الأقسامبحار الأنواركتاب الفتن و المحن
بحار الأنوار

ما يَحْكُمُونَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)يَا جَبْرَئِيلُ وَ مَا هَذِهِ الْفِتْنَةُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَ يَقُولُ إِنِّي مَا أَرْسَلْتُ نَبِيّاً قَبْلَكَ إِلَّا أَمَرْتُهُ عِنْدَ انْقِضَاءِ أَجَلِهِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ عَلَى أُمَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ وَ يُحْيِي لَهُمْ سُنَّتَهُ وَ أَحْكَامَهُ فَالْمُطِيعُونَ لِلَّهِ فِيمَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ هُمُ الصَّادِقُونَ وَ الْمُخَالِفُونَ عَلَى أَمْرِهِ الْكَاذِبُونَ وَ قَدْ دَنَا يَا مُحَمَّدُ مَصِيرُكَ إِلَى رَبِّكَ وَ جَنَّتِهِ وَ هُوَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَنْصِبَ لِأُمَّتِكَ مِنْ بَعْدِكَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ(عليه السلام)وَ تَعْهَدَ إِلَيْهِ فَهُوَ الْخَلِيفَةُ الْقَائِمُ بِرَعِيَّتِكَ وَ أُمَّتِكَ إِنْ أَطَاعُوهُ وَ إِنْ عَصَوْهُ وَ سَيَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَ هِيَ الْفِتْنَةُ الَّتِي تَلَوْتُ الْآيَ فِيهَا وَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَأْمُرُكَ أَنْ تُعَلِّمَهُ جَمِيعَ مَا عَلَّمَكَ وَ تَسْتَحْفِظَهُ جَمِيعَ مَا حَفَّظَكَ وَ اسْتَوْدَعَكَ فَإِنَّهُ الْأَمِينُ الْمُؤْتَمَنُ يَا مُحَمَّدُ إِنِّي اخْتَرْتُكَ مِنْ عِبَادِي نَبِيّاً وَ اخْتَرْتُهُ لَكَ وَصِيّاً قَالَ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)عَلِيّاً(عليه السلام)يَوْماً فَخَلَا بِهِ يَوْمَ ذَلِكَ وَ لَيْلَتَهُ وَ اسْتَوْدَعَهُ الْعِلْمَ وَ الْحِكْمَةَ الَّتِي آتَاهُ إِيَّاهَا وَ عَرَّفَهُ مَا قَالَ جَبْرَئِيلُ(عليه السلام)وَ كَانَ ذَلِكَ فِي يَوْمِ عَائِشَةَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ طَالَتِ اسْتِخْلَاؤُكَ بِعَلِيٍّ(عليه السلام)مُنْذُ الْيَوْمِ قَالَ فَأَعْرَضَ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)فَقَالَتْ لِمَ تُعْرِضُ عَنِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَمْرٍ لَعَلَّهُ يَكُونُ لِي صَلَاحاً فَقَالَ صَدَقْتِ وَ ايْمُ اللَّهِ إِنَّهُ لَأَمْرٌ صَلَاحٌ لِمَنْ أَسْعَدَهُ اللَّهُ بِقَبُولِهِ وَ الْإِيمَانِ بِهِ وَ قَدْ أُمِرْتُ بِدُعَاءِ النَّاسِ جَمِيعاً إِلَيْهِ وَ سَتَعْلَمِينَ ذَلِكَ إِذَا أَنَا قُمْتُ بِهِ فِي النَّاسِ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ لِمَ لَا تُخْبِرُنِي بِهِ الْآنَ لِأَتَقَدَّمَ بِالْعَمَلِ بِهِ وَ الْأَخْذِ بِمَا فِيهِ الصَّلَاحُ قَالَ سَأُخْبِرُكِ بِهِ فَاحْفَظِيهِ إِلَى أَنْ أُومَرَ بِالْقِيَامِ بِهِ فِي النَّاسِ جَمِيعاً فَإِنَّكِ إِنْ حَفِظْتِيهِ حَفِظَكِ اللَّهُ فِي الْعَاجِلَةِ وَ الْآجِلَةِ جَمِيعاً وَ كَانَتْ لَكِ الْفَضِيلَةُ بِالسَّبْقَةِ وَ الْمُسَارَعَةِ إِلَى الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ إِنْ أَضَعْتِهِ وَ تَرَكْتِ رِعَايَةَ مَا أُلْقِي إِلَيْكِ مِنْهُ كَفَرْتِ بِرَبِّكِ وَ حَبِطَ أَجْرُكِ وَ بَرِئَتْ مِنْكِ ذِمَّةُ اللَّهِ وَ ذِمَّةُ رَسُولِهِ وَ كُنْتِ مِنَ الْخَاسِرِينَ وَ لَنْ يَضُرَّ اللَّهَ ذَلِكِ وَ لَا رَسُولَهُ فَضَمِنَتْ لَهُ حِفْظَهُ وَ الْإِيمَانَ بِهِ وَ رِعَايَتَهُ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَنِي أَنَّ عُمُرِي قَدِ انْقَضَى وَ أَمَرَنِي أَنْ أَنْصِبَ عَلِيّاً لِلنَّاسِ عَلَماً وَ أَجْعَلَهُ فِيهِمْ إِمَاماً وَ أَسْتَخْلِفَهُ كَمَا اسْتَخْلَفَ الْأَنْبِيَاءُ مِنْ قَبْلِي أَوْصِيَاءَهُمْ وَ إِنِّي صَائِرٌ إِلَى أَمْرِ رَبِّي وَ آخِذٌ فِيهِ بِأَمْرِهِ فَلْيَكُنِ الْأَمْرُ مِنْكِ تَحْتَ سُوَيْدَاءِ قَلْبِكِ إِلَى أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ بِالْقِيَامِ بِهِ فَضَمِنَتْ لَهُ ذَلِكَ وَ قَدِ اطَّلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلَى مَا يَكُونُ مِنْهَا فِيهِ وَ مِنْ صَاحِبَتِهَا حَفْصَةَ وَ أَبَوَيْهِمَا فَلَمْ تَلْبَثْ أَنْ أَخْبَرَتْ حَفْصَةَ وَ أَخْبَرَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَبَاهَا فَاجْتَمَعَا وَ أَرْسَلَا إِلَى جَمَاعَةِ الطُّلَقَاءِ وَ الْمُنَافِقِينَ فَخَبَّرَاهُمْ بِالْأَمْرِ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَ قَالُوا إِنَّ مُحَمَّداً يُرِيدُ أَنْ يَجْعَلَ هَذَا الْأَمْرَ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ كَسُنَّةِ كِسْرَى وَ قَيْصَرَ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ وَ لَا وَ اللَّهِ مَا لَكُمْ فِي الْحَيَاةِ مِنْ حَظٍّ إِنْ أَفْضَى هَذَا الْأَمْرُ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(عليه السلام)وَ إِنَّ مُحَمَّداً عَامَلَكُمْ عَلَى ظَاهِرِكُمْ وَ إِنَّ عَلِيّاً يُعَامِلُكُمْ عَلَى مَا يَجِدُ فِي نَفْسِهِ مِنْكُمْ فَأَحْسِنُوا النَّظَرَ لِأَنْفُسِكُمْ فِي ذَلِكَ وَ قَدِّمُوا رَأْيَكُمْ فِيهِ وَ دَارَ الْكَلَامُ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَ أَعَادُوا الْخِطَابَ وَ أَجَالُوا الرَّأْيَ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَنْفِرُوا بِالنَّبِيِّ(صلى الله عليه وآله وسلم)نَاقَتَهُ عَلَى عَقَبَةِ هَرْشَى وَ قَدْ كَانُوا عَمِلُوا مِثْلَ ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَصَرَفَ اللَّهُ الشَّرَّ عَنْ نَبِيِّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)فَاجْتَمَعُوا فِي أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)مِنَ الْقَتْلِ وَ الِاغْتِيَالِ وَ إِسْقَاءِ السَّمِّ عَلَى غَيْرِ وَجْهٍ وَ قَدْ كَانَ اجْتَمَعَ أَعْدَاءُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم مِنَ الطُّلَقَاءِ مِنْ قُرَيْشٍ وَ الْمُنَافِقِينَ مِنَ الْأَنْصَارِ وَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ الِارْتِدَادُ مِنَ الْعَرَبِ فِي الْمَدِينَةِ وَ مَا حَوْلَهَا فَتَعَاقَدُوا وَ تَحَالَفُوا عَلَى أَنْ يَنْفِرُوا بِهِ نَاقَتَهُ وَ كَانُوا أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا وَ كَانَ مِنْ عَزْمِ رَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)أَنْ يُقِيمَ عَلِيّاً(عليه السلام)وَ يَنْصِبَهُ لِلنَّاسِ بِالْمَدِينَةِ إِذَا قَدِمَ فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)يَوْمَيْنِ وَ لَيْلَتَيْنِ فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ أَتَاهُ جَبْرَئِيلُ(عليه السلام)بِآخِرِ سُورَةِ الْحِجْرِ فَقَالَ اقْرَأْ فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ قَالَ وَ رَحَلَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)وَ أَغَذَّ السَّيْرَ مُسْرِعاً عَلَى دُخُولِهِ الْمَدِينَةَ لِيَنْصِبَ عَلِيّاً(عليه السلام)عَلَماً لِلنَّاسِ فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ هَبَطَ جَبْرَئِيلُ فِي آخِرِ اللَّيْلِ فَقَرَأَ عَلَيْهِ يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ وَ هُمُ الَّذِينَ هَمُّوا بِرَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)أَ مَا تَرَانِي يَا جَبْرَئِيلُ أُغِذُّ السَّيْرَ مُجِدّاً فِيهِ لِأَدْخُلَ الْمَدِينَةَ فَأَفْرِضَ وَلَايَتَهُ عَلَى الشَّاهِدِ وَ الْغَائِبِ فَقَالَ لَهُ جَبْرَئِيلُ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَفْرِضَ وَلَايَتَهُ غَداً إِذَا نَزَلْتَ مَنْزِلَكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)نَعَمْ يَا جَبْرَئِيلُ غَداً أَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)بِالرَّحِيلِ مِنْ وَقْتِهِ وَ سَارَ النَّاسُ مَعَهُ حَتَّى نَزَلَ بِغَدِيرِ خُمٍّ وَ صَلَّى بِالنَّاسِ وَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَجْتَمِعُوا إِلَيْهِ وَ دَعَا عَلِيّاً(عليه السلام)وَ رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)يَدَ عَلِيٍّ الْيُسْرَى بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْوَلَاءِ لِعَلِيٍّ(عليه السلام)عَلَى النَّاسِ أَجْمَعِينَ وَ فَرَضَ طَاعَتَهُ عَلَيْهِمْ وَ أَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَتَخَلَّفُوا عَلَيْهِ بَعْدَهُ وَ خَبَّرَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ قَالَ لَهُمْ أَ لَسْتُ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَمَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ وَ انْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ وَ اخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ ثُمَّ أَمَرَ النَّاسَ أَنْ يُبَايِعُوهُ فَبَايَعَهُ النَّاسُ جَمِيعاً وَ لَمْ يَتَكَلَّمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ وَ قَدْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ تَقَدَّمَا إِلَى الْجُحْفَةِ فَبَعَثَ وَ رَدَّهُمَا ثُمَّ قَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ(صلى الله عليه وآله وسلم)مُتَهَجِّماً يَا ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ وَ يَا عُمَرُ بَايِعَا عَلِيّاً بِالْوَلَايَةِ مِنْ بَعْدِي فَقَالا أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ وَ مِنْ رَسُولِهِ فَقَالَ وَ هَلْ يَكُونُ مِثْلُ هَذَا عَنْ غَيْرِ أَمْرِ اللَّهِ نَعَمْ أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ وَ مِنْ رَسُولِهِ فَقَالَ وَ بَايَعَا ثُمَّ انْصَرَفَا وَ سَارَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)بَاقِيَ يَوْمِهِ وَ لَيْلَتِهِ حَتَّى إِذَا دَنَوْا مِنْ عَقَبَةِ هَرْشَى تَقَدَّمَهُ الْقَوْمُ فَتَوَارَوْا فِي ثَنِيَّةِ الْعَقَبَةِ وَ قَدْ حَمَلُوا مَعَهُمْ دِبَاباً وَ طَرَحُوا فِيهَا الْحَصَا فَقَالَ حُذَيْفَةُ فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)وَ دَعَا عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ وَ أَمَرَهُ أَنْ يَسُوقَهَا وَ أَنَا أَقُودُهَا حَتَّى إِذَا صِرْنَا رَأْسَ الْعَقَبَةِ ثَارَ الْقَوْمُ مِنْ وَرَائِنَا وَ دَحْرَجُوا الدِّبَابَ بَيْنَ قَوَائِمِ النَّاقَةِ فَذُعِرَتْ وَ كَادَتْ أَنْ تَنْفِرَ بِرَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)فَصَاحَ بِهَا النَّبِيُّ(صلى الله عليه وآله وسلم)أَنِ اسْكُنِي وَ لَيْسَ عَلَيْكِ بَأْسٌ فَأَنْطَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ فَصِيحٍ فَقَالَتْ وَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)لَا أَزَلْتُ يَداً عَنْ مُسْتَقَرِّ يَدٍ وَ لَا رِجْلًا عَنْ مَوْضِعِ رِجْلٍ وَ أَنْتَ عَلَى ظَهْرِي فَتَقَدَّمَ الْقَوْمُ إِلَى النَّاقَةِ لِيَدْفَعُوهَا فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَ عَمَّارٌ نَضْرِبُ وُجُوهَهُمْ بِأَسْيَافِنَا وَ كَانَتْ لَيْلَةً مُظْلِمَةً فَزَالُوا عَنَّا وَ أَيِسُوا مِمَّا ظَنُّوا وَ قَدَّرُوا وَ دَبَّرُوا فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ الَّذِينَ يُرِيدُونَ مَا تَرَى فَقَالَ(صلى الله عليه وآله وسلم)يَا حُذَيْفَةُ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ فَقُلْتُ أَ لَا تَبْعَثُ إِلَيْهِمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ رَهْطاً فَيَأْتُوا بِرُءُوسِهِمْ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُعْرِضَ عَنْهُمْ فَأَكْرَهُ أَنْ تَقُولَ النَّاسُ إِنَّهُ دَعَا أُنَاساً مِنْ قَوْمِهِ وَ أَصْحَابِهِ إِلَى دِينِهِ فَاسْتَجَابُوا فَقَاتَلَ بِهِمْ حَتَّى إِذَا ظَهْرَ عَلَى عَدُوِّهِ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ فَقَتَلَهُمْ وَ لَكِنْ دَعْهُمْ يَا حُذَيْفَةُ فَإِنَّ اللَّهَ لَهُمْ بِالْمِرْصَادِ وَ سَيُمْهِلُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ يَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ فَقُلْتُ وَ مَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ الْمُنَافِقُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)أَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ أَمْ مِنَ الْأَنْصَارِ فَسَمَّاهُمْ لِي رَجُلًا رَجُلًا حَتَّى فَرَغَ مِنْهُمْ وَ قَدْ كَانَ فِيهِمْ أُنَاسٌ أَنَا كَارِهٌ أَنْ يَكُونُوا فِيهِمْ فَأَمْسَكْتُ عِنْدَ ذَلِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)يَا حُذَيْفَةُ كَأَنَّكَ شَاكٌّ فِي بَعْضِ مَنْ سَمَّيْتُ لَكَ ارْفَعْ رَأْسَكَ إِلَيْهِمْ فَرَفَعْتُ طَرْفِي إِلَى الْقَوْمِ وَ هُمْ وُقُوفٌ عَلَى الثَّنِيَّةِ فَبَرَقَتْ بَرْقَةٌ فَأَضَاءَتْ جَمِيعَ مَا حَوْلَنَا وَ ثَبَتَتِ الْبَرْقَةُ حَتَّى خِلْتُهَا شَمْساً طَالِعَةً فَنَظَرْتُ وَ اللَّهِ إِلَى الْقَوْمِ فَعَرَفْتُهُمْ رَجُلًا رَجُلًا فَإِذَا هُمْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)وَ عَدَدُ الْقَوْمِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا تِسْعَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَ خَمْسَةٌ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ فَقَالَ لَهُ الْفَتَى سَمِّهِمْ لَنَا يَرْحَمُكَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ حُذَيْفَةُ هُمْ وَ اللَّهِ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ وَ عُثْمَانُ وَ طَلْحَةُ وَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَ هَؤُلَاءِ مِنْ قُرَيْشٍ وَ أَمَّا الْخَمْسَةُ الْأُخَرُ فَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُ وَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ الثَّقَفِيُّ وَ أَوْسُ بْنُ الْحَدَثَانِ الْبَصْرِيُ وَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَ أَبُو طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ حُذَيْفَةُ ثُمَّ انْحَدَرْنَا مِنَ الْعَقَبَةِ وَ قَدْ طَلَعَ الْفَجْرُ فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)فَتَوَضَّأَ وَ انْتَظَرَ أَصْحَابَهُ حَتَّى انْحَدَرُوا مِنَ الْعَقَبَةِ وَ اجْتَمَعُوا فَرَأَيْتُ الْقَوْمَ بِأَجْمَعِهِمْ وَ قَدْ دَخَلُوا مَعَ النَّاسِ وَ صَلَّوْا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)فَلَمَّا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ الْتَفَتَ فَنَظَرَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ وَ أَبِي عُبَيْدَةَ يَتَنَاجَوْنَ فَأَمَرَ مُنَادِياً فَنَادَى فِي النَّاسِ لَا تَجْتَمِعْ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ مِنَ النَّاسِ يَتَنَاجَوْنَ فِيمَا بَيْنَهُمْ بِسِرٍّ وَ ارْتَحَلَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)بِالنَّاسِ مِنْ مَنْزِلِ الْعَقَبَةِ فَلَمَّا نَزَلَ الْمَنْزِلَ الْآخَرَ رَأَى سَالِمٌ مَوْلَى حُذَيْفَةَ أَبَا بَكْرٍ وَ عُمَرَ وَ أَبَا عُبَيْدَةَ يُسَارُّ بَعْضُهُمْ بَعْضاً فَوَقَفَ عَلَيْهِمْ وَ قَالَ أَ لَيْسَ قَدْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)أَنْ لَا تَجْتَمِعَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ مِنَ النَّاسِ عَلَى سِرٍّ وَاحِدٍ وَ اللَّهِ لَتُخْبِرُونِّي فِيمَا أَنْتُمْ وَ إِلَّا أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)حَتَّى أُخْبِرَهُ بِذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ يَا سَالِمُ عَلَيْكَ عَهْدُ اللَّهِ وَ مِيثَاقُهُ لَئِنْ خَبَّرْنَاكَ بِالَّذِي نَحْنُ فِيهِ وَ بِمَا اجْتَمَعْنَا لَهُ إِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ تَدْخُلَ مَعَنَا فِيهِ دَخَلْتَ وَ كُنْتَ رَجُلًا مِنَّا وَ إِنْ كَرِهْتَ ذَلِكَ كَتَمْتَهُ عَلَيْنَا فَقَالَ سَالِمٌ لَكُمْ ذَلِكَ وَ أَعْطَاهُمْ بِذَلِكَ عَهْدَهُ وَ مِيثَاقَهُ وَ كَانَ سَالِمٌ شَدِيدَ الْبُغْضِ وَ الْعَدَاوَةِ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(عليه السلام)وَ قَدْ عَرَفُوا ذَلِكَ مِنْهُ فَقَالُوا لَهُ إِنَّا قَدِ اجْتَمَعْنَا عَلَى أَنْ نَتَحَالَفَ وَ نَتَعَاقَدَ عَلَى أَنْ لَا نُطِيعَ مُحَمَّداً فِيمَا فَرَضَ عَلَيْنَا مِنْ وَلَايَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بَعْدَهُ فَقَالَ لَهُمْ سَالِمٌ عَلَيْكُمْ عَهْدُ اللَّهِ وَ مِيثَاقُهُ إِنَّ فِي هَذَا الْأَمْرِ كُنْتُمْ تَخُوضُونَ وَ تَتَنَاجَوْنَ قَالُوا أَجَلْ عَلَيْنَا عَهْدُ اللَّهِ وَ مِيثَاقُهُ إِنَّا إِنَّمَا كُنَّا فِي هَذَا الْأَمْرِ بِعَيْنِهِ لَا فِي شَيْءٍ سِوَاهُ قَالَ سَالِمٌ وَ أَنَا وَ اللَّهِ أَوَّلُ مَنْ يُعَاقِدُكُمْ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ وَ لَا يُخَالِفُكُمْ عَلَيْهِ إِنَّهُ وَ اللَّهِ مَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَ لَا فِي بَنِي هَاشِمٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ وَ لَا أَمْقَتَ مِنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَاصْنَعُوا فِي هَذَا الْأَمْرِ مَا بَدَا لَكُمْ فَإِنِّي وَاحِدٌ مِنْكُمْ فَتَعَاقَدُوا مِنْ وَقْتِهِمْ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ ثُمَّ تَفَرَّقُوا فَلَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)الْمَسِيرَ أَتَوْهُ فَقَالَ لَهُمْ فِيمَا كُنْتُمْ تَتَنَاجَوْنَ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا وَ قَدْ نَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّجْوَى فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْتَقَيْنَا غَيْرَ وَقْتِنَا هَذَا فَنَظَرَ إِلَيْهِمُ النَّبِيُّ(صلى الله عليه وآله وسلم)مَلِيّاً قَالَ لَهُمْ أَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ثُمَّ سَارَ حَتَّى دَخَلَ الْمَدِينَةَ وَ اجْتَمَعَ الْقَوْمُ جَمِيعاً وَ كَتَبُوا صَحِيفَةً بَيْنَهُمْ عَلَى ذِكْرِ مَا تَعَاهَدُوا عَلَيْهِ فِي هَذَا الْأَمْرِ وَ كَانَ أَوَّلُ مَا فِي الصَّحِيفَةِ النَّكْثَ لِوَلَايَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(عليه السلام)وَ أَنَّ الْأَمْرَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ وَ أَبِي عُبَيْدَةَ وَ سَالِمٌ مَعَهُمْ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهُمْ وَ شَهِدَ بِذَلِكَ أَرْبَعَةٌ وَ ثَلَاثُونَ رَجُلًا هَؤُلَاءِ أَصْحَابُ الْعَقَبَةِ وَ عِشْرُونَ رَجُلًا آخَرَ وَ اسْتَوْدَعُوا الصَّحِيفَةَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ وَ جَعَلُوهُ أَمِينَهُمْ عَلَيْهَا قَالَ فَقَالَ الْفَتَى يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَرْحَمُكَ اللَّهُ هَبْنَا نَقُولُ إِنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ رَضُوا بِأَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ وَ أَبِي عُبَيْدَةَ لِأَنَّهُمْ مِنْ مَشِيخَةِ قُرَيْشٍ فَمَا بِالُهُمْ رَضُوا بِسَالِمٍ وَ هُوَ لَيْسَ مِنْ قُرَيْشٍ وَ لَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ لَا مِنَ الْأَنْصَارِ وَ إِنَّمَا هُوَ عَبْدٌ لِامْرَأَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَ حُذَيْفَةُ يَا فَتَى إِنَّ الْقَوْمَ أَجْمَعَ تَعَاقَدُوا عَلَى إِزَالَةِ هَذَا الْأَمْرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(عليه السلام)حَسَداً مِنْهُمْ لَهُ وَ كَرَاهَةً لِأَمْرِهِ وَ اجْتَمَعَ لَهُمْ مَعَ ذَلِكَ مَا كَانَ فِي قُلُوبِ قُرَيْشٍ مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ وَ كَانَ خَاصَّةَ رَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)وَ كَانُوا يَطْلُبُونَ الثَّأْرَ الَّذِي أَوْقَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ بِهِمْ مِنْ عَلِيٍّ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ فَإِنَّمَا كَانَ الْعَقْدُ عَلَى إِزَالَةِ الْأَمْرِ عَنْ عَلِيٍّ(عليه السلام)مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةَ عَشَرَ وَ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ سَالِماً رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْفَتَى فَخَبِّرْنِي يَرْحَمُكَ اللَّهُ عَمَّا كَتَبَ جَمِيعُهُمْ فِي الصَّحِيفَةِ لِأَعْرِفَهُ فَقَالَ حُذَيْفَةُ حَدَّثَتْنِي بِذَلِكَ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ الْخَثْعَمِيَّةُ امْرَأَةُ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ الْقَوْمَ اجْتَمَعُوا فِي مَنْزِلِ أَبِي بَكْرٍ فَتَآمَرُوا فِي ذَلِكَ وَ أَسْمَاءُ تَسْمَعُهُمْ وَ تَسْمَعُ جَمِيعَ مَا يُدَبِّرُونَهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى اجْتَمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى ذَلِكَ فَأَمَرُوا سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ الْأُمَوِيَ فَكَتَبَ هُوَ الصَّحِيفَةَ بِاتِّفَاقٍ مِنْهُمْ وَ كَانَتْ نُسْخَةُ الصَّحِيفَةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ هَذَا مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْمَلَأُ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ الَّذِينَ مَدَحَهُمُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)اتَّفَقُوا جَمِيعاً بَعْدَ أَنْ أَجْهَدُوا فِي رَأْيِهِمْ وَ تَشَاوَرُوا فِي أَمْرِهِمْ وَ كَتَبُوا هَذِهِ الصَّحِيفَةَ نَظَراً مِنْهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَ أَهْلِهِ عَلَى غَابِرِ الْأَيَّامِ وَ بَاقِي الدُّهُورِ لِيَقْتَدِيَ بِهِمْ مَنْ يَأْتِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَنِّهِ وَ كَرَمِهِ بَعَثَ مُحَمَّداً(صلى الله عليه وآله وسلم)رَسُولًا إِلَى النَّاسِ كَافَّةً بِدِينِهِ الَّذِي ارْتَضَاهُ لِعِبَادِهِ فَأَدَّى مِنْ ذَلِكَ وَ بَلَّغَ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ وَ أَوْجَبَ عَلَيْنَا الْقِيَامَ بِجَمِيعِهِ حَتَّى إِذَا أَكْمَلَ الدِّينَ وَ فَرَضَ الْفَرَائِضَ وَ أَحْكَمَ السُّنَنَ اخْتَارَ اللَّهُ لَهُ مَا عِنْدَهُ فَقَبَضَهُ إِلَيْهِ مُكْرَماً مَحْبُوراً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ أَحَداً مِنْ بَعْدِهِ وَ جَعَلَ الِاخْتِيَارَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ يَخْتَارُونَ لِأَنْفُسِهِمْ مَنْ وَثِقُوا بِرَأْيِهِ وَ نُصْحِهِ لَهُمْ وَ إِنَّ لِلْمُسْلِمِينَ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةً حَسَنَةً قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَ الْيَوْمَ الْآخِرَ وَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)لَمْ يَسْتَخْلِفْ أَحَداً لِئَلَّا يَجْرِيَ ذَلِكَ فِي