وَ مِنْ جُمْلَتِهَا مَا رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبِرِّ فِي الْإِسْتِيعَابِ قَالَ رَوَى الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ قَالَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (صلوات الله عليه) إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)مَرِضَ لَيَالِيَ وَ أَيَّاماً يُنَادَى بِالصَّلَاةِ فنقول [فَيَقُولُ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)نَظَرْتُ فَإِذَا الصَّلَاةُ عَلَمُ الْإِسْلَامِ وَ قِوَامُ الدِّينِ فَرَضِينَا لِدُنْيَانَا مَنْ رَضِيَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)لِدِينِنَا فَبَايَعْنَا أَبَا بَكْرٍ. فهذه ما وقفت عليه من أخبارهم في هذا الباب بعد التصفح و لنوضح بعض ألفاظها قال في النهاية رجل أسيف أي سريع البكاء و الحزن و قيل هو الرقيق و قال المخضب بالكسر شبه المركن و هي إجانة يغسل فيها الثياب و قال ناء ينوء نوءا نهض قوله أن نفتتن أي نقطع الصلاة مفتونين برؤيته و السجف بالفتح و الكسر الستر و في النهاية في حديث مرض النبي فاستعز برسول الله أي اشتد به المرض و أشرف على الموت يقال عز يعز بالفتح إذا اشتد به المرض و غيره و استعز عليه إذا اشتد عليه و غلبه ثم يبنى الفعل للمفعول به الذي هو الجار و المجرور و قال في حديث عمر إنه كان مجهرا أي صاحب جهر و رفع لصوته يقال جهر بالقول إذا رفع به صوته فهو جهر و أجهر فهو مجهر إذا عرف بشدة الصوت و قال الجوهري رجل مجهر بكسر الميم إذا كان من عادته أن يجهر بكلامه أقول فإذ قد تبينت لك تلك الأخبار فلنشرع في الكلام عليها و إبطال التمسك بها فنقول. أما الجواب عنها على وجه الإجمال فهو أنها أخبار آحاد لم تبلغ حد التواتر و قد وردت من جانب الخصوم و تعارضها رواياتنا الواردة عن أهل البيت(عليهم السلام)و قد تقدم بعضها فلا تعويل عليها. و أما على التفصيل فإن أكثر الروايات المذكورة تنتهي إلى عائشة و هي امرأة لم تثبت لها العصمة بالاتفاق و توثيقها محل الخلاف بيننا و بين المخالفين و سيأتي في أخبارنا من ذمها و القدح فيها و أنها كانت ممن يكذب على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ما فيه كفاية للمستبصر و مع ذلك يقدح في رواياتها تلك بخصوصها أن فيها التهمة من وجهين. أحدهما بغضها لأمير المؤمنين(عليه السلام)كما ستطلع عليه من الأخبار الواردة في ذلك من طرق أصحابنا و المخالفين. - و ذكر السيد الأجل رضي الله عنه في الشافي أن محمد بن إسحاق روى أن عائشة لما وصلت إلى المدينة راجعة من البصرة لم تزل تحرض الناس على أمير المؤمنين(عليه السلام)و كتبت إلى معاوية و أهل الشام مع الأسود بن أبي البختري تحرضهم عليه. - قال و روي عن مسروق أنه قال دخلت على عائشة فجلست إليها فحدثتني و استدعت غلاما لها أسود يقال له عبد الرحمن فجاء حتى وقف فقالت يا مسروق أ تدري لم سميته عبد الرحمن فقلت لا قالت حبا مني لعبد الرحمن بن ملجم. و في رواية عبيد الله بن عبد الله التي ذكرناها في هذا المقام دلالة واضحة لأولي البصائر على بغضها حيث سمت أحد الرجلين اللذين خرج رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)معتمدا عليهما و تركت تسمية الآخر و ليس ذلك إلا إخفاء لقربه هذا من الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)و فضله و قد أشعر سؤال ابن عباس بذلك فلا تغفل. و بالجملة بغضها لأمير المؤمنين(عليه السلام)أولا و آخرا هو أشهر من كفر إبليس فلا يؤمن عليها التدليس و كفى حجة قاطعة عليه قتالها و خروجها عليه كما أنه كاف في الدلالة على كفرها و نفاقها المانعين من قبول روايتها مطلقا و سيأتي في أبواب فضائل أمير المؤمنين(عليه السلام)من الأخبار العامية و غيرها الدالة على كفر مبغضه(عليه السلام) ما فيه كفاية و لو قبلنا من المخالفين