الجواب: إنّ المشهور بل كاد أن يكون إجماعاً عدم عدّ الجلد في محرّمات الذبيحة و لم أقف على من ذهب إلى تحريمه إلّا المحدّث الشيخ محمد بن الحسن العاملي في الوسائل و غيره من كتبه و أكثر الروايات الواردة فيما يحرم من الذبيحة خالية من ذكر الجلد. نعم قد ورد ذلك في رواية رواها الصدوق في كتاب العلل عن أبان بن عثمان في حديث قال فيه: قال أبو عبد الله (عليه السلام): يكره من الذبيحة عشرة أشياء منها الطحال و الانثيان و النخاع و الدم و الجلد و العظم و القرن و الظلف و الغدد و المذاكير و أطلق في الميتة عشرة أشياء الصوف و الشعر و الريش و البيضة و الناب و القرن و الظلف و الأنفحة و الاهاب و اللبن و ذلك إذا كان قائماً في الضرع و إلى هذه الرواية استند الشيخ المذكور، و الظاهر انّه لا دلالة فيها لاحتمال إرادة الكراهة في الجلد بالمعنى المصطلح لا بمعنى التحريم و يؤيّده انّه قد عدّ فيما أطلق من الميتة الإهاب أيضاً الذي هو الجلد و هو ظاهر في كون ذكره أوّلًا إنّما هو على جهة الكراهة كما قلنا، و المحدِّث المذكور حمل عدّ الإهاب فيما أطلق على التقيّة و فيه ما لا يخفى و لا ينافي ذلك اشتمال الرواية على ما هو متّفق على تحريمه إذ غاية ما يلزم منه استعمال اللفظ الواحد في معنييه حقيقةً و مجازاً أو الاشتراك 86 و استعماله شائع في الأخبار كما لا يخفى على من جاس خلال الديار و به اعترف أيضاً شيخنا الشهيد في الذكرى و إن كان أصحاب الأُصول قد صرّحوا في أُصولهم بالمنع من ذلك، و لكن الأخبار تدفعه بل هو لازمٌ لهم في هذه المسألة حيث انّ جملة منهم لم يعملوا بأخبار هذه المسألة و ما اشتملت عليه من تحريم هذه الأشياء المعدودة فيها لضعفها باصطلاحهم و إنّما اعتمدوا على أدلّة خارجة عنها مثل الدم لنجاسته و ما دخل في الخبائث فحرّموها من هذه الجهة و تمسّكوا بأصالة الحلّية فيما عداها و تمسّكوا أيضاً بظواهر جملة من الآيات و حملوا الأخبار المذكورة الواردة بما عدا ما جزموا بتحريمه على الكراهة تفادياً من طرح الأخبار فلزم من ذلك ما ذكرنا من استعمال اللفظ الواحد في معنييه و ربّما يشهد لما ذهب إليه المحدّث المشار إليه ما رواه الصدوق في كتاب العلل أيضاً عن صفوان بن يحيى الأزرق قال: قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام): الرجل يعطى الأضحية لمن يسلخها بجلدها، قال: لا بأس إنّما قال الله عزّ و جلّ (فَكُلُوا مِنْهٰا وَ أَطْعِمُوا)* و الجلد لا يؤكل و لا يطعم و فيه أيضاً انّه غير واضح الدلالة في التحريم لجواز أن يكون المراد انّ الجلد ليس ممّا يتعارف أكله عادةً مثل اللحم فلا ينصرف إليه الإطلاق لما بيّناه في غير موضع و صرّح به جملة من المحقّقين من أنّ الأحكام الشرعية إنّما تبنى على الإفراد المتكثّرة الشائعة المتعارفة بين الناس فإنّما هي يتبادر إليها الإطلاق دون الفروض النادرة.
الأنوار الحيرية و الأقمار البدرية الأحمدية