الثاني: ما رواه في الكافي في الحسن عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لمّا هبط نوح من السفينة غرس غرساً فكان فيما غرسه النخلة ثمّ رجع إلى أهله فجاء إبليس فقلعها ثمّ إنّ نوحاً (عليه السلام) عاد إلى غرسه فوجده على حاله و وجد النخلة قد قلعت و وجد إبليس عندها فأتاه جبرئيل فأخبره إنّ إبليس لعنه الله قلعها فقال نوح لإبليس: ما دعاك إلى قلعها فو الله ما غرست غرساً أحبُّ إليّ منها و و الله لا أدعها حتّى أغرسها فقال إبليس: و أنا و الله لا أدعها حتّى أقلعها، فقال: اجعل لي نصيباً فجعل له الثلث فأبى أن يرضى فجعل له النصف فأبى أن يرضى و أبا نوح أن يزيده فقال جبرئيل: يا رسول الله أحسن فإنّ منك الإحسان فعلم نوح انّه قد جعل له عليها سلطاناً فجعل نوح له الثلثين فقال أبو جعفر (عليه السلام): إذا أخذت عصيراً فاطبخه حتى يذهب الثلثان و كُل و اشرب حينئذ فذلك نصيب الشيطان.
أقول: هكذا نقل الخبر بلفظ النخلة في الموضعين المذكورين صاحب الوسائل و من أجله ذهب إلى تحريم العصير التمري مضافاً إلى صحيحة عبد الله بن سنان 120 المتقدّمة بزعمه و تبعه بعض أفاضل السادة المعاصرين.
و الخبر المذكور إنّما هي بلفظ الحبلة بالحاء المهملة كما نقله المحدِّث الكاشاني في الوافي ثمّ فسّر الحبلة ذيل الخبر المذكور فقال: و الحبلة بالضمّ الكرم أو أصل من أصوله و من الظاهر انّ صاحب الوافي أضبط و أشدّ اطّلاعاً على النسخ المعتمدة و يعضده قوله (عليه السلام) في آخر الخبر: إذا أخذت عصيراً إلى آخره و قد عرفت انّ العصير في هذا المقام شرعاً و لغةً و عرفاً مخصوص بماء العنب دون ماء التمر فإنّه إنّما يسمّى في الأخبار و كلام أهل اللغة بالنبيذ كما أشرنا سابقاً إليه و أوردنا في كتابنا المتقدّم ذكره الأخبار المتكاثرة الدالّة عليه و يؤيّده أيضاً انّ هذا النزاع قد روى وقوعه بين آدم (عليه السلام) و إبليس و نوح مع إبليس أيضاً في عدّة أخبار غير هذا الخبر و موردها الكرم خاصّة و لم يوجد في النخل إلّا خبر واحد مع آدم و ليس فيه تعرّض لحديث الطبخ و ذهاب الثلثين بالكلّية و بذلك يظهر سقوط الاستدلال بهذا الخبر على أنّ ما يتّخذ من التمر يسمّى عصيراً ليس في محلّه فإنّه مبني على كون المذكور في الخبر لفظ النخلة و ليس كذلك كما عرفت.
الأنوار الحيرية و الأقمار البدرية الأحمدية