⟨و روي عن أبي مسروق⟩
قالسألني أبو عبد الله (عليه السلام) عن أهل البصرة فقلت: مرجئة و قدرية و حرورية قال: لعن الله تلك الملل الكافرة المشركة التي لا تعبد الله على شيء.إلى غير ذلك من الأخبار التي أعرضنا عن ذكرها روماً للاختصار و المنصف تكفيه الإشارة و المتعسف لا ينتفع و لو بألف عبارة.إذا عرفت ذلك فالكلام في هذه الأخبار يقع في مواضع يتّضح منها الحال لكلّ ناظر و سامع: أحدها: إنّ المستفاد من حديث صاحب الثريد المتقدّم انّ جُلّ الناس في زمنهم (عليهم السلام) إنّما كانوا من الجاهلين بأمر الإمامة لا معرفة لهم بها بالمرّة و لم يسمعوا بذكرها وصفتها بالكلّية سيّما سكّان البوادي و أصحاب البلدان البعيدة و أصحاب الصحاري و الحرف و الصناعات و من شغلته الدنيا عن النظر في أمر الآخرة و البله من النساء و الرجال و السبب في ذلك ما سيأتيك إن شاء الله تعالى مشروحاً في البحث الثاني فكلّ من نشأ في تلك الأيام و رأى الأمر على هذا المنوال و لم يبادر بالفحص و السؤال و لم يقم عليه الحجّة بإمامة الأئمّة الأبدال فهو من هؤلاء المشار إليهم في هذه الأخبار بأهل الضلال كما سمعته من كلام المحقّق الشارح المازندراني عطّر الله مرقده.و ثانيها: إنّ المستفاد من أخبار زرارة انّه كان يقول بالثنيّة و إنّ الناس بالنسبة إلى الإمامة امّا مؤمن أو كافر يجري عليه أحكام الكفر من النجاسة و عدم جواز المناكحة و لهذا امتنع من نكاحهم و الإمامان (عليهما السلام) قد قرّراه على ذلك و إنّما ردّا عليه في حصره الناس هذين الفردين مع أنَّ هُنا فرداً ثالثاً وهم الذين ذكروهما وهم المسلمون الذين ليسوا من أهل الوعدين وهم المؤمنون و الكافرون و إنّما أمراه بالنكاح من هؤلاء لثبوت إسلامهم كما سيظهر لك إن شاء الله تعالى فهو كما ترى صريح فيما ندّعيه من التقسيم و كفر المخالفين الغير الجاهلين و لا المستضعفين كفراً حقيقيّاً ظاهراً و باطناً و إطلاق الكفر على المخالفين في هذه الأخبار و إن وقع في كلام السائل لكن الإمامين (عليهما السلام) قرّراه عليه كما دريت و تقريرهما (عليهما السلام) حجّة شرعيّة كما تقرّر في محلّه و لم يردّا إلّا في تعميمه الحكم بالكفر للجاهلين و المستضعفين و نحوهم كما توهّمه أيضاً صاحب الثريد فيما تقدّم من حديثه. و ثالثها: إنّه يستفاد من الأخبار المذكورة انّ المسلمين الذين تجري عليهم أحكام المسلمين في تلك الأيّام و كذا في هذه الأيّام إنّما هم أهل الضلال و هم المرادون من الأخبار الواردة في الفرق بين الإيمان و الإسلام كما سيأتيك إن شاء الله تعالى في المقام دون المخالفين الذين هم موضع البحث لأنّ هذه الأخبار كما ترى صريحة في كفر من عدا المؤمنين وعدا أصحاب الضلال و المنع من مناكحتهم و متى امتنع جواز مناكحتهم امتنع إجراء سائر أحكام الإسلام عليهم لأنّ الأخبار التي استندوا إليها في الحكم بإسلام المخالفين قد دلّت على انّه متى حكم بإسلام أحد وجب إجراء تلك الأحكام عليه من النكاح و الطهارة و نحوهما و حينئذ فلما صرّحت هذه الأخبار بكفر أولئك الفجّار كفراً يمنع من جواز مناكحتهم علمنا يقيناً انّهم خارجون عن جادّة الإسلام بكليته داخلون في الكفر برمّته و علمنا انّ المسلمين في تلك الأخبار المحكوم بجواز مناكحتهم و طهارتهم و نحوهما إنّما هم هؤلاء المشار إليهم بأهل الضلال في هذه الأخبار وهم البله و المستضعفون و الجاهلون بأمر الإمامة.و رابعها: إنّه يستفاد منها كما تكرّر في مضامينها انّ هؤلاء الضلال المحكوم بإسلامهم من المرجئين لأمر الله امّا يعذّبهم و أمّا يتوب عليهم بل يستفاد من جملة من الأخبار دخولهم الجنّة مثل صحيح زرارة و هو الأوّل من رواياته حيث قال (عليه السلام) في آخره ممّا تركنا نقله منه: يا زرارة حقّاً على الله تعالى أن يُدخل الضلال الجنّة.و يدلّ عليه أيضاً ما رواه الشيخ في كتاب الغيبة في الصحيح عن زرارةعن أبي جعفر (عليه السلام) انّه قال: حقيق على الله أن يدخل الضلال الجنّة، فقال زرارة: و كيف ذلك جعلت فداك؟ قال: يموت الناطق و لا ينطق الصامت فيموت المرء بينها فيدخله الجنّة.و هذا الخبر كما ترى ظاهر في الحكم بإسلام أهل الضلال إنّما هو من حيث الجهل الساذج بالإمامة و عدم العلم بها بالكلّية و فيها إشارة ظاهرة إلى أنّ العالم بها و المنكر لها كالمخالفين ليس من هذا القسم كما سيأتيك تحقيقه إن شاء الله تعالى في البحث الآتي و نحو هذين الخبرين أخبار أُخر أيضاً أعرضنا عن نقلها اختصاراً.و حينئذ فلا يسوغ حمل الضلال في هذه الأخبار على أولئك المخالفين الذين هم محلّ البحث كما توهّمه بعض مشايخنا المعاصرين الآتي ذكره إن شاء الله تعالى و من حذا حذوه من القائلين بإسلام أولئك الكافرين للإجماع نصّاً و فتوىً على تخليد المخالفين في النار عند من عدّهم من المسلمين حيث قال المعاصر (قدس سره) بعد نقل رواية زرارة و هي الأخيرة و فيه تصريح بجواز مناكحة المخالفين و ثبوت الإسلام لهم ظاهراً مع كونهم ضلّالًا، انتهى.فإنّه كما ترى حمل الضلّال في هذه الأخبار على المخالفين و حكم إسلامهم و حلّ مناكحتهم مع أنّ هذه الأخبار كما دريت مصرّحة بأنّ أهل الضلال من المرجئين لأمر الله، بل من أهل الجنّة كما سمعت فكيف يصحّ حملهم على المخالفين مع حكمه بكون المخالفين من أهل النار ما هذا إلّا عجبٌ عجيب من مثل هذا الفاضل الأريب و لكن قصور المتتبّع للأخبار أوجب لهم الوقوع في هذا العثار و اختيار هذا القول الناقص العيار.و خامسها: انّ التعبير في جملة من هذه الأخبار عن المخالفة في الإمامة بالإنكار في بعض و الجحود في بعض دليل واضح على كون كفر هؤلاء المخالفين إنّما هو من قبيل كفر الجحود و الإنكار الموجب لخروجهم عن جادّة الإسلام بكلّيته و إنّ مخالفتهم في ذلك إنّما وقع عناداً و استكباراً لقيام الأدلّة عليهم في ذلك و سطوع البراهين فيما هنالك لأنّ الجحود و الإنكار إنّما يطلقان في مقام المخالفة بعد ظهور البرهان.قال في كتاب مجمع ألب حرين: و الجحود هو الإنكار بعد العلم، يقال: جحد حقّه جحداً و جحوداً أي أنكره مع علمه بثبوته، انتهى.و نحوه في كتاب المصباح المنير و القاموس، و الوجه في ذلك يأتي ذكره قريباً من تواتر الأخبار من طريق المخالفين بالإمامة فضلًا عن طرق الخاصّة و انتشار أدلّتها و تعدّد طرقها و رواتها لكن الله سبحانه أعمى بصر بصائرهم حتّى سلكوا في التعامي عنها مسلك العصبيّة الجاهلية الواهية و اتخذوا لتأويلات الغثة الباردة و الاحتمالات الشاردة جنة واقية فإن قيل: إن أنكر في اللغة إذا عُدّي إلى مفعول واحد فهو بمعنى الجهل.