و انحصار الناس في المؤمن و هو المقرّ بالإمامة و الكافر المنكر لها و عدم وجود الضلّال.
اعلم رحمك الله تعالى انّ السبب في ذلك هو أنّ الذي دخل في الإسلام في أيّام النبيّ (صلى الله عليه و آله) إنّما كان أقلّ قليل من البلدان و هي المدينة و مكّة و بعض اليمن و البحرين، ثمّ إنّه بعد موته (صلى الله عليه و آله) اتّفق أهل الصدر الأوّل على غصب الخلافة من أمير المؤمنين (عليه السلام) و اجتمع على ذلك الجمّ الغفير و لم يتخلف إلا الشاذ اليسير و أمير المؤمنين (عليه السلام) ترك المنازعة في ذلك و أعطى بيده إعطاء الذليل و أظهر الموافقة 141 لأولئك الأوغاد و صار سوقةً و رعيةً لهم كجملة من في تلك البلاد وفي ضمن هذه المدّة أعني مدّة الخلفاء الثلاثة افتتحت البلدان من جميع الأقطار و لا سيّما في عصر الثاني و عُينت فيها القضاة و الحكّام و الولاة من جهتهم و ساروا فيها بسيرتهم و سنّتهم فجميع أهل تلك البلدان لمّا خرجوا من الكفر و دخلوا في الإسلام إنّما صادفوا مبتدعات عمر و أحداثه و أحكامه و شرعه و لم يكونوا عالمين بشريعة رسول الله (صلى الله عليه و آله) إلّا من قبله وجهته و قد عرفت ما هم عليه من البغض لأهل البيت (عليهم السلام) و إخفاء فضائلهم و مناقبهم و لا سيّما الخلافة التي تقمّصوها ظلماً و عدواناً بل إقدامهم على تغيير سنن الرسول (صلى الله عليه و آله) و تبديل شريعته و إخماد دينه و محو سننه فنشأ في تلك المدّة على هذه الكيفية الصغير و مات الكبير و كان أمير المؤمنين (عليه السلام) في وقت وصول الخلافة إليه إنّما يرونه بعين التبعيّة و الفرعيّة على أولئك الخلفاء السابقين و إنّما يعرفه حقّ معرفته شذوذ من أصحابه القائلين بإمامته وهم قوم وفّقهم الله للفحص عن أحوال غصب الخلافة و إنّ الإمامة إنّما كانت لعليّ (عليه السلام) و أولاده الميامين و فحصوا عن النصوص الواردة في ذلك بالعموم و الخصوص و أكثرهم كانوا من أهل العراق وهم مع ذلك يستشعرون شعار التقيّة من أولئك الخلفاء و أتباعهم وهم أقلّ قليل بالنسبة إلى جمهور الناس حتّى انتقلت الدولة إلى معاوية بعد موت أمير المؤمنين (عليه السلام) فازداد الأمر غلظة و شدّة حتّى انتهى أمره إلى أن أعلن بسبّ عليّ (عليه السلام) و أولاده على رءوس المنابر و استأصل شأفة البادي من شيعتهم و الحاضر و بذل الأموال على تزوير الأخبار في فضائل تلك اللصوص و إنّهم هم المرادون بها على الخصوص فمن جملة ما دلّ على ذلك ما رواه سليم بن قيس في كتابه و نحوه أيضاً ورد من طريق المخالفين كما نقله ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة و قد نقلناه عنه في كتابنا سلاسل الحديد في تقييد ابن أبي الحديد و اللفظ هنا لكتاب سليم بن قيس حيث انّه لا يحضرني الآن كتاب سلاسل الحديد و لا شرح النهج.
الأنوار الحيرية و الأقمار البدرية الأحمدية