إِنَّهُ أَوْرَدَ عَلَيَّ مَا أَرَاعَنِي.
و نحوه ما حكى الله عن الجن إِنّٰا سَمِعْنٰا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ من قُلْ أُوحِيَ.
فلما عدم وجود شبه القرآن من أنواع المنظوم انقطعت أطماعهم عن معارضته.
الخرائج و الجرائح