ولا ينافي الخلق والابداع استقلال الاِنسان في الاختيار فإنّ حاجة كتاب الأمر بين الأمرين لمركز الرسالة الممكن إلى الواجب (حسب هذه النظرية) في مرحلة الحدوث فقط، فإذا حدث، استقلّ عن الواجب وكان مستقلاً في كل فعله واختياره عن الله تعالى، ويعتقدون أنـّنا إذا سلبنا الاستقلال من الاِنسان في الاختيار وجعلنا اختيار الاِنسان في طول اختيار الله وجعلنا إرادة الاِنسان في طول إرادة الله وجعلنا لله تعالى سلطاناً على فعل الاِنسان واختياره، وقعنا في نفس المشكلة التي وقع فيها الاَشاعرة من قبل وهي نسبة الظلم والسيئات إلى الله تعالى.
أمّا حينما يكون الاِنسان مستقلاً في إرادته وفعله عن الله تعالى فلا ينسب شيء من فعله إلى الله تعالى.
وبهذه الطريقة يحاول المعتزلة أن يحافظوا على (العدل الاِلهي) إلاّ أنّهم يسلبون من حيث يعلمون أو لا يعلمون سلطان الله تعالى الدائم على عباده، ومشيئته المستمرة في خلقه وهي نقاط حساسة تمسّ التوحيد بالذات.
وإذا كان المذهب الذي يذهب إليه الاَشاعرة يمسّ (عدل الله) فإنّ المذهب الذي يذهب إليه (المعتزلة) يمسّ (توحيد الله) بشكل واضح وصريح، وقد وجدنا في ما سبق أنّ تأكيد القرآن على سلطان الله الدائم على خلقه ونفي استقلال الاِنسان في شأن من شؤونه، لا يقل عن تأكيد القرآن على حرية الاِنسان في الاختيار.
وهذه العقدة ـ كما يبدو ـ هي التي ألجأت علماء المسلمين من غير مدرسة أهل البيت إلى الالتزام بأحد المحذورين، ولولا ذلك لا نجد توجيهاً للغفلة عن كل هذه الآيات التي ذكرناها آنفاً من كتاب الله بمالها من
الأمر بين الأمرين