ولما اشتهرت مساعدة المنصور وساير الامراء والمثرين من أهل بغداد بلد العلم والمال لأصحاب العلوم رغب الكثير من أطباء ( جنديسابور ) في الانتقال إلى بغداد، وأرسل الطبيب ( جرجيس ) على ولده ( بختيشوع ) بأمر الخليفة ثم جاء ( ماسويه ) أبو يوحنا ثم أعقبة يوحنا، وهكذا أخذت الاطباء تتقاطر وتتوارد من سائر الأقطار إلى دار السلام، حتى أصبحت دار الخلافة ( بغداد ) في عصر المنصورـ وهو العصر الذي عاش فيه الامام الصادق عليه السلام ـ كعبة العلم ومقصد رواد الفضل والأدب ومقر نقلة العلوم والفنون، وعلى الأخص الطب الذي شاع تدريسه 14 وكثر المعالجون به حتى قصدهم المرضى من كل حدب وصوب للاستشفاء.
أما أبو عبدالله الصادق (عليه السلام)، فقد كان ناديه في ذلك العصر مهوى قلوب رواد الفضل والفضيلة، والمدرسة الكبرى لكل علم وفن وفلسفة وأدب إذ كان عليه السلام يلقي فيه على أصحابه وتلامذته والمنتهلين من بحر علومه من كل ما يشفي غليل القلوب الصادية ويروي النفوس المتعطشة المتشوقة إلى طلب المعارف السامية دروساً بليغة لم تكن تدركها عقول علماء ذلك الجيل لولاه، ولم تقف على أسرارها فحول الحكماء في ذلك العصر لو لم يوضحها لهم.
ونظرة واحدة في كتاب توحيد المفضل وتأمل بسيط في بعض مناظراته الطبية مع أطباء عصره يكفيانك دليلاً على وفور علمه الغزير وكامل معرفة بهذا العلم الجليل ثم ينبئانك أن أقواله القيمة وكلماته الحكيمة في الطب لم تكشف حقيقتها ولم يدرك مغزاها أطباء عصره كما إكتشفت بعد عدة قرون، حيث تدرج الفكر البشري مرتقياً ـ حسب نظرية النشوء والارتقاء ـ وأخذت أفكار نطس الاطباء وعقول جهابذة العلماء والحكماء تنمو بالتجارب وتتقدم بالاكتشافات حتى بلغت عصرنا الحاضر عصر النور والعلم والاختراع فادركت أسرار كلامه ووقفت على مكنون أقواله في الطب.
طبّ الإمام الصادق عليه السلام