الأقسامالنبوّة والإمامة والولاية وعلوم الأئمة ومعاجزهمالنصّ على الأئمة
غاية المرام وحجة الخصام · رقم ١٨٢

فيما أجاب به الشيخ أبو عبد الله محمد بن يوسف بن محمد الكنجي الشافعي في كتاب البيان في أخبار صاحب الزمان في الجواب عن الاعتراض في الغيبة، ولم يرتض الجواب الشيخ علي بن عيسى في كتاب كشف الغمة، وذكر الكلامين

(صلى الله عليه وآله) فيما أبان به أهل بيته: " إني تارك فيكم الخليفتين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، نبأني اللطيف الخبير أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض " ولو كانوا كغيرهم لما قال عمر حين طلب مصاهرة علي: إني سمعت رسول الله (عليه السلام) يقول: " كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي ".واعلم أن الرجل قد ينازع في تفضيل ماء دجلة على ماء الفرات فإن لم يتحفظ وجد في قلبه على شارب ماء دجلة رقة لم يكن يجدها، ووجد في قلبه غلظة على شارب ماء الفرات لم يكن يجدها، فالحمد لله الذي جعلنا لا نفرق بين أبناء نبينا ورسولنا فنحكم لجميع المرسلين بالتصديق ولجميع السلف بالولاية، ونخص بني هاشم بالمحبة ونعطي كل امرئ قسطه من المنزلة، فأما علي ابن أبي طالب (عليه السلام) فلو أفردنا لأيامه الشريفة ومقاماته الكريمة ومناقبه السنية كلاما لأفنينا في ذلك الطوامير الطوال، العرق صحيح والمنشأ كريم والشأن عظيم والعمل جسيم والعلم كثير والبيان عجيب واللسان خطيب والصدر رحيب، فأخلاقه وفق أعراقه وحديثه يشهد بقديمه، وليس التدبير في وصف مثله إلا ذكر جمل قدره واستقصاء جميع حقه، وإذا كان كتابنا لا يحتمل تفسير جميع أمره ففي هذه الجملة بلاغ لمن أراد معرفة فضله.وأما الحسن والحسين (عليهما السلام) فمثلهما مثل الشمس والقمر فمن أعطى ما في الشمس والقمر من المنافع العامة والنعم الشاملة التامة ولو لم يكونا ابني علي (عليه السلام) من فاطمة (عليها السلام)، ورفعت من وهمك كل رواية وكل سبب توجبه القرابة لكنت لا تقرن بهما أحدا من أجلة أولاد المهاجرين والصحابة إلا أراك فيهما الإنصاف من تصديق قول النبي (صلى الله عليه وآله): " إنهما سيدا شباب أهل الجنة " وجميع من هماصفحة 159سادته سادة، والجنة لا تدخل إلا بالصدق والصبر وإلا بالحلم والعلم وإلا بالطهارة والزهد وإلا بالعبادة والطاعة الكثيرة والأعمال الشريفة والاجتهاد والأثرة والإخلاص في النية، فدل على أن حظهما في الأعمال المرضية والمذاهب الزكية فوق كل خط.وأما محمد بن الحنفية فقد أقره الصادر والوارد والحاضر والبادي أنه كان واحد دهره ورجل عصره وكان أتم الناس تماما وكمالا.وأما: علي بن الحسين (عليه السلام) فالناس على اختلاف مذاهبهم مجمعون عليه لا يتمرى أحد في تدبيره ولا يشك أحد في تقديمه، وكان أهل الحجاز يقولون لم نر ثلاثة في دهر يرجعون إلى أب قريب كلهم يسمى عليا وكلهم يصلح للخلافة لتكامل خصال الخير فيهم، يعنون علي بن الحسين ابن علي (عليهما السلام) وعلي بن عبد الله بن جعفر وعلي بن عبد الله بن العباس، ولو عزونا لكتابنا هذا ترتبهم لذكرنا رجال أولاد علي لصلبه وولد الحسين وعلي بن الحسين ومحمد بن عبد الله بن جعفر ومحمد بن علي بن عبد الله بن العباس إلا أنا ذكرنا جملة من القول فيهم فاقتصرنا من الكثير على القليل.