⟨فيما أجاب به الشيخ أبو عبد الله محمد بن يوسف بن محمد الكنجي الشافعي في كتاب البيان في أخبار صاحب الزمان في الجواب عن الاعتراض في الغيبة، ولم يرتض الجواب الشيخ علي بن عيسى في كتاب كشف الغمة، وذكر الكلامين⟩
صاحبكم - يعني المهدي - فيبرئني من هذا المرض، ويكرر هذا القول منه، فبينا نحن مجتمعون عنده وقت العشاء الآخرة إذا أبونا يصيح ويستغيث بنا، فأتيناه سراعا فقال: الحقوا صاحبكم فالساعة خرج من عندي فخرجنا فلم نر أحدا فعدنا إليه وسألناه فقال: إنه دخل إلي شخص وقال: يا عطوة، فقلت: من أنت فقال: أنا صاحب بنيك قد جئت لأبرئك مما بك، ثم مد يده وعصر قروتي ومشى، فمددت يدي فلم أر بها أثرا، قال لي ولده: وبقي مثل الغزال ليس به قروة، واشتهرت هذه القصة وسألت عنها غير ابنه فأقر بها.والأخبار عنه (عليه السلام) في هذا الباب كثيرة وأنه رآه جماعة قد انقطعوا له في طريق الحجاز وغيرها وخلصهم وأوصلهم إلى حيث أرادوا، ولولا التطويل لذكرت منها جملة ولكن هذا القدر الذي قرب عهده من زماني كاف انتهى كلام علي بن عيسى.صفحة 150نصيحة لطيفة وهداية شريفة نختم بها هذا الكتابوهو أن نقول: إياك أيها الواقف على ما في هذا الكتاب من الأخبار والروايات من طريق العامة أن يدخلك الشك والريب فيما قلناه عنهم في أبواب الكتاب في إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأنه الخليفة ووصيه من بعده (عليه السلام)، وغير ذلك من النصوص عليه من رسول الله (صلى الله عليه وآله) في فضله وفضل أهل البيت (عليهم السلام) وإمامة الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام) ورواياتهم ذلك في صحاحهم وكتبهم المعتمدة وأخبارهم المسندة عن رجالهم الموثوق بهم كما اطلعت عليه، والثناء منهم على مشايخهم في أسانيدهم للأخبار الواردة عنهم في هذا الكتاب، فإني ما ذكرت عنهم في هذا الكتاب إلا ما هو مذكور في كتبهم ومصنفاتهم المعتمدة المنقولة عنهم، والله جل جلاله على ذلك من الشاهدين وكفى بالله شهيدا والحمد لله رب العالمين.فإن قلت: كيف يروون هذه الأخبار الصحيحة والروايات الواضحة الدالة على إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وبنيه الأحد عشر وهم الأئمة الاثنا عشر بنص رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليهم بالإمامة والخلافة والوصاية من غير معارض لها من الروايات من طريق الفريقين المخالف والمؤالف.[ قلت: ] فإنه لم يدع مدع من العامة بأن إمامة أبي بكر وعمر وعثمان [ كانت ] عن نص من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإنما كانت بيعة من بعض الناس كما هو عليه إجماع العامة والخاصة، فبقيت النصوص الواردة عن رسول الله سالمة من الروايات المعارضة لهذه الروايات المجمع على نقلها من المؤالف والمخالف عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بإمامة الأئمة الاثني عشر، الذي هو مذهب الفرقة المحقة الاثني عشرية شيعة آل محمد صلى الله عليهم أجمعين.فإن قلت: هذا من العجب، كيف تروي العامة هذه الأخبار الصحيحة عندهم من إمامة الأئمة الاثني عشر ولا يعملون بها؟ بل يقدمون على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في الإمامة، وهذا لم يأت به نص من رسول الله صلى الله عليه وآله بالتقديم عليه، بل روت العامة والخاصة النهي عن التقديم عليه في الإمامة من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهذا من أعجب العجائب والخسران المبين والضلال البعيد فما دعاهم إلى ذلك حتى قدموا ما أخر الله سبحانه وأخروا ما قدم الله جل جلاله.