و ثالثها: انّ المستفاد من الأخبار على وجه لا يداخله الإنكار عند من وقف عليها و تأمّلها بعين الفكر و الاعتبار انّ التمر لا يحرم بمجرّد الغليان و إن اشتدّ و إنّما تحريمه دائر مدار الإسكار فيه و من ذلك حديث الوفد المروي في الكافي عن محمّد بن جعفر عن أبيه (عليه السلام) قال: قدم على رسول الله (صلى الله عليه و آله) قوم من اليمن فسألوه عن معالم دينهم فأجابهم فخرج القوم بأجمعهم فلمّا ساروا مرحلة قال بعضهم لبعض أنسينا أن نسأل رسول الله (صلى الله عليه و آله) عن ما هو أهمّ إلينا ثمّ نزل القوم ثمّ بعثوا وفداً لهم فأتى الوفد رسول الله (صلى الله عليه و آله) فقالوا: يا رسول الله انّ القوم قد بعثونا إليك يسألونك عن النبيذ؟
فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله):
و ما النبيذ فصفوه لي؟
فقال:
يؤخذ من التمر فينبذ في إناء ثمّ يصبّ عليها الماء حتّى يمتلئ و يوقد تحته حتى ينطبخ فإذا انطبخ أخذوه و ألقوه في إناء آخر ثمّ صبّوا عليه ماء ثمّ يمرس ثمّ صفّوه بثوب ثمّ يلقى في إناء ثمّ يصب عليه من عكر ما كان قبله ثمّ يهدر و يغلى ثمّ يسكن عن عكرة فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): يا هذا قد أكثرت أ فيسكر؟
قال:
نعم، قال: فكلّ مسكر حرام.
قال:
فخرج الوفد حتّى انتهوا إلى أصحابهم فأخبروهم بما قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) فقال القوم: ارجعوا بنا إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) حتّى نسأل عنها شفاهاً و لا يكون بيننا و بينه سفير فرجع القوم جميعاً، فقالوا: يا رسول الله انّ أرضنا أرض دوية و نحن قوم بعمل الزرع و لا نقوى على العمل إلّا بالنبيذ فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه و آله): صِفوه، فوصفوه كما وصف أصحابهم فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): أ فيسكر؟
فقالوا:
نعم، فقال: كلّ مسكر حرام.
الأنوار الحيرية و الأقمار البدرية الأحمدية