وأما: النجدة فقد علم أصحاب الأخبار وحمالوا الآثار أنهم لم يسمعوا بمثل نجدة علي بن أبي طالب (عليه السلام) وحمزة ولا يصير جعفر الطيار، وليس في الأرض قوم أثبت جنانا ولا أكثر مقتولا تحت ظلال السيوف ولا أجدر أن يقاتلوا، وقد فرت الأخيار وذهبت الصنائع وخام ذو البصيرة وجاد أهل النجدة من رجالات بني هشام وهم كما قيل:وخام الكمي وطاح اللوى * * * ولا تأكل الحرب إلا سميناوكذلك قال دغفل حين وصفهم: أنجاد أمجاد ذوو ألسنة حداد.وكذلك قال علي (عليه السلام) حين سئل عن بني هاشم وبني أمية: نحن أنجد وأمجد وأجود، وهم أنكر وأمكر وأغدر.وقال أيضا: نحن أطعم للطعام وأضرب للهام، وقد عرفت جفاء المكيين وطيش المدنيين وأعراق بني هشام مكية ومناسبهم مدنية، ثم ليس في الأرض أظهر أخلاقا ولا أطهر بشرا ولا أدوم دماثة ولا ألين عريكة ولا أطيب عشيرة ولا أبعد من كبر منهم، والحدة لا يكاد يعدمها الحجازي والتهامي إلا أن حليمهم لا يشق غباره، وذلك في الخاص والجمهور على خلاف ذلك حتى تصير إلى بني هاشم، فالحلم في جمهورهم وذلك يوجد في الناس كافة، ولكنا نضمن أنهم أتم الناسصفحة 160فضلا وأقلهم نقصا، وحسن الخلق في البخيل أسرع وفي الذليل أوجد وفيهم مع فرط جودهم وظهور عزهم من البشر الحسن والاحتمال وكرم التفاضل ما لا يوجد مع البخيل الموسر والذليل المكثر اللذين يجعلان البشر وقاية دون المال، وليس في الأرض خصلة تدعو إلى الطغيان والتهاون بالأمور وتفسد العقول وتورث السكر إلا وهي تعتريهم وتعرض لهم دون غيرهم، إذ قد جمعوا مع الشرف العالي والمغرس الكريم والعز والمنعة مع إبقاء البأس عليهم والهيئة لهم وهم في كل أوقاتهم وجميع أعصارهم فوق من هم على مثل ميلادهم في الهيئة الحسنة والمروءة الظاهرة والأخلاق المرضية، وقد عرف الحدث العزيز من فتيانهم وذوي الغرامة من شبانهم أنه إن افترى لم يفتر عليه وإن ضرب لم يضرب، ثم لا تجده إلا قوي القلب بعيد الهمة كثير المعرفة مع خفة ذات اليد وتعذر الأمور، ثم لا تجد عند أفسدهم شيئا من المنكر إلا رأيت في غيره من الناس أكثر منه من مشايخ القبائل وجمهور العشائر، وإذا كان فاضلهم فوق كل فاضل وناقصهم أنقص نقصانا من كل ناقص فأي دليل أدل وأي برهان أوضح مما قلناه؟وقد علمت أن الرجل فيهم ينعت بالتعظيم والرواية في دخول الجنة بغير حساب ويتأول القرآن له ويزداد في طمعه في كل حيلة وينقص من خوفه ويحتج له بأن النار لا تمسه وأنه ليشفع في مثل ربيعة ومضر وأنت تجد لهم مع ذلك العدد الكثير من الصوام والمصلين والتالين الذين لا يجاريهم أحد ولا يقاربهم، كان أبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب يصلي في كل ليلة ألف ركعة وكذا علي ابن الحسين بن علي وعلي بن عبد الله بن جعفر وعلي بن عبد الله بن العباس (عليهم السلام) مع العلم والحلم وكظم الغيظ والصفح الجميل والاجتهاد المبرز، فلو أن خصلة من الخصال أو داعية من هذه الدواعي عرضت لغيرهم لهلك وأهلك، واعلم أنهم لم يمتحنوا بهذه المحن ولم يتحملوا هذه البلوى إلا لما قدموا من العزائم التامة والأدوات الممكنة ولم يكن الله ليزيدهم في المحنة إلا وهم يزدادون على شدة المحن خبرا وعلى التكشف تهذيبا.