صفحة 151قلت: عملوا ذلك لأسباب:منها: الميل إلى الدنيا وطلب ما فيها من الجاه والمال، وحب الدنيا رأس كل خطيئة، من ذلك ما نقله أبو المؤيد موفق بن أحمد أخطب الخطباء عند العامة في الفصل التاسع من كتابه في فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: قال الشعبي: ما ندري ما نصنع بعلي إن أحببناه افتقرنا وإن أبغضناه كفرنا؟.ومنها: العلة الكبرى والمصيبة العظمى، تقليد الآباء والسلف الماضين من علمائهم المعلولين بهذه العلل فضلوا وأضلوا.ومنها: الحسد للأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) ما أعطاهم من هذا المنصب الشريف والمترقي المنيف من أمر الله جل جلاله الخلق باتباعهم وفرض طاعتهم عليهم قال الله جل جلاله: *(﴿أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله﴾)* الآية، وقد روى المؤالف والمخالف في تفسير هذه الآية عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر (عليه السلام) هم الناس المحسودون.ومنها: اتباع الهوى وما تهوى الأنفس وقد جاءهم من ربهم الهدى، وجحود الحق وترك العمل به، قال الله جل جلاله في كتابه إخبارا عن أهل الكتاب: *(﴿وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به﴾)* وقال جل جلاله: *(﴿الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم﴾)* يعني أهل الكتاب يعرفون نبينا محمد (صلى الله عليه وآله) بنعت الله جل جلاله ووصفه لمحمد (صلى الله عليه وآله) في التوراة والإنجيل وقال تعالى: *(﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا﴾)* وقال عز وجل:*(﴿ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل﴾ شئ ﴿قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله﴾)*.وقال تعالى: *(﴿ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين﴾)*.وقال جل ذكره: *(﴿ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون * لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون﴾)*. الحجر: 15.صفحة 152وقال سبحانه وتعالى: *(﴿وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون﴾)*.وغير ذلك من الآيات، وإذا كان من الناس ما ذكر الله سبحانه وتعالى لا يستبعد على هؤلاء النقلة من العامة للأحاديث الصحاح والروايات الواضحات عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) من النص على إمامة أمير المؤمنين وبنيه الأحد عشر الذين آخرهم المهدي (عليه السلام) بالإمامة والخلافة والوصاية ومالوا عنهم وانحرفوا عنهم لأحد الأسباب التي ذكرناها، لأن هؤلاء النقلة إنما هم من جملة الذين يجوز عليهم الضلالة والهدى واتباع الحق وتركه كغيرهم من سائر الناس، إذ ليس بين العلم والعمل لزوم كلي، يجوز انفكاك أحدهما عن الآخر، فرب عالم لا يعمل، ورب عامل بغير علم، وهذا واضح بين، والحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.صفحة 153في رسائل الجاحظ حول أحقية الأمير (عليه السلام) بالخلافة وأفضليتهوأختم كتابي هذا برسالتي أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ وهو من أعيان علماء المخالفين من العامة مما ذكر فيهما واستدل على أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب هو الإمام بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) دون أبي بكر بأدلة قطعية وبراهين بينة وهو لا يتهم في ذلك، بل هو حجة عليه وعلى جميع الفرق القائلين بإمامة أبي بكر، والجاحظ هذا من المتعصبين المنحرفين عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، بل هو عثماني مرواني، وفي الرسالتين أيضا تفضيل بني هاشم على غيرهم، وهاتان الرسالتان أوردهما الشيخ الفاضل الثقة الورع الشيخ علي بن عيسى تغمده الله تعالى برحمته في أول كتاب كشف الغمة.