وإذا كنتُ أمتلكُ قدراً من تلك الحرية والاختيار، فهل أنَّ ذلك على نحو الاستقلال، بحيث أستطيع أن أقول: إنّه لا شأن للخالق القادر ولا دخلَ له بما أفعل أو أترك ؟
وإذا كان الاَمر كذلك، فكيف يستقيم ذلك مع الاعتقاد بهيمنة الخالق وسلطانه وقدرته وعلمه ؟
كانت هذه الاَسئلة وأمثالها تثارُ من قبل الاِنسان سواء كان معتنقاً لدين من الاَديان أم لم يكن.
وعلى مرّ التاريخ الفكري للاِنسان كانت هناك إجابات متنوعة: فالفلاسفة حاولوا أن يَحلّوا هذه الاِشكاليات وفق مبانيهم ونظرياتهم الفلسفية.
كتاب الأمر بين الأمرين لمركز الرسالة والنصوص الدينية قدّمت إجابات، بعضها جاء محدداً واضحاً (مُحكماً) وبعضها جاء من قبيل (المتشابه) حثّاً للاِنسان؛ لكي يفكر ويتأمل ويحصل على قناعةٍ وجدانية، شريطة أن لا تتعارض مع ما هو (محكم) لا يقبل التأويل.
وأدلى (أهل الكلام) والمهتمون بالعقائد بوجهات نظرهم، فَبَعضُهم استند إلى ظواهر بعض النصوص، وأفادَ من الدرس الفلسفي ومن المنطق الشكلي، فذهب إلى القول بالجبر.
فالاِنسان ـ في نظره ـ كريشةٍ في مهب الريح، ليس له إرادة ولا قدرة ولا اختيار في الفعل أو الترك فـ (الله خالق كلّ شيء).
وبعضهم حاول تلطيف هذه الفكرة وجعلها أكثر قبولاً بابتداع نظرية الكسب.
فالاِنسان يكسب الفعل، والله هو الخالق (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) مع الاختلاف الشاسع في تفسير عملية الكسب !
وذهب قومٌ إلى حرية الاِرادة والاختيار على نحوٍ يشبه الاستقلالية في الفعل أو الترك (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر).
الأمر بين الأمرين