قال في المصباح المنير: أنكرته إنكار خلاف عرفته و الحال انّه في الروايات المذكورة إنّما عدّي إلى مفعول واحد.فالجواب أوّلًا: انّه لا معنى لتعلّق الإنكار بذاته (عليه السلام) في هذا المقام لمعلوميته (صلوات الله عليه) للخاص و العام فلا بدّ أن يرجع الإنكار إلى إنكار إمامته و باب المجاز في الكلام أوسع من ذلك.و ثانياً: انّه لو أُريد بالإنكار في هذه الأخبار الجهل و عدم المعرفة بالكلّية لكان ذكر القسم الثالث و هو الضلال مستدركاً.و بالجملة: فإنّ المراد بالمعرفة في تلك الأخبار إنّما هو القول بإمامته (عليه السلام) و معرفته كونه إماماً من الله عزّ و جلّ مفترض الطاعة لا مجرّد معرفة ذاته و نسبه و من ثمّ شاع في الأخبار إطلاق العارف على القائل بالإمامة و المقرّ بها، فالجحود و الإنكار الذي وقع في مقابلة المعرفة في هذه الأخبار يجب حمله على جحود الإمامة و إنكارها الذي قد عرفت انّ ذلك لا يكون إلّا بعد العلم بها و الإنكار إنّما يكون بمعنى الجهل إذا تعلّق بذات الشيء كما في قوله عزّ و جلّ (وَ هُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ)، و أمّا إذا تعلّق بصفة من صفاته و حال من أحواله من حيث نسبته إليه فهو بمعنى الجحود وفي هذه الأخبار لا يصحّ أن يكون من قبيل الأوّل بل هو من قبيل الثاني و هو من أنكر عليّاً (عليه السلام).البحث الثاني: في بيان الوجه في انقسام الناس في الصدر الأوّل إلى الأقسام الثلاثة المتقدّمة في تلك الأخبار دون الأزمان المتأخّرة عن تلك الأعصارو انحصار الناس في المؤمن و هو المقرّ بالإمامة و الكافر المنكر لها و عدم وجود الضلّال.اعلم رحمك الله تعالى انّ السبب في ذلك هو أنّ الذي دخل في الإسلام في أيّام النبيّ (صلى الله عليه و آله) إنّما كان أقلّ قليل من البلدان و هي المدينة و مكّة و بعض اليمن و البحرين، ثمّ إنّه بعد موته (صلى الله عليه و آله) اتّفق أهل الصدر الأوّل على غصب الخلافة من أمير المؤمنين (عليه السلام) و اجتمع على ذلك الجمّ الغفير و لم يتخلف إلا الشاذ اليسير و أمير المؤمنين (عليه السلام) ترك المنازعة في ذلك و أعطى بيده إعطاء الذليل و أظهر الموافقة لأولئك الأوغاد و صار سوقةً و رعيةً لهم كجملة من في تلك البلاد وفي ضمن هذه المدّة أعني مدّة الخلفاء الثلاثة افتتحت البلدان من جميع الأقطار و لا سيّما في عصر الثاني و عُينت فيها القضاة و الحكّام و الولاة من جهتهم و ساروا فيها بسيرتهم و سنّتهم فجميع أهل تلك البلدان لمّا خرجوا من الكفر و دخلوا في الإسلام إنّما صادفوا مبتدعات عمر و أحداثه و أحكامه و شرعه و لم يكونوا عالمين بشريعة رسول الله (صلى الله عليه و آله) إلّا من قبله وجهته و قد عرفت ما هم عليه من البغض لأهل البيت (عليهم السلام) و إخفاء فضائلهم و مناقبهم و لا سيّما الخلافة التي تقمّصوها ظلماً و عدواناً بل إقدامهم على تغيير سنن الرسول (صلى الله عليه و آله) و تبديل شريعته و إخماد دينه و محو سننه فنشأ في تلك المدّة على هذه الكيفية الصغير و مات الكبير و كان أمير المؤمنين (عليه