أَهْلِ بَيْتٍ وَاحِدٍ فَيَكُونَ إِرْثاً دُونَ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ وَ لِئَلَّا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْهُمْ وَ لِئَلَّا يَقُولَ الْمُسْتَخْلَفُ إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ بَاقٍ فِي عَقِبِهِ مِنْ وَالِدٍ إِلَى وَلَدٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ الَّذِي يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ مُضِيِّ خَلِيفَةٍ مِنَ الْخُلَفَاءِ أَنْ يَجْتَمِعَ ذَوُو الرَّأْيِ وَ الصَّلَاحِ فَيَتَشَاوَرُوا فِي أُمُورِهِمْ فَمَنْ رَأَوْهُ مُسْتَحِقّاً لَهَا وَلَّوْهُ أُمُورَهُمْ وَ جَعَلُوهُ الْقَيِّمَ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَى أَهْلِ كُلِّ زَمَانٍ مَنْ يَصْلُحُ مِنْهُمْ لِلْخِلَافَةِ فَإِنِ ادَّعَى مُدَّعٍ مِنَ النَّاسِ جَمِيعاً أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)اسْتَخْلَفَ رَجُلًا بِعَيْنِهِ نَصَبَهُ لِلنَّاسِ وَ نَصَّ عَلَيْهِ بِاسْمِهِ وَ نَسَبِهِ فَقَدْ أَبْطَلَ فِي قَوْلِهِ وَ أَتَى بِخِلَافِ مَا يَعْرِفُهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)وَ خَالَفَ عَلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَ إِنِ ادَّعَى مُدَّعٍ أَنَّ خِلَافَةَ رَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)إِرْثٌ وَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يُورَثُ فَقَدْ أَحَالَ فِي قَوْلِهِ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ وَ إِنِ ادَّعَى مُدَّعٍ أَنَّ الْخِلَافَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِرَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ وَ أَنَّهَا مَقْصُورَةٌ فِيهِ وَ لَا تَنْبَغِي لِغَيْرِهِ لِأَنَّهَا تَتْلُو النُّبُوَّةَ فَقَدْ كَذَبَ لِأَنَّ النَّبِيَّ(صلى الله عليه وآله وسلم)قَالَ أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ وَ إِنِ ادَّعَى مُدَّعٍ أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْخِلَافَةِ وَ الْإِمَامَةِ بِقُرْبِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)ثُمَّ هِيَ مَقْصُورَةٌ عَلَيْهِ وَ عَلَى عَقِبِهِ يَرِثُهَا الْوَلَدُ مِنْهُمْ عَنْ وَالِدِهِ ثُمَّ هِيَ كَذَلِكَ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَ زَمَانٍ لَا تَصْلُحُ لِغَيْرِهِمْ وَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِأَحَدٍ سِوَاهُمْ إِلَى أَنْ يَرِثَ اللَّهُ الْأَرْضَ وَ مَنْ عَلَيْها فَلَيْسَ لَهُ وَ لَا لِوُلْدِهِ وَ إِنْ دَنَا مِنَ النَّبِيِّ نَسَبُهُ لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ وَ قَوْلُهُ الْقَاضِي عَلَى كُلِّ أَحَدٍ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)إِنَّ ذِمَّةَ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ وَ كُلُّهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ فَمَنْ آمَنَ بِكِتَابِ اللَّهِ وَ أَقَرَّ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)فَقَدِ اسْتَقَامَ وَ أَنَابَ وَ أَخَذَ بِالصَّوَابِ وَ مَنْ كَرِهَ ذَلِكَ مِنْ فِعَالِهِمْ فَقَدْ خَالَفَ الْحَقَّ وَ الْكِتَابَ وَ فَارَقَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ فَاقْتُلُوهُ فَإِنَّ فِي قَتْلِهِ صَلَاحاً لِلْأُمَّةِ وَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)مَنْ جَاءَ إِلَى أُمَّتِي وَ هُمْ جَمِيعٌ فَفَرَّقَهُمْ فَاقْتُلُوهُ وَ اقْتُلُوا الْفَرْدَ كَائِناً مَنْ كَانَ مِنَ النَّاسِ فَإِنَّ الِاجْتِمَاعَ رَحْمَةٌ وَ الْفُرْقَةَ عَذَابٌ وَ لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى الضَّلَالِ أَبَداً