قال (رحمه الله): وقع إلى رسالة من كلام أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ في التفضيل أثبتها مختصرا ألفاظها وترجمتها: رسالة أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ في الترجيح والفضل، نسخت من مجموع الأمير أبي محمد الحسن بن عيسى بن المقتدر بالله قال: هذا كتاب من اعتزل الشك والظن والدعوى والأهواء وأخذ باليقين والثقة من طاعة الله وطاعة رسوله (صلى الله عليه وآله) وبإجماع الأمة بعد نبيها (صلى الله عليه وآله) مما تضمنه الكتاب والسنة وترك القول بالآراء فإنها تخطئ وتصيب، لأن الأمة أجمعت أن النبي (صلى الله عليه وآله) شاور أصحابه في الأسرى ببدر، واتفق رأيهم على قبول الفداء منهم فأنزل الله تعالى: *(﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى﴾)* الآية فقد بان لك أن الرأي يخطئ ويصيب ولا يعطي اليقين، وإنما الحجة الطاعة لله ولرسوله وما أجمعت عليه الأمة من كتاب الله وسنة نبيها، ونحن لم ندرك النبي (صلى الله عليه وآله) ولا أحدا من أصحابه الذين اختلفت الأمة في أحقهم فنعلم أيهم أولى ونكون معهم كما قال الله تعالى: *(وكونوا مع الصادقين)* ونعلم أيهم على الباطل فنجتنبهم وكما قال الله تعالى:*(﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا﴾)* حتى أدركنا العلم فطلبنا معرفة الدين وأهله وأهل الصدق والحق، فوجدنا الناس مختلفين يبرأ بعضهم من بعض ويجمعهم في حال اختلافهم فريقان: أحدهما قالوا: إن النبي (صلى الله عليه وآله) مات ولم يستخلف أحدا وجعل ذلك إلى المسلمين يختارونه،صفحة 154فاختاروا أبا بكر، والآخرون قالوا: إن النبي (صلى الله عليه وآله) استخلف عليا (عليه السلام) فجعله إماما للمسلمين بعده، وادعى كل فريق منهم الحق، فلما رأينا ذلك أوقفنا الفريقين لنبحث ونعلم المحق من المبطل، فسألناهم جميعا: هل للناس بد من وال يقيم أعيادهم ويجبي زكاتهم ويفرقها على مستحقيها ويقضي بينهم ويأخذ لضعيفهم من قويهم ويقيم حدود الله؟ فقالوا: لا بد من ذلك.فقلنا: هل لأحد أن يختار أحدا فيوليه من غير نظر في كتاب الله وسنة نبيه.فقالوا: لا يجوز ذلك إلا بالنظر، فسألناهم جميعا عن الإسلام الذي أمر الله به.فقالوا: إنه الشهادتان والإقرار بما جاء به من عند الله والصلاة والصوم والحج بشرط الاستطاعة لإجماعهم، والعمل بالقرآن يحل حلاله ويحرم حرامه فقبلنا ذلك منهم ثم سألناهم جميعا هل لله خيرة من خلقه اصطفاهم واختارهم.فقالوا: نعم، فقلنا ما برهانكم؟ قالوا قوله تعالى: *(﴿وربك يخلق ما يشاء ويختار﴾)* فسألناهم عن الخيرة فقالوا: هم المتقون، قلنا: ما برهانكم؟ قالوا: قوله تعالى: *(﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾)* فقلنا هل لله خيرة من المتقين؟ قالوا: نعم، المجاهدون بدليل قوله تعالى: *(﴿فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة﴾)* فقلنا: هل لله خيرة من المجاهدين؟.قالوا جميعا: نعم، السابقون من المهاجرين إلى الجهاد بدليل قوله تعالى: *(﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل﴾)* الآية، فقبلنا ذلك منهم لإجماعهم عليه، وعلمنا أن خيرة الله من خلقه المجاهدون السابقون إلى الجهاد، ثم قلنا: هل لله خيرة منهم؟قالوا: نعم، قلنا: ومن هم؟ قالوا: أكثرهم عناء في الجهاد وطعنا وضربا وقتلا في سبيل الله بدليل قوله تعالى: *(﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره﴾)* *(﴿وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله﴾)* فقبلنا ذلك منهم وعلمناه وعرفنا أن خيرة الخيرة أكثرهم في الجهاد وأبذلهم لنفسه في طاعة الله وأقتلهم لعدوه، فسألناهم عن هذين الرجلين علي بن أبي طالب وأبي بكر أيهما كان أكثر عناء في الحرب وأحسن بلاء في سبيل الله فأجمع الفريقان على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) أنه كان أكثر طعنا وضربا وأشد قتالا وأذب في دين الله ورسوله، فثبت بما ذكرناه من إجماع الفريقين ودلالة الكتاب والسنة أن عليا (عليه السلام) أفضل، فسألناهم ثانيا عن خيرته تعالى من المتقين.صفحة 155فقالوا: هم الخاشعون بدليل قوله تعالى: *(﴿وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد﴾)* إلى قوله تعالى:*(من خشي الرحمن بالغيب)*. وقال تعالى *(﴿وذكرا للمتقين * الذين يخشون ربهم﴾)* ثم سألناهم جميعا: من هم الخاشعون؟فقالوا: هم العلماء لقوله: *(﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾)*، ثم سألناهم جميعا: من أعلم الناس؟قالوا: أعلمهم بالعدل وأهداهم إلى الحق وأحقهم أن يكون متبوعا ولا يكون تابعا بدليل قوله تعالى: *(﴿يحكم به ذوا عدل منكم﴾)* فجعل الحكومة إلى أهل العدل، فقبلنا ذلك منهم ثم سألناهم عن أعلم الناس بالعدل من هو؟ فقالوا: أدلهم عليه، قلنا: فمن أدل الناس عليه؟ قالوا أهداهم إلى الحق وأحقهم أن يكون متبوعا ولا يكون تابعا بدليل قوله: *(أفمن يهدي إلى الحق)* الآية، فدل كتاب الله وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله) والإجماع أن أفضل الأمة بعد نبيها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) لأنه إذا كان أكثرهم جهادا كان أتقاهم، وإذا كان اتقاهم كان أخشاهم، وإذا كان أخشاهم كان أعلمهم، وإذا كان أعلمهم كان أدل على العدل، وإذا كان أدل على العدل كان أهدى الأمة إلى الحق، وإذا كان أهدى كان أولى أن يكون متبوعا وأن يكون حاكما لا تابعا ولا محكوما عليه، واجتمعت الأمة بعد نبيها أنه خلف كتاب الله تعالى ذكره وأمرهم بالرجوع إليه إذا نابهم أمر وإلى سنته (صلى الله عليه وآله) فيقتدون بهما ويستنبطون منهما ما يزول به الاشتباه، فإذا قرأ قارئهم *(﴿وربك يخلق ما يشاء ويختار﴾)* فيقال له أثبتها، ثم يقرأ *(﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾)* وفي قراءة ابن مسعود: إن خيركم عند الله أتقاكم، ثم يقرأ: *(﴿وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد * هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ * من خشي الرحمن بالغيب﴾)* فدلت هذه الآية على أن المتقين هم الخاشعون، ثم يقرأ حتى إذا بلغ إلى قوله: *(﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾)* فيقال له: إقرأ حتى ننظر هل العلماء أفضل من غيرهم أم لا؟حتى إذا بلغ إلى قوله تعالى: *(﴿هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾)* علم أن العلماء أفضل من غيرهم، ثم يقال: إقرأ، فإذا بلغ إلى قوله تعالى: *(يرفع الله الحجرات: 13. ق: 33. فاطر: 28. الزمر: 9.صفحة 156﴿الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾)* قيل قد دلت هذه الآية على أن الله قد اختار العلماء وفضلهم ورفعهم درجات وقد أجمعت الأمة على أن العلماء من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذين يؤخذ عنهم العلم كانوا أربعة علي بن أبي طالب (عليه السلام) وعبد الله بن العباس وابن مسعود وزيد بن ثابت رحمهم الله، وقالت طائفة: عمر بن الخطاب، فسألنا الأمة من أولى بالتقديم إذا حضرت الصلاة فقالوا: إن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " يؤم بالقوم أقرأهم " ثم أجمعوا على أن الأربعة كانوا أقرأ لكتاب الله تعالى من عمر فسقط عمر ثم سألنا الأمة: أي هؤلاء الأربعة أقرأ لكتاب الله وأفقه لدينه؟