السلام) في وقت وصول الخلافة إليه إنّما يرونه بعين التبعيّة و الفرعيّة على أولئك الخلفاء السابقين و إنّما يعرفه حقّ معرفته شذوذ من أصحابه القائلين بإمامته وهم قوم وفّقهم الله للفحص عن أحوال غصب الخلافة و إنّ الإمامة إنّما كانت لعليّ (عليه السلام) و أولاده الميامين و فحصوا عن النصوص الواردة في ذلك بالعموم و الخصوص و أكثرهم كانوا من أهل العراق وهم مع ذلك يستشعرون شعار التقيّة من أولئك الخلفاء و أتباعهم وهم أقلّ قليل بالنسبة إلى جمهور الناس حتّى انتقلت الدولة إلى معاوية بعد موت أمير المؤمنين (عليه السلام) فازداد الأمر غلظة و شدّة حتّى انتهى أمره إلى أن أعلن بسبّ عليّ (عليه السلام) و أولاده على رءوس المنابر و استأصل شأفة البادي من شيعتهم و الحاضر و بذل الأموال على تزوير الأخبار في فضائل تلك اللصوص و إنّهم هم المرادون بها على الخصوص فمن جملة ما دلّ على ذلك ما رواه سليم بن قيس في كتابه و نحوه أيضاً ورد من طريق المخالفين كما نقله ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة و قد نقلناه عنه في كتابنا سلاسل الحديد في تقييد ابن أبي الحديد و اللفظ هنا لكتاب سليم بن قيس حيث انّه لا يحضرني الآن كتاب سلاسل الحديد و لا شرح النهج.قال سليم بن قيس في جملة حديث نقله فيه و كتب إلى ولاته في جميع الأرضين أن لا يجيزوا لأحد من شيعة علي و أولاده شهادة و لا لأهل ولايته و الذين يروون فضله و يتحدّثون بمناقبه و كتب إلى عمّاله انظروا إلى من قبلكم من شيعة عثمان و محبّيه و أهل ولايته و الذين يروون فضله و يتحدّثون بمناقبه فادنوا مجالسهم و أكرموهم و شرّفوهم و اكتبوا إليّ بما يروي كلّ واحد منهم باسمه و اسم أبيه و ممّن هو ففعلوا ذلك حتّى كثر في عثمان الحديث و بعث إليهم بالصلات و أقطع أكثرهم القطائع من العرب و الموالي و كثروا في كلّ مصر و تنافسوا في المنازل و الضياع و اتسعت عليهم الدنيا فليس أحد يأتي في مصر أو قرية فيروي في عثمان مناقباً و فضلًا إلّا كتب اسمه و أُعطي عطايا جزيلة.ثمّ كتب إلى عمّاله: انّ الحديث في عثمان قد كثر و فشا في كلّ قرية و ناحية و مصر فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في أبي بكر و عمر فإنّ فضلهما و سوابقهما أحبُّ إليّ و أقرّ لعيني و أدحض لحجّة أهل هذا البيت و أشدّ عليهم من مناقب عثمان و فضله فقرأ كلّ أمير و قاض كتابه على الناس فاشتغل الناس بوضع الروايات و المناقب و علّموها غلمانهم و صبيانهم و تعلّموها كما يتعلّمون القرآن حتّى علّموه صبيانهم و نساءهم و خدمهم و حشمهم و لبثوا بذلك ما شاء الله.ثمّ كتب نسخة إلى عمّاله إلى جميع البلدان ان انظروا إلى من قامت عليه البيّنة انّه يحبّ علياً و أهل بيته فامحوه من الديوان و لا تجيزوا له شهادة.