وَ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ يَدٌ وَاحِدَةٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ وَ إِنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا مُفَارِقٌ وَ مُعَانِدٌ لَهُمْ وَ مُظَاهِرٌ عَلَيْهِمْ أَعْدَاءَهُمْ فَقَدْ أَبَاحَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ دَمَهُ وَ أَحَلَّ قَتْلَهُ وَ كَتَبَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ بِاتِّفَاقٍ مِمَّنْ أَثْبَتَ اسْمَهُ وَ شَهَادَتَهُ آخِرَ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ عَشَرَةٍ مِنَ الْهِجْرَةِ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ وَ صَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ثُمَّ دُفِعَتِ الصَّحِيفَةُ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ فَوَجَّهَ بِهَا إِلَى مَكَّةَ فَلَمْ تَزَلِ الصَّحِيفَةُ فِي الْكَعْبَةِ مَدْفُونَةً إِلَى أَوَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَاسْتَخْرَجَهَا مِنْ مَوْضِعِهَا وَ هِيَ الصَّحِيفَةُ الَّتِي تَمَنَّى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام)لَمَّا تُوُفِّيَ عُمَرُ فَوَقَفَ بِهِ وَ هُوَ مُسَجًّى بِثَوْبِهِ قَالَ مَا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ بِصَحِيفَةِ هَذَا الْمُسَجَّى ثُمَّ انْصَرَفُوا وَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)بِالنَّاسِ صَلَاةَ الْفَجْرِ ثُمَّ جَلَسَ فِي مَجْلِسِهِ يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَالْتَفَتَ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ فَقَالَ لَهُ بَخْ بَخْ مَنْ مِثْلُكَ وَ قَدْ أَصْبَحْتَ أَمِينَ هَذِهِ الْأُمَّةِ ثُمَّ تَلَا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَ وَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ لَقَدْ أَشْبَهَ هَؤُلَاءِ رِجَالٌ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَ لا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَ هُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَ كانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً ثُمَّ قَالَ لَقَدْ أَصْبَحَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي يَوْمِي هَذَا قَوْمٌ ضَاهُوهُمْ فِي صَحِيفَتِهِمُ الَّتِي كَتَبُوهَا عَلَيْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَ عَلَّقُوهَا فِي الْكَعْبَةِ وَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُمَتِّعُهُمْ لِيَبْتَلِيَهُمْ وَ يَبْتَلِيَ مَنْ يَأْتِي بَعْدَهُمْ تَفْرِقَةً بَيْنَ الْخَبِيثِ وَ الطَّيِّبِ وَ لَوْ لَا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ أَمَرَنِي بِالْإِعْرَاضِ عَنْهُمْ لِلْأَمْرِ الَّذِي هُوَ بَالِغُهُ لَقَدَّمْتُهُمْ فَضَرَبْتُ أَعْنَاقَهُمْ قَالَ حُذَيْفَةُ فَوَ اللَّهِ لَقَدْ رَأَيْنَا هَؤُلَاءِ النَّفَرَ عِنْدَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)هَذِهِ الْمَقَالَةَ وَ قَدْ أَخَذَتْهُمُ الرِّعْدَةُ فَمَا يَمْلِكُ أَحَدٌ مِنْهُمْ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئاً وَ لَمْ يَخْفَ عَلَى أَحَدٍ مِمَّنْ حَضَرَ مَجْلِسَ رَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)ذَلِكَ الْيَوْمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)إِيَّاهُمْ عَنَى بِقَوْلِهِ وَ لَهُمْ ضَرَبَ تِلْكَ الْأَمْثَالَ بِمَا تَلَا مِنَ الْقُرْآنِ قَالَ وَ لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)مِنْ سَفَرِهِ ذَلِكَ نَزَلَ مَنْزِلَ …

بحار الأنوار — كتاب الفتن و المحن · تمهيد غصب الخلافة و قصة الصحيفة الملعونة

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.