وجملة أخرى مما لعلي بن أبي طالب خاصة الأب أبو طالب بن عبد المطلب والجد عبد المطلب بن هاشم والأم فاطمة بنت أسد بن هاشم، والزوجة فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) سيد النساء أهل الجنة والولد الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة والأخ جعفر الطيار في الجنة، والعم العباس وحمزة سيد الشهداء في الجنة، والعمة صفية بنت عبد المطلب وابن العم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأول هاشمي من هاشميين، كان في الأرض ولد أبي طالب والأعمال التي يستحق بها الخير أربعة:التقدم في الإسلام، والذب عن رسول الله وعن الدين، والفقه في الحلال والحرام، والزهد فيصفحة 161الدنيا، وهي مجتمعة في علي بن أبي طالب متفرقة في الصحابة، وفي علي يقول أسد بن رقيم يحرض عليه قريشا وإنه قد بلغ منه على حداثة سنه ما لم يبلغه ذوو الأسنان:في كل مجمع غاية أخزاكم * * * جذع أبر علي المذاكي القرحلله دركم ألما تنكروا * * * قد ينكر الضيم الكريم ويستحيهذا ابن فاطمة الذي أفناكم * * * ذبحا ويمشي آمنا لم يجرحأين الكهول وأين كل دعامة * * * للمعضلات وأين زين الأبطحأفناهم ضربا بكل مهند * * * صلت وحد غزاره لم يصفحوأما الجود: فليس على ظهر الأرض جواد جاهلي ولا إسلامي ولا عربي ولا عجمي إلا وجوده يكاد يصير بخلا إذا ذكر جود علي بن أبي طالب وعبد الله بن جعفر وعبد الله بن العباس المذكورون بالجود منهم لكن اقتصرنا، ثم ليس في الأرض قوم أنطق خطيبا ولا أكثر بليغا من غير تكلف ولا تكسب من بني هاشم وقال أبو سفيان بن الحرث:لقد علمت قريش غير فخر * * * بأنا نحن أجودهم حصاناوأكثرهم دروعا سابغات * * * وأمضاهم إذا طعنوا سناناوأدفعهم عن الضراء فيهم * * * وأبينهم إذا نطقوا لسانا ومما يضم إلى جملة القول في فضل علي بن أبي طالب (عليه السلام) أنه أطاع الله قبلهم ومعهم وبعدهم وامتحن بما لم يمتحن به ذو عزم وابتلي بما لم يبتل به ذو صبر، وأما جملة القول في ولد علي فإن الناس لا يعظمون أحدا من الناس إلا بعد أن يصيبوا منهم وينالوا من فضلهم، وإلا بعد أن تظهر قدرتهم، وهم معظمون قبل الاختبار وهم بذلك واثقون وبه أنه لهم موقنون، فلولا أن هناك سرا كريما وخيما عجيبا وفضلا مبينا وعرقا ناميا لاكتفوا بذلك التعظيم ولم يعانوا تلك التكاليف الشداد والمحن الغلاظ، فأما المنطق والخطب فقد علم الناس كيف كان علي بن أبي طالب عند التفكير والتحبير وعند الارتجال والبدئة وعند الإطناب والإيجاز في وقتيها، وكيف كان كلامه قاعدا وقائما وفي الجماعات ومنفردا، مع الخبرة بالأحكام والعلم بالحلال والحرام، وكيف كان عبد الله بن عباس الذي كان يقال له: الحبر والبحر، ومثل عمر بن الخطاب يقول له: غص يا غواص، وشنشنة أعرفها من أخزم، قلب عقول ولسان قؤول، ولو لم يكن لجماعتهم إلا لسان زيد بن علي بن الحسين وعبد الله بن معاوية بن جعفر لقرعوا بهما جميع البلغاء وعلوا بها على جميع الخطباء،صفحة 162وكذلك قالوا: أجواد أمجاد وألسنة حداد.ولقد ألقيت إليك جملة من ذكر آل الرسول يستدل بالقليل منها على الكثير، وبالبعض على الكل، والبغية في ذكرهم أنك متى عرفت منازلهم ومنازل طاعاتهم ومراتب أعمالهم وأقدار أفعالهم وشدة محنتهم أضفت ذلك إلى حق القرابة كان أدنى ما يجب علينا وعليك الاحتجاج لهم، وجعلت بدل التوقف في أمرهم الرد على من أضاف إليهم ما لا يليق بهم، وقد تقدم من قولنا فيهم متفرقا ومجملا ما أغنى عن الاستقصاء في هذا الكتاب. تمت الرسالة وهي بخط عبد الله بن الحسن الطبري.