دعواهم الباطل في توبتها و رجوعها فمن أين لهم إثبات ورود تلك الأخبار بعدها فبطل التمسك بها. و ثانيهما جر النفع في الروايات المذكورة للفخر بخلافة أبيها إذ أمر الصلاة كما ستطلع عليه إن شاء الله تعالى كان عمدة أسباب انعقاد الخلافة لأبيها كما رووه في أخبارهم و أيضا في أسانيد تلك الروايات جماعة من النواصب المبغضين المنحرفين عن أمير المؤمنين(عليه السلام)و في بعضها مكحول و - قد روي في كتاب الإختصاص عن سعيد بن عبد العزيز قال كان الغالب على مكحول عداوة علي بن أبي طالب (صلوات الله عليه) و كان إذا ذكر عليا(عليه السلام)لا يسميه و يقول أبو زينب. و بعد التنزل عن هذا المقام نقول رواياتها تشتمل على أنواع من الاختلاف فكثير منها تدل على أنه لما جاء رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)جلس إلى جنب أبي بكر و بعضها يدل على أنه كان بين يدي أبي بكر يصلي قاعدا و أبو بكر يصلي بالناس و الناس خلف أبي بكر و بعضها يدل على أن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)كان في الصف و لعل عائشة في بعض المواطن استحيت في حضور طائفة من العارفين بصورة الواقعة فقربت كلامها إلى ما رواه أصحابنا من أنه(صلى الله عليه وآله وسلم)تقدمه في الصلاة و عزله عن الإمامة و في الجهلة البالغين غايته قالت كان في صف هذا هو الصحيح في وجه الجمع بين تلك الأخبار. و من جملة وجوه اختلافها أن كثيرا منها يدل على أن الناس كانوا يصلون بصلاة أبي بكر و في بعض تصريح بأنهم كانوا يأتمون بأبي بكر و في بعضها أنه يسمعهم التكبير و تفطن لذلك شارح المواقف ففسر بعد ما ذكر رواية البخاري عن عروة عن أبيه عن عائشة المشتملة على أن الناس كانوا يصلون بصلاة أبي بكر قال أي بتكبيره و الصحيح في وجه الجمع هو ما ذكرنا. و من جملتها أن في بعض الأخبار أن أبا بكر أراد أن يتأخر فأشار إليه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)أن لا يتأخر و يبعد من ديانة أبي بكر أن يخالف أمره و في بعضها تصريح بأنه تأخر و قعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)إلى جنبه. و من جملتها أن أكثرها صريحة في اقتداء أبي بكر بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)و في رواية الترمذي التي ذكرها في جامع الأصول في فروع الاقتداء تصريح بأنه(صلى الله عليه وآله وسلم)في مرضه الذي مات فيه صلى قاعدا خلف أبي بكر و هذا غير ما ذكرنا من اختلافها في جلوسه(صلى الله عليه وآله وسلم)و في اقتداء الناس به فلا تغفل. و من جملتها أن بعضها يدل على أن قول الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)إنكن صواحب يوسف كان لمعاودتها القول بأن أبا بكر رجل أسيف لا يقدر على القراءة و لا يملك نفسه من البكاء و في بعضها أن ذلك كان لبعث حفصة إلى عمر أن يصلي بالناس و أنها قالت لعائشة ما كنت لأصيب منك خيرا و ليت شعري إذا كان أبو بكر لا يملك نفسه من البكاء و لا يستطيع القراءة لقيامه مقام رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)في حياته و لا ريب أن حزنه و بكاءه كان لاحتمال أن يكون ذلك مرض موته(عليه السلام)فكيف ملك نفسه في السعي إلى السقيفة لعقدة البيعة و لم يمنعه الحزن و الأسف عن الحيل و التدابير في جلب الخلافة إلى نفسه و عن القيام مقامه(صلى الله عليه وآله وسلم)في الرئاسة العامة مع أن جسده الطاهر المطهر كان بين أظهرهم لم ينقل إلى مضجعه. فهذه وجوه التخالف في أخبار عائشة مع قطع النظر عن مخالفتها لما رواه غيرها. و أما روايات أنس فأول ما فيها أن أنسا من الثلاثة الكذابين كما سبق في كتاب أحوال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)و سيأتي و هو الذي دعا عليه أمير المؤمنين(عليه السلام)لما أنكر حديث الغدير فابتلاه الله بالبرص و بعد قطع النظر عن حاله و حال من روى عنه. فمن