فاختلفوا فوقفناهم حتى نعلم ثم سألناهم: أيهم أولى بالإمامة، فأجمعوا على أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " إن الأئمة من قريش " فسقط ابن مسعود وزيد بن ثابت وبقي علي بن أبي طالب وابن عباس فسألنا: أيهما أولى بالإمامة؟ فقالوا إن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: إذا كانا عالمين فقيهين قرشيين فأكبرهما سنا وأقدمهما هجرة، فسقط عبد الله بن عباس وبقي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (صلوات الله عليه)، فيكون أحق بالإمامة لما اجتمعت عليه الأمة ولدلالة الكتاب والسنة عليه.هذا آخر رسالة أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ.صفحة 157رسالة أخرى لأبي عثمان عمرو بن بحرهذا، نقلها علي بن عيسى في كتاب كشف الغمة قال: رسالة وقعت إلي من كلام أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ أذكرها مختصرا لها.قال: إعلم حفظك الله أن أصول الخصومات معروفة بينة وأبوابها مشهورة كالخصومة بين الشعوبية والعرب والكوفي والبصري والعدناني والقطحاني، وهذه الأبواب الثلاثة أنقص للعقول السليمة وأفسد للأخلاق الحسنة من المنازعة في القدر والتشبيه وفي الوعد والوعيد والأسماء والأحكام وفي الآثار وتصحيح الأخبار، وأنقص من هذه للعقول تمييز الرجال وترتيب الطبقات وذكر تقديم علي (عليه السلام) وأبي بكر، فأولى الأشياء بك القصد وترك الهوى فإن اليهود نازعت النصارى في المسيح فلج بهما القول حتى قالت اليهود: إنه ابن يوسف النجار وإنه لغير رشده وإنه صاحب تبريج وخدع ومخاريق وناصب شرك وصياد سمك وصاحب شص وشبك، فما يبلغ من عقل صياد وربيب نجار؟وزعمت النصارى أنه رب العالمين وخالق السماوات والأرضيين وإله الأولين والآخرين، فلو وجدت اليهود أسوأ من ذلك القول لقالته فيه، ولو وجدت النصارى أرفع من ذلك القول لقالته فيه، وعلى هذا قال علي (عليه السلام): " يهلك في رجلان محب مفرط ومبغض مفرط " والرأي كل الرأي أن لا يدعوك حب الصحابة إلى بخس عترة الرسول (صلى الله عليه وآله) حقوقهم وحظوظهم، فإن عمر لما كتبوا الدواوين وقدموا ذكره أنكر ذلك وقال: ابدأوا بطرا في رسول الله (صلى الله عليه وآله) وضعوا آل الخطاب حيث وضعهم الله، قالوا: فأنت أمير المؤمنين فأبى إلا تقديم بني هاشم وتأخير نفسه، فلم ينكر عليه منكر وصوبوا رأيه وعدوا ذلك من مناقبه.واعلم أن الله لو أراد أن يسوي بين بني هاشم وبين الناس لما أبانهم بسهم ذوي القربى ولما قال:*(وأنذر عشيرتك الأقربين)* وقال الله تعالى: *(وإنه لذكر لك ولقومك)* وإذا كان لقومه في ذلك ما ليس لغيرهم فكل من كان أقرب كان أرفع، ولو سواهم بالناس لما حرم عليهم الصدقة، وما هذا التحريم إلا لإكرامهم على الله ولذلك قال للعباس حيث طلب ولاية الصدقات: لا أوليك غسالاتصفحة 158خطايا الناس وأوزارهم، بل أوليك سقاية الحاج والإنفاق على زوار الله، ولهذا كان رباه أول ربا وضع، ودم ربيعة بن الحارث أول دم أهدر لأنهما القدوة في النفس والمال، لهذا قال علي (عليه السلام) على منبر الجماعة: " نحن أهل بيت لا يقاس بنا أحد " وصدق (عليه السلام)، كيف يقاس بقوم منهم رسول الله وآله، الأطيبان علي وفاطمة والسبطان الحسن والحسين والشهيدان أسد الله حمزة وذو الجناحين جعفر وسيد الوادي عبد المطلب وساقي الحجيج العباس وحليم البطحاء والنجدة والخير فيهم، والأنصار أنصارهم، والمهاجر من هاجر إليهم ومعهم، والصديق من صدقهم، والفاروق من فرق بين الحق والباطل فيهم، والحواري حواريهم، وذو الشهادتين لأنه شهد لهم، ولا خير إلا فيهم ولهم ومنهم ومعهم وقال
[غاية المرام وحجة الخصام] · موسوعة الغيبة والظهور