ثمّ كتب كتاباً آخر من اتهمتموه و لم تقم عليه البيّنة فاقتلوه على التّهم و الظنون و الشبه تحت كلّ كوكب حتّى انّه كان الرجل يسقط بكلمة فتضرب عنقه و لم يكن ذلك البلاء في بلد أشدّ منه و لا أكثر من العراق سيّما الكوفة حتّى انّه كان الرجل من شيعة عليّ من أهل المدينة و غيرها يأتيه من يثق به فيدخله بيته و يلقي عليه سرّه و يخاف من خادمه و مملوكه و لا يحدّثه حتّى يأخذ عليه الايمان المغلظة ليكتمنّ عليه و جعل الأمر لا يزداد إلّا شدّة و كثر عدد محبّيهم و أظهروا الأحاديث الكاذبة من أصحابهم من الزور و البهتان فلبّسوا على الناس و لا يتعلّمون إلّا عنهم و مضى عليه قضاتهم و ولاتهم و كان أعظم الناس في ذلك القرّاء المذبذبين الذين يظهرون الكذب و ينتحلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم و يرفعوا مجالسهم و يصيبون بذلك الأموال و القطائع و المنازل حتّى صارت أحاديثهم مشائعة كثيرة فوقعت بيد من لا يستحلّ الكذب فقبلوها وهم يرون انّها حقّ و لو علموا انّها باطل لم يرووها و لم يتديّنوا بها و لم يبغضوا من خالفهم فصار الصدق كذباً و الكذب صدقاً و قد قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): لتشملنكم بعدي فتنة يربو فيها الوليد و يشبّ عليها الكبير تجري الناس فيها يتّخذونها سنّة فإذا غيّر منها شيء قيل أتى الناس منكراً غيّرت السنّة إلى آخر ما ذكره في ذلك الكتاب ممّا هو مشتمل على العجب العجيب و على هذا و مثله جرت الدولة الأموية ثمّ أعقبتها الدولة العبّاسية فزادوا في ظلم أهل البيت (عليهم السلام) و قتل الذريّة العلويّة و الشيعة و ملأوا منهم الطوامير و السجون و بنوا عليهم العمارات و الحصون حتّى انتهت بهم العداوة إلى حرث القبر الشريف بكربلاء إعلاناً و جهاراً حيث اتخذته الشيعة مورداً و مزاراً و لله درّ من قال: تالله إن كانت أميّة قد أتت قتل ابن بنت نبيّها مظلوما فلقد أتاه بنو أبيه بمثله هذا لعمرك قبره مهدوما أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا في قتله فتتبعوه رميما هذا و الأئمّة (عليهم السلام) في تلك الأعصار قد جلسوا في زاوية الخفية و الاستتار يستشعرون شعار الخوف و التقية و يغضّون القذى على كلّ مصيبة و بليّة و يحثّون خواصّهم و شيعتهم على ذلك و ينهونهم عن إذاعة أسرارهم و إظهار أمرهم و إفشاء أخبارهم و لم يظهر منهم صيت دعوى الإمامة و لا القيام في طلب تلك الزعامة حتّى أكل الدهر عليهم و شرب و غنّى بذلك و طرب فلا يزورهم من ذلك الجمّ الغفير زائر و لا يذكرهم ذاكر بل لا يعرف لهم خبر و لا يوقف لهم على أثر و ليست الأئمّة عند من يعرفهم من هؤلاء إلّا من قبيل سائر أولاد عليّ و فاطمة و إنّما الأئمّة عندهم هؤلاء الخلفاء الذين يرون الدولة على أبوابهم و الأمر و النهي بأيدي حواشيهم و حجّابهم و من كان له علم بالإمامة من الناس في ذلك الوقت فهو امّا مؤمن يخفيها خوفاً و تقيّة وهم أصحابهم و شيعتهم (عليهم السلام) أو ناصب يخفيها بغضاً و حسداً وهم أولئك الخلفاء و من تابعهم من القضاة و الولاة و العلماء الذين لهم معرفة و اطّلاع على السير و الأخبار و ما ورد عن المختار في حقّ إمام الأبرار. و أمّا جلّ الناس غير من ذكرنا فهم كما عرفت جاهلون بأمر الإمامة لعدم اطّلاعهم على ما وقع و صدر في الصدر الأوّل الذي عليه عندهم المعول و ممّا شرحناه يعلم و يظهر صحّة ما وردت به الأخبار و استفاضت به الآثار من أنّ أصحاب الصدر الأوّل أهل ردّة و إنّهم ارتدّوا عن الدين و إنّه لم ينج من ذلك إلّا ثلاثة أو سبعة ثمّ رجع بعض الناس شيئاً فشيئاً فالناس في ذلك الوقت امّا مؤمن أو