رواياته ما صرحت بأن رسول الله لم يخرج إلى الصلاة في مرض موته لأنه قال لم يخرج رسول الله ثلاثا و أبو بكر يصلي بالناس و أقيمت الصلاة فذهب أبو بكر يتقدم فرفع رسول الله الحجاب فأومأ إلى أبي بكر أن يتقدم و أرخى الحجاب فلم نقدر عليه حتى مات و سوق الكلام في بعض رواياته الأخر أيضا يدل على ذلك و هي مخالفة لروايات عائشة و هو ظاهر و لروايته المذكورة أولا الدالة على أنه(صلى الله عليه وآله وسلم)صلى خلف أبي بكر في مرضه و أنها كانت آخِر صلاة صلاها و لعل السر في وضع أنس تلك الأخبار الدالة على أنه(عليه السلام)لم يخرج إلى الصلاة أنه أراد إبطال ما كانت الشيعة يتمسكون به من أنه(صلى الله عليه وآله وسلم)لما سمع صوته خرج إلى الصلاة و أخره عن المحراب فتفطن. و من وجوه تخالفها أنه قوله فذهب أبو بكر يتقدم و قوله فأومأ بيده إلى أبي بكر أن يتقدم صريح في أن رفع الحجاب و الإيماء كان قبل الصلاة و قبل أن يتقدم أبو بكر و قوله في الرواية الأخرى بينما هم في صلاة الفجر و أبو بكر يصلي بهم و قوله في الرواية الأخرى و هَمَّ المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم و قوله أن أتموا صلاتكم يدل على أنه كان بعد اشتغالهم بالصلاة و التأويلات البعيدة ظاهرة البطلان. و أما رواية عبد الله بن زمعة فكونه من رجال أهل الخلاف واضح و ذكره ابن الأثير و غيره في كتبهم و لم يذكروا له توثيقا و لا مدحا قالوا عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي الأسدي عداده في المدنيين روى عنه عروة بن الزبير و أبو بكر بن عبد الرحمن و روايته تخالف رواية عبيد الله بن عبد الله لدلالتها على أنه لما قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)مروا أبا بكر يصلي بالناس و جاء الرسول كان أبو بكر غائبا فقام عمر فصلى بالناس تلك الصلاة و لما سمع الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)صوت عمر قال يأبى الله ذلك و المسلمون و كرر ذلك القول و بعث إلى أبي بكر فجاء بعد ما صلى عمر و دلالة رواية عبيد الله على أنه لما أمر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)أبا بكر بالصلاة فجاء الرسول خاطب أبا بكر فقال أبو بكر يا عمر صل بالناس فقال عمر أنت أحق بذلك فدلت على أن أبا بكر كان حاضرا حينئذ. و من القرائن على وضع هذه الرواية هذا التكرير المذكور و تكرير لفظة لا ثلاثا و لقد تنبه لذلك صاحب الإستيعاب فحذف هذه التكريرات لئلا يظن الكذب بهذا الراوي تعصبا و ترويجا للباطل بقدر الإمكان و الرواية على ما ذكره في الإستيعاب في ترجمة أبي بكر توافق ما رواه أصحابنا من أنه لم يأمر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)أبا بكر على الخصوص بالصلاة بل قال مروا من يصلي بالناس و أنا أذكرها بلفظها ليتضح هذا المعنى. - قَالَ رَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)وَ هُوَ عَلِيلٌ فَدَعَاهُ بِلَالٌ إِلَى الصَّلَاةِ فَقَالَ لَنَا مُرُوا مَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ قَالَ فَخَرَجْتُ فَإِذَا عُمَرُ فِي النَّاسِ وَ كَانَ أَبُو بَكْرٍ غَائِباً فَقُلْتُ قُمْ يَا عُمَرُ فَصَلِّ بِالنَّاسِ فَقَامَ عُمَرُ فَلَمَّا كَبَّرَ سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)صَوْتَهُ وَ كَانَ مِجْهَراً فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)فَأَيْنَ أَبُو بَكْرٍ يَأْبَى اللَّهُ ذَلِكَ وَ الْمُسْلِمُونَ فَبَعَثَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَجَاءَ بَعْدَ أَنْ صَلَّى عُمَرُ تِلْكَ الصَّلَاةَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ طُولَ عِلَّتِهِ حَتَّى مَاتَ(صلى الله عليه وآله وسلم).. ثم إن هاهنا نكتة لا ينبغي الغفلة عنها و هي أنه إذا كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)أمر