قال: علي بن عيسى عقيب ذكره هاتين الرسالتين: أقول: إن أبا عثمان من رجال الإسلام وأفراد الزمان في الفضل والعلم وصحة الذهن وحسن الفهم والاطلاع على حقائق العلوم والمعرفة بكل جليل ودقيق، ولم يكن شيعيا فيتهم، وكان عثمانيا مروانيا وله في ذلك كتب مصنفة، وقد شهد في هاتين الرسالتين من فضل بني هاشم وتقديمهم وفضل علي (عليه السلام) وتقديمه بما لا شك فيه ولا شبهة وهو أشهر من فلق الصباح، وهذا إن كان مذهبه فذاك وليس بمذهبه وإلا فقد أنطقه الله تعالى بالحق وأجرى لسانه بالصدق، وقال ما يكون حجة عليه في الدنيا والآخرة، ونطق بما لو اعتقد غيره لكان خصمه في محشره، فإن الله عند لسان كل قائل فلينظر قائل ما يقول.وأصعب الأمور وأشقها أن يذكر الإنسان شيئا يستحق به الجنة ثم يكون ذلك موجبا لدخوله النار ونعوذ بالله:أحرم منكم بما أقول وقد * * * نال به العاشقون من عشقواصرت كأني ذبالة نصبت * * * تضئ للناس وهي تحترقانتهى كلامه علي بن عيسى.وقال الشيخ الإمام السعيد العلامة ابن الرؤساء أمين الدين أبو علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي في كلام أعلام الورى بعد أن ذكر أحاديث كثيرة مسندة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأن الأئمة بعدي اثنا عشر هم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وولده الأحد عشر الذين آخرهم القائم، ولما كانت الروايات والأحاديث بذلك من طريق العامة قال أبو علي الطبرسي عقيب ذكره هذه الأحاديث: هذا بعض ما جاء من الأخبار من طريق المخالفين ورواياتهم في النص على عدد الأئمةصفحة 163الاثني عشر (عليهم السلام) وإذا كانت الفرقة المخالفة قد نقلت ذلك كما نقلته الشيعة الإمامية، ولم تنكر ما تضمنه الخبر فهو أدل دليل على أن الله تعالى هو الذي سخرهم لروايته إقامة لحجته وإعلاء لكلمته، وما هذا الأمر إلا كالخارق للعادة والخارج عن الأمور المعتادة، ولا يقدر عليه إلا الله تعالى الذي يذلل الصعب ويقلب القلب ويسهل العسير وهو على كل شئ قدير. انتهى كلام أبي علي الطبرسي، ذكره في الكتاب المشار إليه.وعلى هذا انقطع الكلام ونشكر الملك العلام قائلين: ﴿‏الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله‏﴾، والحمد لله رب العالمين أولا وآخرا، وكان الفراغ من تصنيف هذا الكتاب الجليل الموسوم بغاية المرام وحجة الخصام في تعيين الإمام من طريق الخاص والعام على يد مصنفه السيد الجليل النبيل السيد هاشم بن السيد سليمان بن السيد إسماعيل بن السيد عبد الجواد البحراني باليوم الرابع والعشرين من شهر رمضان للسنة الثالثة والمائة والألف وصلى الله على محمد وآله الطاهرين وسلم تسليما كثيرا، وفرغ من كتابته المحتاج إلى ربه الغني أقل السادات وأقدم الطلاب ابن محمد الرضوي محمد علي الخوانساري في يوم الحادي عشر من شهر ذي القعدة الحرام من السنة الواحدة والسبعين والمائتين بعد الألف، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين المعصومين.* * *📕 الأصول من الكافي

[غاية المرام وحجة الخصام] · موسوعة الغيبة والظهور

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.