منذ أن وعى الاِنسان القدرة الخلاّقة التي أبدعت الكون بموجوداته المتنوعة، ثم ارتبط بالمطلق (الخالق الاَحد) بدأ يفكر، وتقفز إلى ذهنه أسئلة متعددة: هل أني أستطيع التحرك والتصرف بعيداً عن سلطان (الخالق) ؟
وإلى أي حدٍّ أمتلك حريةً واختياراً فيما أفعل أو أدَعْ من الاَشياء؟
هل إني مسيّر مقهور لا أمتلك إرادة الفعل والترك، أم أنَّ هناك هامشاً معيناً من حرية الاِرادة والاختيار ؟
وإذا كنتُ أمتلكُ قدراً من تلك الحرية والاختيار، فهل أنَّ ذلك على نحو الاستقلال، بحيث أستطيع أن أقول: إنّه لا شأن للخالق القادر ولا دخلَ له بما أفعل أو أترك ؟
وإذا كان الاَمر كذلك، فكيف يستقيم ذلك مع الاعتقاد بهيمنة الخالق وسلطانه وقدرته وعلمه ؟
كانت هذه الاَسئلة وأمثالها تثارُ من قبل الاِنسان سواء كان معتنقاً لدين من الاَديان أم لم يكن.
وعلى مرّ التاريخ الفكري للاِنسان كانت هناك إجابات متنوعة: فالفلاسفة حاولوا أن يَحلّوا هذه الاِشكاليات وفق مبانيهم ونظرياتهم الفلسفية.
الأمر بين الأمرين — ص 9 · مقدِّمة الكتاب