أولا على وجه العموم الشامل لكل بر و فاجر أن يصلي بالناس أحد ثم سمع صوت عمر و قال يأبى الله ذلك و المسلمون مرة واحدة على ما في هذه الرواية أو كرر هذا القول أو قال لا لا لا ثلاثا و قال ليصل بالناس ابن أبي قحافة مغضبا و قد كان رضي بصلاة عبد الرحمن بن عوف بالناس بل صلى بنفسه خلفه على ما أطبقت عليه رواياتهم و كان إمامة الصلاة دليلا على استحقاق الخلافة كما سيجيء في رواياتهم إن شاء الله تعالى من أنه باحتجاج عمر بأمر الصلاة تمت بيعة أبي بكر لكان ذلك دليلا على عدم استحقاق عمر للخلافة. و لو تنزلنا عن ذلك فهل يبقى لأحد ريب بعد ذلك في أن عبد الرحمن بن عوف الذي صلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)خلفه و لو ركعة واحدة كما ذكره بعضهم كان أولى بالخلافة من عمر بن الخطاب فيكف نص أبو بكر على عمر في الخلافة و ترك عبد الرحمن بن عوف. و كيف كان يقول لطلحة لما خوفه من سؤال الله يوم القيامة أ بالله تخوفني إذا لقيت ربي فساءلني قلت استخلفت عليهم خير أهلك فقال طلحة أ عمر خير الناس يا خليفة رسول الله فاشتد غضبه و قال إي و الله هو خيرهم و أنت شرهم. و كيف قال لعثمان لو تركت عمر لما عدوتك يا عثمان و قد كان عبد الرحمن بن عوف حاضرا عنده و هو ممن شاوره أبو بكر في تعيين الخليفة فعاب عمر بالغلظة ثم لما حكم أبو بكر صريحا بأن طلحة شر الناس و جعل عثمان خير الناس و أولى بالخلافة بعد عمر كيف جعل عمر طلحة و عثمان عدلين في الخلافة و الشورى و هل كان ما فعلوه إلا خبطا في خبط و لا ينفع ابتناء الكلام على جواز تفضيل المفضول إذ كلام أبي بكر صريح في أن خروجه عن عهدة السؤال يوم القيامة يكون باستخلافه الأفضل. فظهر أنه لا يخلو الحال عن أحد الأمرين إما أن لا يدل التقديم في الصلاة على فضل فانهدم أساس خلافتهم أو كان تصريحا أو تلويحا يجري مجرى التصريح باستحقاق الخلافة كما صرح به صاحب الإستيعاب فكان أبو بكر يرى رأي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)باطلا و لذا لم يعد عبد الرحمن في أمر الخلافة شيئا و كان يجوز مخالفة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)في اجتهاده كما زعموه و مع ذلك كان يثب على عمر بن الخطاب و يجر لحيته لما أشار بعزل أسامة للمصلحة كما سيجيء إن شاء الله تعالى و كان يقول له ثكلتك أمك يا ابن الخطاب لو اختطفتني الطير كان أحب إلي من أن أرد قضاء قضى به رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فانظر بعين البصيرة حتى يتضح لك أن القوم لم يسلكوا في غيهم مسلكا واحدا بل تاهوا في حيرتهم شمالا و يمينا و خسروا خسرانا مبينا. و أما أبو موسى و ابن عمر فحالهما في عداوة أمير المؤمنين(عليه السلام)ظاهر لا يحتاج إلى البيان و الظاهر أن روايتهما على وجه الإرسال عن عائشة و على تقدير ادعائهما الحضور لا ينتهض قولهما حجة لكونهما من أهل الخلاف و من المجروحين. و أما رواية صاحب الإستيعاب عن الحسن البصري ففيها أن الحسن ممن ورد في ذمه من طرق العامة و الخاصة كقول أمير المؤمنين(عليه السلام)فيه هذا سامري هذه الأمة و كدعائه عليه لا زلت مسوءا لما طعن على أمير المؤمنين بإراقة دماء المسلمين و غير ذلك مما سيأتي في أبواب أصحاب أمير المؤمنين(عليه السلام)و قد عده ابن أبي الحديد من المنحرفين عن علي(عليه السلام)و حكى أبو المعالي الجويني على ما ذكره بعض الأصحاب عن الشافعي أنه قال بعد ذكر الحسن و فيه كلام. و بعد التنزل عن كونه خصما مجروحا و تسليم أن الطريق إليه حسن نقول إذا كان ذلك من كلام أمير المؤمنين(عليه السلام)فلما ذا ترك بيعة أبي بكر ستة أشهر أو أقل حتى يقاد بأعنف العنف و يهدد بالقتل بعد ظهور أماراته و كيف كان يتظلم و يبث الشكوى منهم في كل مشهد و مقام كما سيأتي في باب الشكوى و إسناد الكذب إلى الحسن أحسن من إسناد التناقض