كافر و أمّا بعد ذلك بسبب ما ذكرناه من وقوع ما وقع ممّا تلوناه ورد انقسام الناس إلى ثلاثة أقسام مؤمن و كافر و ضالّ و جلّ الناس كما عرفت من القسم الثالث ثمّ استمر الأمر على خفاء صيت الإمامة و خمود ذكرها إلى صدر ما بعد الغيبة الكبرى حيث انّه صار لفرقة الشيعة بسبب تأييد بعض الأُمراء و الوزراء ذكر و قوّة و ارتفعت عنهم غشاوة التقيّة و قاموا بالجماعات و الجمعات و أظهروا الدين و صارت بينهم و بين خصمائهم المناظرات في المذهب و المخاصمات و المجادلات و جلّ ذلك كان في زمن الشيخ المفيد و المرتضى و الشيخ بتأييد الدولة البويهيّة نوّر الله تعالى مراقدهم برحمته المرضية كما لا يخفى على من لاحظ كتب السير و التواريخ حيث وقعت المناظرات بين علماء الطرفين و البحث في الإمامة بين فضلاء المذهبين و تعصّبت لذلك الرعيّة و الأتباع من الجانبين و وقع لذلك كثير من الفتن في بغداد و كانت الشيعة يغلبون تارةً و مغلوبون اخرى حتّى أنّه روي انّه نهبت دار الشيخ المفيد في بعض تلك الوقائع و نحوه وقع على الشيخ الطوسي في زمانه حتّى أُحرق منبره الذي يجلس عليه للوعظ و إنّه بعد ذلك انتقل إلى النجف الأشرف إلى أن ظهرت الدولة الصفويّة نوّر الله تعالى مراقدهم فانتشر فيها صيت هذا المذهب و كثرت دواعيه و كشفوا النقاب عن التقيّة و تعصّبت من ا لجانبين الأتباع و الرعيّة فصار علماء كلّ من الطرفين يفتي و يحلّل مال الآخرين و دمائهم في البين كما هو الآن معلوم و بذلك قد انكشف ما كان بالأمس مستوراً و اكتسي هذا المذهب بعد ظلمة التقيّة ضياءً و نوراً و تغيّر الحال بالنسبة إلى الضلّال عن الأمر الأوّل و انتقل ذلك الحكم عنهم و تحوّل و قامت الحجّة عليهم بعد صيت الإمامة و استحقّوا بعدم الدخول فيها و القول بها التقريع و الملامة و حينئذ فمن دخل فيها و قال بها كان مؤمناً و من حادَ عنها و قلّد أسلافه في إنكارها كان كافراً لتصريح الأخبار المتقدّمة و أمثالها بانقسام الناس في ذلك الزمان الأوّل إلى مؤمن و هو المقرّ بالإمامة و كافر و هو المنكر لها و ضالّ و هو الجاهل بها.و لا ريب انّ هؤلاء بعد ظهور صيت الإمامة و انتشار ذكرها و عدم القول بها يكونون من المنكرين لها الموجب ذلك للحكم بكفرهم و لا يجوز أن يكونوا من الجاهلين الذين هم أهل الضلال لأنّ المراد بالجاهل هو من لا يعلم بالإمامة كحال أولئك المتقدّمين الذين شرحنا حالهم فيما تقدّم و إلّا فمتى علم بذلك وجب عليه السعي في تحقيق أمرها و تنقيح حلوها من مرّها و إلّا كان من جملة التاركين المنكرين الموجب للدخول في زمرة الكافرين.لا يقال المنكر و الجاحد إنّما يقال على من قام عليه الدليل و اتّضح لديه السبيل و مع ذلك قابل بالإنكار و الجحود و الاستكبار و هؤلاء ليسوا كذلك إذ غاية الأمر أنّهم سمعوا و علموا بدعوى الإمامة و لم يقم عليهم دليلها.لأنّا نقول: لا ريب انّ المراد بقيام الدليل إنّما هو وجوده في حدّ ذاته بحيث متى أراده طالب تحقيق الحقّ أمكن مراجعته و إن يحقّق منه الحال على وجه يزيل الإشكال.و الدليل فيما نحن فيه واضح لا يعتريه الإنكار و برهانه لائح لذوي البصائر و الأبصار و خبر الغدير و أمثاله من طرقهم و رواياتهم أكثر من طرقنا، و كتب الشيعة مملوّة من الاستدلال على هذا المطلب العزيز المئال فالواجب على الرجوع إلى ذلك و تحقيق الحقّ من تلك المدارك.