قال أبو حمزة: فقلت له: هل تعرف ما بين الحقّ و الباطل؟ قال نعم، فقلت له: فما حاجتك إليه إذا كنت تعرف ما بين الحقّ و الباطل، فقال لي: يا أهل الكوفة أنتم قوم ما تطاقون، إذا رأيت أبا جعفر (عليه السلام)…
قال أبو حمزة: فجلست حيث أسمع الكلام و حوله عالم من الناس، فلما قضى حوائجهم و انصرفوا، التفت إلى الرجل، فقال له: من أنت؟ قال: أنا قتادة بن دعامة البصرى، فقال له أبو جعفر (عليه السلام)…
قال: فسكت قتادة طويلا، ثمّ قال: أصلحك اللّه و اللّه لقد جلست بين يدى الفقهاء و قدّام ابن عباس، فما اضطرب قلبى قدّام واحد منهم ما اضطرب قدّامك، قال له أبو جعفر (عليه السلام)…
فقال له: أ لم أقل لك يا ابن أخ شرب الخمر؟ فأتاهم فأخبرهم فقالوا له: عد إليه فلم يزالوا به حتّى عاد إليه فسأله فقال له: أ لم أقل لك يا ابن أخ شرب الخمر. انّ شرب الخمر يدخل صاحبه فى الزّنا و السرقة، و قتل النفس الّتي حرّم اللّه و فى الشرك باللّه و أفاعيل الخمر تعلو على كلّ ذنب، كما يعلو شجرها على كلّ …
فهل له من مدّة؟ فقال: نعم يا داود و اللّه لا يملك بنو اميّة يوما ألّا ملكتم مثليه، و لا سنة الّا ملكتم مثليها و ليتلقّفها الصبيان منكم كما تلقّف الصبيان الكرة.…
أجلس و أبو جعفر قاعد فى المسجد، فقال أبو جعفر أنت رجل مشهور و لا أحبّ أن تجلس الىّ قال: فلم يلتفت إلى أبى جعفر، و جلس فقال لأبى جعفر أنت الامام قال لا قال فإنّ قوما بالكوفة يزعمون أنك إمام قال فما أصنع بهم قال تكتب إليهم تخبرهم قال: لا يطيعون إنّما نستدلّ على من غاب عنّا بمن حضر فقد أمرتك أن لا تجلس…
فأخذ أبى بيده فأقامه، ثمّ قال: يا زيد ان نطقت الصخرة الّتي نحن عليها أتقبل؟ قال: نعم، فرجفت الصخرة الّتي مما يلى زيد، حتّى كادت أن تفلق، و لم ترجف ممّا يلى أبى ثمّ قالت: يا زيد أنت ظالم، و محمّد أولى بالأمر منك، فكفّ عنه و الّا و ليت قتلك فخرّ زيد مغشيّا عليه، فأخذ أبى بيده و أقامه، ثمّ قال: يا زيد …
لا يعرض لأبى، و لا يخاصمه فانصرفت و خرج زيد من يومه الى عبد الملك بن مروان، فدخل عليه و قال: أتيتك من عند ساحر كذّاب لا يحلّ لك تركه، و قصّ عليه ما رأى، و كتب عبد الملك الى عامل المدينة، أن أبعث الىّ محمّد بن علىّ مقيدا و قال لزيد: أ رأيتك إن وليتك قتله قتلته؟ قال: نعم.…
قال: فلمّا انتهى الكتاب الى العامل أجاب عبد الملك: ليس كتابى هذا خلافا عليك يا أمير المؤمنين. و لا اردّ أمرك، و لكن رأيت أن أراجعك فى الكتاب نصيحة لك، و شفقة عليك، و انّ الرّجل الّذي أردته ليس اليوم على وجه الأرض أعفّ منه و لا أزهد و لا أورع منه، و انّه ليقرأ فى محرابه، فيجتمع الطير و السّباع تعجّبا…
فأتى العامل منزل أبى فاقرأه الكتاب، فقال: أجّلنى أيّاما قال: نعم فهيّأ أبى متاعا ثمّ حمله و دفعه الى العامل، فبعث به الى عبد الملك، و سرّ به سرورا شديدا فأرسل الى زيد، فعرض عليه، فقال زيد: و اللّه ما بعث إليك من متاع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)…
انّى لأعرف الشجرة الّتي نحن منها، و لكن هكذا قدّر فويل لمن أجرى اللّه على يديه الشّر، فأسرج له فركب أبى و نزل متورّما فأمر بأكفان له، و كان فيه ثياب أبيض أحرم فيه و قال: اجعلوه فى أكفانى، و عاش ثلاثا، ثمّ مضى (عليه السلام)…