إلى كلامه(عليه السلام)و غرضه من الوضع على لسانه(عليه السلام)إلزام الشيعة و إتمام الحجة عليهم و إلا فإنكاره(عليه السلام)لصدور الأمر بالصلاة من الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)و تعيينه أبا بكر من المشهورات - و قد روى ابن أبي الحديد عن شيخه أبي يعقوب يوسف بن إسماعيل اللمعاني أن عليا(عليه السلام)كان ينسب عائشة إلى أنها أمرت بلالا أن يأمر أبا بكر بأن يصلي بالناس و أن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)قال ليصل بهم رجل و لم يعين أحدا فقالت مر أبا بكر يصلي بالناس و كان(عليه السلام)يذكر ذلك لأصحابه في خلواته كثيرا و يقول إنه لم يقل(صلى الله عليه وآله وسلم)إنّكن كصويحبات يوسف إلا إنكارا لهذه الحال و غضبا منه لأنها و حفصة تبادرتا إلى تعيين أبيهما و أنه استدركها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بخروجه و صرفه عن المحراب انتهى. فاتضح لك ضعف التمسك بهذه الأخبار سيما في أركان الدين. و قال السيد الأجل رضي الله عنه في موضع من الشافي ذكر فيه تمسك قاضي القضاة بحكاية الصلاة إن خبر الصلاة خبر واحد و الإذن فيها ورد من جهة عائشة و ليس بمنكر أن يكون الإذن صدر من جهتها لا من جهة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)و قد استدل أصحابنا على ذلك بشيئين أحدهما - بقول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)على ما أتت به الرواية لما عرف تقدم أبي بكر في الصلاة و سمع قراءته في المحراب إنّكن كصويحبات يوسف و بخروجه متحاملا من الضعف معتمدا على أمير المؤمنين و الفضل بن العباس إلى المسجد و عزله لأبي بكر عن المقام و إقامة الصلاة بنفسه. و هذا يدل دلالة واضحة على أن الإذن في الصلاة لم يكن منه(صلى الله عليه وآله وسلم) و قال بعض المخالفين أن السبب في قوله إن كن صويحبات يوسف إنه(صلى الله عليه وآله وسلم)لما أوذن بالصلاة و قال مروا أبا بكر ليصلي بالناس فقالت له عائشة إن أبا بكر رجل أسيف لا يحتمل قلبه أن يقوم مقامك في الصلاة و لكن تأمر عمر أن يصلي بالناس فقال عند ذلك إنّكن صويحبات يوسف و هذا ليس بشيء لأن النبي لا يجوز أن يكون أمثاله إلا وفقا لأغراضه و قد علمنا أن صويحبات يوسف لم يكن منهن خلاف على يوسف و لا مراجعة له في شيء أمرهن به و إنما افتتن بأسرهن بحسنه و أرادت كل واحدة منهن مثل ما أرادته صاحبتها فأشبهت حالهن حال عائشة في تقديمها أباها للصلاة للتجمل و الشرف بمقام رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)و لما يعود بذلك عليها و على أبيها من الفخر و جميل الذكر. و لا عبرة بمن حمل نفسه من المخالفين على أن يدعي أن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)لما خرج إلى المسجد لم يعزل أبا بكر عن الصلاة و أقره في مقامه لأن هذا من قائله غلط فظيع من حيث يستحيل أن يكون النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)و هو الإمام المتبع في سائر الدين متبعا مأموما في حال من الأحوال و كيف يجوز أن يتقدم على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)غيره في الصلاة و قد دلت الأخبار على أنه لا يتقدم فيها إلا الأفضل على الترتيب و التنزيل المعروف. و أقول ذلك من مذهب أصحابنا معلوم لا يحتاج إلى بيان و قد ورد من صحاح الأخبار عند المخالفين ما يدل عليه - رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِنّاً وَ لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ وَ لَا يَقْعُدُ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ: وَ فِي رِوَايَةٍ لَهُ: وَ لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي أَهْلِهِ.. و روى في جامع الأصول ما يدل على هذا المعنى بتغيير في اللفظ عن مسلم و الترمذي و النسائي و أبي داود و قال قال شعبة قلت لإسماعيل