و حينئذ فإذا أخلّ المكلّف من قبل نفسه بالنظر في ذلك الدليل مع ظهوره و وجوده و جمد على تقليد آبائه و جدوده لا يقال انّه ممّن لم يقم عليه الدليل و إنّه يكون معذوراً فيما ارتكبه من الخروج عن نهج تلك السبيل و إلّا لقام العذر لمنكري النبوّة في أمثال هذه الأزمان حيث إنّهم لم يقم عليهم فيها حجّة و لا برهان مع أنّ الاتفاق واقع على خلافه و ما هو إلّا لسطوع براهين النبوّة المحمّدية و ظهور أنوارها المضيّة بحيث انّ الخصم لو خلع ربقة الحميّة و تعصّب الجاهلية و تقليد الأسلاف الغويّة و رجع إلى مقتضى العقل السليم لظهر له الحقّ الحقيق بالاتباع و تمسّك بوثيق عروته التي لا انفصام لها و لا انقطاع.و بما ذكرنا من هذا التحقيق الأنيق يظهر لك ضعف ما أجاب سيّدنا المرتضى و من تبعه من علمائنا الأعلام عن القدح في تواتر الأدلّة الدالّة على الإمامة و النبوّة بخلاف من خالف في المسألتين المذكورتين من تلك الطائفتين بان ذلك عن شبهة عرضت لهما في البين.فلا يقدح ذلك في ثبوت التواتر واقعاً و لهذا أخذ من تأخّر عنه هذا القيد في تعريف التواتر و هو غفلة منهم جميعاً سامحهم الله تعالى بغفرانه و أسكنهم فسيح جنانه إذ لا يخفى انّه لو تمّ ما ذكروه لقام العذر لكلّ من تينك الطائفتين و صار تخليدهم في النار خلاف العدل فإن اشتباه الحكم بعد بذل الوسع في تحصيل الحقّ عذر شرعي لأنّ الطالب إذا سعى في تحصيل الحقّ و بذل وسعه و جدّه و جهده في ذلك و حالت الشبهة بينه و بينه فأيّ حجّة عليه توجب العذاب و الخلود في النار فيه يوم المآب بل الحقّ إنّما هو ما ذكرناه من أنّ الحقّ في تينك المسألتين المذكورتين واضح و النهار فأصح بوضوح أدلّة ذينك المطلبين و سطوع براهينهما رأي العين، و الخصم فيهما لا يخلو من أمور امّا أن يكون قد تتبّع الأدلّة كما ذكرنا و خلع ربقة الحميّة و العصبيّة فهو البتة يكون من المشمولين بالعناية الصمديّة كما قال سبحانه (وَ الَّذِينَ جٰاهَدُوا فِينٰا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنٰا) و لهذا رجع كثير من علماء القوم إلى المذهب الحقّ امّا ظاهراً و أمّا خفية أو يكون قد أخلّ بالمطلب و جمد على تقليد الآباء و الأسلاف أو طلب و ظهر له الحقّ و لكن قابل بالتعصّب و الخلاف و حال المخالفين في النبوّة و الإمامة لا يخلو عن أحد هذين الفردين الأخيرين و الرعاع منهم أصحاب الفرد الأوّل منهما و أجلّ العلماء من أصحاب الثاني.و يؤيّد ما ذكرناه بأوضح تأييد يدفع الاستبعاد و يظهر به المقصود ممّا ذكرناه و المراد و إن طال به زمام الكلام فإنّه من أهمّ المهام ما ذكره الشريف القاضي نور الله التستري (قدس سره) في كتاب إحقاق الحقّ، قال: و من بدائع أهل السنّة انّهم لا ينظرون في مصنّفات الشيعة و لا يناظروا مع علمائهم خوفاً أن تؤدّي بهم الدلائل القطعية الموجودة عندهم إلى ما هو الحقّ من بطلان خلافة الثلاثة و نظائرها بل لو وقع نظرهم اتّفاقاً على شيء من مصنّفاتهم غمضوا العين عن النظر في تفاصيله و طرحوه في الماء أو النار.