عَنْها أَتَتْهُ وَ مَنْ أَبْصَرَ إِلَيْها أَعْمَتْهُ وَ مَنْ أَبْصَر بِها بَصَّرَتْهُ.
إِنَّ الدُّنْيا خَيرُها زَهيدٌ وَ شَرُّها عَتيدٌ وَ لَذّاتُها قَليلَةٌ وَ حَسَراتُها طَويلَةٌ، تَشُوبُ نَعيمَها ببُؤْسٍ وَ تُقْرِنُ سُعُودَها بِنُحُوسٍ وَ تَصِلُ نَفْعَها بِضُرٍّ وَ تَمْزُجُ حُلْوَها بِمُرٍّ.
إِنَّ الدُّنْيا تُعْطي وَ تَمْتَنِعُ وَ تَنْقادُ وَ تَرْتَجِعُ وَ تُوحِشُ وَ تُؤنِسُ وَ تُطْمِعُ وَ تُؤْيِسُ، يُعْرِضُ عَنْهَا السُّعَداءُ وَ يَرْغبُ فيهَا الْأَشْقِياءُ.
إِنَّ الدُّنْيا رُبَّما أَقْبلَتْ عَلى الْجاهِلِ بِالْإِنْفاقِ وَ أَدْبَرَتْ عَلى الْعاقِل مَعَ الْإِسْتِحقْاقِ، فَإِنْ أَتَتْكَ مِنْها سُهْمَةٌ مَعَ جَهْلٍ أَوْ فاتَتْكَ مِنْها بُغْيَةٌ مَعَ عَقْلٍ فَإِيّاكَ أَنْ تَحْمِلَ ذلِكَ عَلى الرَّغْبَةِ فِي الْجَهْلِ وَ الزُّهْدِ فِي الْعَقْلِ فَإِنَّ ذلِكَ يُزْري بِكَ وَ يُرْديكَ.
إِنَّ لِلدُّنْيا مَعَ كُلِّ شَرْبَةٍ شَرَقاً وَ مَعَ كُلِّ أُكْلةٍ غَصَصاً، لا يَنالُ الْمَرْءُ مِنْها نِعْمَةً إِلّا بِفِراقِ أُخْرى وَ لا يَسْتَقْبِلُ مِنْها يَوْماً مِنْ عُمْرهُ إِلّا بِفَراقٍ آخَرَ مِنْ أَجلِه وَ لا يَحْيى لَهُ فيها أَثَرٌ إِلّا ماتَ لَها أَثَرٌ.
إِنَّ الدُّنْيا عَيْشُها قَصيرٌ وَ خَيرُها يَسيرٌ وَ إِقْبالُها خَديعَةٌ وَ إِدْبارُها فَجيعَةٌ وَ لَذّاتُها فانِيَةٌ وَ تَبِعاتُها باقِيَةٌ.
عيون الحكم و المواعظ