ما تكرمته قال فراشه. - وَ رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ أَيْضاً عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ قَالَ(صلى الله عليه وآله وسلم)إِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَحَدُهُمْ وَ أَحَقُّهُمْ بِالْإِمَامَةِ أَقْرَؤُهُمْ:. - وَ رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: لِيُؤَذِّنْ لَكُمْ خِيَارُكُمْ وَ لْيَؤُمَّكُمْ قَرَّاؤُكُمْ.. و قد ذكر في المشكاة هذه الروايات على الوجه الذي ذكرناها. و قد قال بالترتيب في الإمامة جمهور العامة و إنما اختلفوا في تقدم الفقه أو القراءة فذهب أصحاب أبي حنيفة إلى تقدم القراءة لظاهر الخبر و الشافعي و مالك إلى تقدم الفقه على القراءة فلو دل التقدم على الأفضلية فتقدم أحد على الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)مما لا نزاع في بطلانه و لو لم يدل عليها و جاز تقديم المفضول و كان من قبيل ترك الأولى فسقط الاحتجاج بتقدم أبي بكر و أضرابه إذ يجوز حينئذ أن يكون مفضولا بالنسبة إلى كل واحد من مؤتميه و هو واضح. و أنت بعد اطلاعك على أخبارهم السالفة لا ترتاب في بطلان القول بأنه(صلى الله عليه وآله وسلم)صلى خلف أبي بكر إذ بعض روايات عائشة صريحة في أنه جلس بين يدي أبي بكر و بعضها صريحة في أنه اقتدى أبو بكر بصلاته(صلى الله عليه وآله وسلم)و إن كان جلس إلى جنب أبي بكر و بعض روايات أنس دلت على عدم خروجه في مرضه إلى الصلاة كما سبق فكان منافيا لما دل على اقتدائه بأبي بكر و تلك الروايات أكثر فلا يصلح ما دلت على أنه(صلى الله عليه وآله وسلم)صلى خلف أبي بكر معارضة لها و لو سلمنا كونها صالحة للمعارضة لها فإذا تعارضتا تساقطتا فبقي ما رواه أصحابنا سليما عن معارض و قد صرح الثقات عندهم من أرباب السير كصاحب الكامل و غيره بأنه كان يصلي بصلاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)و كفاك شاهدا على بطلانه اعتراف قاضي القضاة الذي يتشبث بكل رطب و يابس فلو لا أنه رأى القول بذلك فظيعا ظاهر البطلان لما فاته التمسك به. فظهر أن ما ذكره المتعصبون من متأخريهم كصاحب المواقف و شارحه و الشارح الجديد للتجريد من أنه(صلى الله عليه وآله وسلم)صلى خلفه و أن الروايات الصحيحة متعاضدة على ذلك إنما نشأ من فرط الجهل و الطغيان في العصبية و لقد أحال السيد حيث أورد في بيان تعاضد الروايات الصحيحة روايتين مجهولتين غير مسندتين إلى أصل أو كتاب - قال روي عن ابن عباس أنه قال لم يصل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)خلف أحد من أمته إلا خلف أبي بكر و صلى خلف عبد الرحمن بن عوف في سفر ركعة واحدة. - قال و روي عن رافع بن عمرو بن عبيد عن أبيه أنه قال لما ثقل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)عن الخروج أمر أبا بكر أن يقوم مقامه فكان يصلي بالناس و ربما خرج النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بعد ما دخل أبو بكر في الصلاة فصلى خلفه و لم يصل خلف أحد غيره إلا أنه صلى خلف عبد الرحمن بن عوف ركعة واحدة في سفر. ثم ذكر رواية أنس الدالة على أنه رفع الستر فنظر إلى صلاتهم و تبسم كما سبق ثم قال و أما ما - روى البخاري عن عروة عن أبيه عن عائشة و ذكر الرواية السابقة إلى قولها فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)و الناس يصلون بصلاة أبي بكر. ثم فسره فقال أي بتكبيره و جمع بينها و بين الخبرين السابقين بأن هذا إنما كان في وقت آخر. و ليت شعري إذا كانت الروايتان صحيحتين فلم لم يسندهما إلى كتاب أو أصل معروف كما أسند رواية عروة عن عائشة و لو كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)صلى خلفه في مرضه فلم كانت عائشة مع حرصها على إثبات فضل لأبيها تارة تروي اقتداء الناس بأبي بكر و اقتداء أبي بكر بصلاته(صلى