و ليت شعري إنّ طالب الحقّ كيف يطمئن قلبه في مطلب يظنّ انّ هناك كلام آخر فوق ما حصل له و لم يصل إليه و لا ينظر في صحّته و فساده بقدر الإمكان، ثمّ مثل حالهم بحال القلندر و حكايته المشهورة.أقول: و يعضد ما ذكره (قدس سره) ما صرّح به العلّامة التفتازاني في شرح المقاصد حيث قال: إنّ ما جرى من الظلم على أهل بيت النبيّ (صلى الله عليه و آله) من الظهور بحيث لا مجال فيه للإخفاء و من الشناعة بحيث لا استتار فيه على الآراء و تشهد به الجماد و العجماء و تبكي له الأرض و السماء و تنهدم منه الجبال و تنشقّ منه الصخور و يبقى علمه على كرّ الشهور و مرّ الدهور فلعنة الله على من باشر أو رضي أو سعى و لعذاب الآخرة أشدّ و أبقى.فإن قيل: من علماء المذهب من لا يجوّز اللعن على يزيد مع علمهم بأنّه يستحقّ ما يربو على ذلك و يزيد؟ قلنا: تحامياً عن أن يرتقي إلى الأعلى فالأعلى كما هو شعار الروافض يروي في ادعيتهم و يخبر في أنديتهم فرأى المعتنون بأمر الدين إلجام العوام بالكلّية طريقاً إلى الاقتصاد في الاعتقاد بحيث لا تزلّ الأقدام عن السواء و لا تضلّ الأفهام بالأهواء و إلّا فمن يخفى عليه الاستحقاق و كيف لا يقع عليه الاتّفاق و هو السرّ فيما ينقل عن السلف من المبالغة في مجانبة أهل الضلال و سدّ طريق من لا يؤمن أن ينجر إلى الغواية في المال مع علمهم بحقيقة الحال و حلية المقال إلى آخر كلامه سلبه الله تعالى فيوض إكرامه و صبّ عليه صيّب انتقامه.أقول: انظر هداك الله إلى هذا الاعتذار الفاضح و تأمّل في هذا العثار الواضح فإنّه كما ترى يعطي انّهم إنّما سكتوا عن التصريح بلعن يزيد لعنه الله و الافتاء بكفره من حيث إنّهم علموا انّ مفاسده الموجبة للعنه ينجر بطريق الإخوة إلى أصنامهم الثلاثة و ذلك فإنّ ولاية يزيد من قبل أبيه مع علمه بما هو عليه في حياته من الكفر و الفجور و مع هذا أخذ له البيعة على المسلمين و ولاية أبيه من قبل عمر و عثمان مع علمهم بما هو عليه من الجور و الطغيان فلو أنّهم أفتوا بلعن يزيد و كفره لانجر ذلك إلى أصنامهم الذين هم المؤسِّسون لهذه المفاسد و الموطئون لهذه المقاصد.و لقد أنصف التفتازاني في ذلك تمام الإنصاف على رغم أنفه وفي المثل المشهور حامل حتفه بكفّه و قد ظنّ أنّ التستّر بهذا الاعتذار يطفئ عنهم نائرة العار و الشنار و لم يدر انّ عثراتهم لعظم قبحها قد بلغت في الاشتهار إلى حدّ لا يقبل الإنكار إلّا ممّن قابل بالصدّ عن الحقّ و الاستكبار.فقد روي البلاذري من أجلّة علمائهم على ما نقله جملة من أصحابنا عنه منهم العلّامة في كتاب كشف الحقّ و نهج الصدق و ابن طاوس في كتاب الطرائف قال: لمّا قتل الحسين (عليه السلام) كتب عبد الله بن عمر إلى يزيد ابن معاوية: امّا بعد فقد عظمت الرزيّة و جلّت المصيبة و حدث في الإسلام حدثٌ عظيم و لا يوم كيوم الحسين، فكتب إليه يزيد: أمّا بعد يا أحمق فانّا جئنا إلى بيوت مجدّدة و فرش ممهّدة و وسائد منضّدة فقاتلنا فيها فإن يكن الحقّ لنا فعن الحقّ قاتلنا و إن يكن الحقّ لغيرنا فأبوك أوّل من سنّ هذا الأمر و استأثر بالحقّ على أهله، انتهى.📕 كشف الغمة في معرفة الأئمة
[الأنوار الحيرية و الأقمار البدرية الأحمدية] · موسوعة الغيبة والظهور