الله عليه وآله وسلم)و تارة جلوسه بين يدي أبي بكر و لم لم يقل عُمَرُ يوم السقيفة أيكم تطيب نفسه أن يتقدم على من فضله رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)على نفسه و صلى خلفه. و العجب من السيد الشريف أنه ترك التمسك برواية الترمذي عن عائشة و روايته و رواية النسائي عن أنس و تمسك بهاتين لها فعجز عن إسنادهما إلى أصل. و أما ما ذكره في وجه الجمع فظاهر البطلان إذ لو كان المراد بوقت آخر غير مرض موته(صلى الله عليه وآله وسلم)فكثير من الروايات السابقة مع اتفاق كلمة أرباب السير يشهد بخلافه و لو كان المراد وقوع الأمرين كليهما في مرض الموت كل في وقت فسوق رواية عبيد الله بن عبد الله عن عائشة التي رواها البخاري و مسلم و عدوها من المتفق عليه و سوق كلام أرباب السير أيضا ينادي بفساده و لو كان المراد أن ما تضمنه خبر رافع بن عمرو بن عبيد عن أبيه كان في غير مرض موته(صلى الله عليه وآله وسلم)فواضح البطلان إذ لم يذكر أحد من أرباب السير و الرواة أنه أمر(صلى الله عليه وآله وسلم)أبا بكر أن يصلي بالناس إلا في تلك الحال و لم يكن أحد يفهم من قولهم لما ثقل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)عن الخروج و من حكايتهم الصلاة في مرضه و أمره أبا بكر بالصلاة إلا مرض الموت مع أن رواية الترمذي و النسائي صريحة في وقوعه حينئذ. على أن التمسك بصلاته(صلى الله عليه وآله وسلم)خلف أبي بكر في إثبات الفضل لأبي بكر حماقة عجيبة إذ هو من قبيل الاستدلال بمقدمة مع الاعتراف بنقيضها فإن التقدم في الصلاة لو دل على فضل الإمام لكان أبو بكر أفضل من الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)و إلا فانقلع الأساس من أصله و قد نبهناك عليه فلا تغفل. ثم قال السيد رضي الله عنه و مما يدل على بطلان هذه الدعوى أنه(صلى الله عليه وآله وسلم)لو لم يعزله عند خروجه عن الصلاة لما كان فيما وردت به الرواية من الاختلاف في أنه(صلى الله عليه وآله وسلم)لما صلى بالناس ابتدأ من القرآن من حيث ابتدأ أبو بكر أو من حيث انتهى معنى على أنا لا نعلم لو تجاوزنا عن جميع ما ذكرناه وجها يكون منه خبر الصلاة شبهة في النص مع تسليم أن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أمر بها أيضا لأن الصلاة ولاية مخصوصة في حالة مخصوصة لا تعلق لها بالإمامة لأن الإمامة تشتمل على ولايات كثيرة من جملتها الصلاة ثم هي مستمرة في الأوقات كلها فأي نسبة مع ما ذكرناه بين الأمرين. على أنه لو كانت الصلاة دالة على النص لم يخل من أن يكون دالة من حيث كانت تقديما في الصلاة أو من حيث اختصت مع أنها تقديم فيها بحال المرض فإن دلت من الوجه الأول وجب أن يكون جميع من قدمه الرسول في طول حياته للصلاة إماما للمسلمين و قد علمنا أنه(صلى الله عليه وآله وسلم)قد ولّى الصلاة جماعة لا يجب شيء من هذا فيهم و إن دلت من الوجه الثاني فالمرض لا تأثير له في إيجاب الإمامة فلو دل تقديمه في الصلاة في حال المرض على الإمامة لدل على مثله التقديم في حال الصحة و لو كان للمرض تأثير لوجب أن يكون تأميره أسامة بن زيد و تأكيده أمره في حال المرض مع أن ولايته تشتمل على الصلاة و غيرها موجبا للإمامة لأنه لا خلاف في أن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)كان يقول إلى أن فاضت نفسه الكريمة (صلوات الله عليه و آله) نَفِّذُوا جيش أسامة و يكرر ذلك و يردده. فإن قيل لم تدل الصلاة على الإمامة من الوجهين اللذين أفسدتموهما لكن من حيث كان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)مُؤْتَمّاً بأبي بكر في الصلاة و مصليا خلفه قلنا قد مضى ما يبطل هذا الظن فكيف يجعل ما هو مستحيل في نفسه حجة على أن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)عند مخالفينا قد صلى خلف عبد الرحمن بن عوف و لم يكن ذلك مُوجِباً له الإمامةَ و خبر صلاة عبد الرحمن بن عوف أثبت عندهم و أظهر فيهم من صلاته خلف أبي بكر لأن الأكثر منهم يعترف بعزله عن الصلاة عند خروجه(صلى الله عليه وآله وسلم)و قد بينا أن المرض لا تأثير له فليس لهم أن يفرقوا بين صلاته خلف عبد الرحمن و بينها خلف أبي بكر للمرض انتهى أقول ما ذكره السيد رضي الله تعالى عنه من عزله عن الصلاة فقد عرفت اشتمال رواياتهم عليه إذ في بعض روايات عائشة أن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)كان بين يدي أبي بكر يصلي قاعدا و ظهر من رواياتها الأخرى التي رواها مسلم و البخاري أن أبا بكر كان يُسْمِعُ الناسَ التكبيرَ و قد عرفت اعتراف شارح المواقف بذلك و تأويله ما في الروايات الأخر من أن الناس كانوا يصلّون بصلاة أبي بكر بأن المراد يصلّون بتكبيره و لا بد لهم من هذا الجمع و إلا لتناقضت رواياتهم الصحيحة و قد صرح بهذا التأويل بعض فقهائهم بناء على عدم جواز إمامة المأموم و لعله لم يقل أحد بصحة الصلاة على هذا الوجه و ظاهر المقام أيضا ذلك إذ ما بال أبي بكر يقتدي برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)و الناس يقتدون بأبي بكر مع حضوره(صلى الله عليه وآله وسلم)و لم يدل دليل على عدم جواز العدول في نية الاقتداء بإمام إلى الايتمام بإمام آخر سيما الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)و جواز العدول من الإمامة إلى الايتمام حتى يجوز اقتداء أبي بكر بصلاته(صلى الله عليه وآله وسلم)و لا يجوز اقتداء الناس. على أن علم عائشة بأن الناس كانوا يأتمون بأبي بكر لا يخلو عن غرابة إذ يبعد أن تكون عائشة سألت الناس واحدا واحدا فأجابوا بأنا اقتدينا بأبي بكر و مجرد تأخر أفعالهم عن أفعاله على تقدير وقوعه لا يدل على ايتمامهم به و إلا لكان الناس خلف كل إمام مؤتمين بمن يرفع صوته بالتكبير مع أن أكثر الناس كانوا لا يرون رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)لكونه جالسا فكانوا ينتظرون سماع صوت بالتكبير و نحوه و لا يخفى أن العزل عن الصلاة ليس إلا هذا فعلى تقدير مساعدتهم على أنه أمر أبا بكر بالصلاة نقول إنه(صلى الله عليه وآله وسلم)أمر أبا بكر أولا أن يصلي بالناس فلما وجد من نفسه خفة خرج فعزله عنها فظهر أنه قد جرت قصة الصلاة مجرى قصة البراءة و الحمد لله وحده. و أما ما ذكره السيد رضوان الله عليه من أنه(صلى الله عليه وآله وسلم)ولّى الصلاةَ جماعةً فمنهم سالم مولى أبي حذيفة على ما رواه البخاري و أبو داود في صحيحيهما و حكاه عنهما في جامع الأصول في صفة الإمام و ذكره في المشكاة في الفصل الثالث من باب الإمامة عن ابن عمر قال لما قدم المهاجرون الأولون المدينة كان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة و فيهم عمر و أبو سلمة بن عبد الأسد. قال في جامع الأصول و في رواية أخرى نحوه و فيها و فيهم عمر و أبو سلمة و زيد و عامر بن ربيعة أخرجه البخاري و أبو داود و الظاهر أنه كان على وجه الاستمرار كما يدل عليه لفظة كان و أنه كان بأمره(صلى الله عليه وآله وسلم)عموما أو خصوصا و إلا لعزله و لم يصلّ الأصحاب خلفه. و منهم ابن أم مكتوم على ما - رواه أبو داود في صحيحه و ذكره في جامع الأصول في صفة الإمام و أورده في المشكاة في الفصل الثاني من الباب المذكور عن أنس قال استخلف رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ابن أم مكتوم يؤم الناس و هو أعمى. و استدلوا بهذا الخبر على إمامة الأعمى. - و قال في مصباح الأنوار أمر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ابن عبد المنذر في غزاة بدر أن يصلي بالناس فلم يزل يصلي بهم حتى انصرف النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)و استخلف عام الفتح ابن أم مكتوم …
بحار الأنوار — كتاب الفتن و المحن · تمهيد غصب الخلافة و قصة الصحيفة الملعونة