إِرْشَادُ الْقُلُوبِ: رُوِيَ عَنِ الصَّادِقِ (عليه السلام): أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَقِيَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فِي سِكَّةِ بَنِي النَّجَّارِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَ صَافَحَهُ وَ قَالَ لَهُ: يَا أَبَا الْحَسَنِ! أَ فِي نَفْسِكَ شَيْءٌ مِنِ اسْتِخْلَافِ النَّاسِ إِيَّايَ، وَ مَا كَانَ مِنْ يَوْمِ السَّقِيفَةِ، وَ كَرَاهِيَتِكَ الْبَيْعَةَ؟ وَ اللَّهِ مَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ إِرَادَتِي، إِلَّا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ اجْتَمَعُوا عَلَى أَمْرٍ لَمْ يَكُنْ لِي أَنْ أُخَالِفَ عَلَيْهِمْ فِيهِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ: لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى الضَّلَالِ. فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): يَا أَبَا بَكْرٍ، أُمَّتُهُ الَّذِينَ أَطَاعُوهُ فِي عَهْدِهِ مِنْ بَعْدِهِ، وَ أَخَذُوا بِهُدَاهُ، وَ أَوْفُوا بِ ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، وَ لَمْ يُبَدِّلُوا وَ لَمْ يُغَيِّرُوا. قَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: وَ اللَّهِ يَا عَلِيُّ لَوْ شَهِدَ عِنْدِي السَّاعَةَ مَنْ أَثِقُ بِهِ أَنَّكَ أَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْرِ سَلَّمْتُهُ إِلَيْكَ، رَضِيَ مَنْ رَضِيَ وَ سَخِطَ مَنْ سَخِطَ. فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): يَا أَبَا بَكْرٍ! فَهَلْ تَعْلَمُ أَحَداً أَوْثَقَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ قَدْ أَخَذَ بَيْعَتِي عَلَيْكَ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاطِنَ- وَ عَلَى جَمَاعَةٍ مَعَكَ فِيهِمْ: عُمَرُ وَ عُثْمَانُ-: فِي يَوْمِ الدَّارِ، وَ فِي بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وَ يَوْمَ جُلُوسِهِ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَ فِي يَوْمِ الْغَدِيرِ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ؟ فَقُلْتُمْ بِأَجْمَعِكُمْ: سَمِعْنَا وَ أَطَعْنَا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ. فَقَالَ لَكُمْ: اللَّهُ وَ رَسُولُهُ عَلَيْكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ. فَقُلْتُمْ بِأَجْمَعِكُمْ: اللَّهُ وَ رَسُولُهُ عَلَيْنَا مِنَ الشَّاهِدِينَ. فَقَالَ (صلّى اللّه عليه و آله): فَلْيَشْهَدْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَ لْيُبَلِّغْ شَاهِدُكُمْ غَائِبَكُمْ، وَ مَنْ سَمِعَ مِنْكُمْ فَلْيُسْمِعْ مَنْ لَمْ يَسْمَعْ. فَقُلْتُمْ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَ قُمْتُمْ بِأَجْمَعِكُمْ تُهَنُّونَ رَسُولَ اللَّهِ وَ تُهَنُّونِّي بِكَرَامَةِ اللَّهِ لَنَا، فَدَنَا عُمَرُ وَ ضَرَبَ عَلَى كَتِفِي وَ قَالَ بِحَضْرَتِكُمْ: بَخْ بَخْ يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ أَصْبَحْتَ مَوْلَانَا وَ مَوْلَى الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَمْراً، لَوْ يَكُونُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) شَاهِداً فَأَسْمَعُهُ مِنْهُ. فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): اللَّهُ وَ رَسُولُهُ عَلَيْكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ، يَا أَبَا بَكْرٍ إِذَا رَأَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) حَيّاً وَ يَقُولُ لَكَ إِنَّكَ ظَالِمٌ لِي فِي أَخْذِ حَقِّيَ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لِي وَ رَسُولُهُ دُونَكَ وَ دُونَ الْمُسْلِمِينَ أَ تُسَلِّمُ هَذَا الْأَمْرَ إِلَيَّ وَ تَخْلَعُ نَفْسَكَ مِنْهُ؟. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا أَبَا الْحَسَنِ! وَ هَذَا يَكُونُ؟ أَرَى رَسُولَ اللَّهِ حَيّاً بَعْدَ مَوْتِهِ وَ يَقُولُ لِي ذَلِكَ! فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): نَعَمْ يَا أَبَا بَكْرٍ. قَالَ: فَأَرِنِي ذَلِكَ إِنْ كَانَ حَقّاً. فَقَالَ عَلِيٌ (عليه السلام): اللَّهُ وَ رَسُولُهُ عَلَيْكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ إِنَّكَ تَفِي بِمَا قُلْتَ؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: نَعَمْ. فَضَرَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) عَلَى يَدِهِ وَ قَالَ: تَسْعَى مَعِي نَحْوَ مَسْجِدِ قُبَا، فَلَمَّا وَرَدَاهُ تَقَدَّمَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ وَ أَبُو بَكْرٍ مِنْ وَرَائِهِ، فَإِذَا بِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ سَقَطَ لِوَجْهِهِ كَالْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ. فَنَادَاهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): ارْفَعْ رَأْسَكَ أَيُّهَا الضَّلِيلُ الْمَفْتُونُ. فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ رَأْسَهُ وَ قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَ حَيَاةٌ بَعْدَ الْمَوْتِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: وَيْلَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. قَالَ: فَسَكَتَ أَبُو بَكْرٍ وَ شَخَصَتْ عَيْنَاهُ نَحْوَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله). فَقَالَ لَهُ: وَيْلَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ نَسِيتَ مَا عَاهَدْتَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ عَلَيْكَ فِي الْمَوَاطِنِ الْأَرْبَعَةِ لِعَلِيٍّ (عليه السلام)؟ فَقَالَ: مَا أَنْسَاهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: مَا بَالُكَ الْيَوْمَ تُنَاشِدُ عَلِيّاً- (عليه السلام)- عَلَيْهَا، وَ يُذَكِّرُكَ وَ تَقُولُ: نَسِيتُ..؟! وَ قَصَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مَا جَرَى بَيْنَهُ وَ بَيْنَ عَلِيٍ (عليه السلام).. إِلَى آخِرِهِ، فَمَا نَقَصَ مِنْهُ كَلِمَةً وَ لَا زَادَ فِيهِ كَلِمَةً. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَهَلْ مِنْ تَوْبَةٍ؟ وَ هَلْ يَعْفُو اللَّهُ عَنِّي إِذَا سَلَّمْتُ هَذَا الْأَمْرَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا أَبَا بَكْرٍ، وَ أَنَا الضَّامِنُ لَكَ عَلَى اللَّهِ ذَلِكَ إِنْ وَفَيْتَ. قَالَ: وَ غَابَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) عَنْهُمَا، فَتَشَبَّثَ أَبُو بَكْرٍ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَ قَالَ: اللَّهَ اللَّهَ فِيَّ يَا عَلِيُّ، صِرْ مَعِي إِلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى أَعْلُوَ الْمِنْبَرَ فَأَقُصَ عَلَى النَّاسِ مَا شَاهَدْتُ وَ مَا رَأَيْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ مَا قَالَ لِي وَ مَا قُلْتُ لَهُ وَ مَا أَمَرَنِي بِهِ، وَ أَخْلَعَ نَفْسِي عَنْ هَذَا الْأَمْرِ وَ أُسَلِّمَهُ إِلَيْكَ. فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): أَنَا مَعَكَ إِنْ تَرَكَكَ شَيْطَانُكَ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنْ لَمْ يَتْرُكْنِي تَرَكْتُهُ وَ عَصَيْتُهُ. فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): إِذاً تُطِيعَهُ وَ لَا تَعْصِيَهُ، وَ إِنَّمَا رَأَيْتَ مَا رَأَيْتَ لِتَأْكِيدِ الْحُجَّةِ عَلَيْكَ. وَ أَخَذَ بِيَدِهِ وَ خَرَجَا مِنْ مَسْجِدِ قُبَا يُرِيدَانِ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ أَبُو بَكْرٍ يَتَلَوَّنُ أَلْوَاناً، وَ النَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ وَ لَا يَدْرُونَ مَا الَّذِي كَانَ. حَتَّى لَقِيَهُ عُمَرُ، فَقَالَ لَهُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ مَا شَأْنُكَ، وَ مَا الَّذِي دَهَاكَ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: خَلِّ عَنِّي يَا عُمَرُ، فَوَ اللَّهِ لَا سَمِعْتُ لَكَ قَوْلًا. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: وَ أَيْنَ تُرِيدُ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أُرِيدُ الْمَسْجِدَ وَ الْمِنْبَرَ. فَقَالَ: هَذَا لَيْسَ وَقْتَ صَلَاةٍ وَ مِنْبَرٍ!. قَالَ: خَلِّ عَنِّي وَ لَا حَاجَةَ لِي فِي كَلَامِكَ. فَقَالَ عُمَرُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ أَ فَلَا تَدْخُلُ قَبْلَ الْمَسْجِدِ مَنْزِلَكَ فَتُسْبِغَ الْوُضُوءَ؟ قَالَ: بَلَى، ثُمَّ الْتَفَتَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عَلِيٍّ (عليه السلام) وَ قَالَ لَهُ: يَا أَبَا الْحَسَنِ تَجْلِسُ إِلَى جَانِبِ الْمِنْبَرِ حَتَّى أَخْرُجَ إِلَيْكَ. فَتَبَسَّمَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، ثُمَّ قَالَ لَهُ: يَا أَبَا بَكْرٍ، قَدْ قُلْتُ لَكَ إِنَّ شَيْطَانَكَ لَا يَدَعُكَ أَوْ يُرْدِيَكَ، وَ مَضَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَ جَلَسَ بِجَانِبِ الْمِنْبَرِ. فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ مَنْزِلَهُ، وَ مَعَهُ عُمَرُ، فَقَالَ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَ لَا تُنْبِئُنِي بِأَمْرِكَ، وَ تُحَدِّثُنِي بِمَا دَهَاكَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَيْحَكَ يَا عُمَرُ! يَرْجِعُ رَسُولُ اللَّهِ بَعْدَ مَوْتِهِ حَيّاً فَيُخَاطِبُنِي فِي ظُلْمِي لِعَلِيٍّ، بِرَدِّ حَقِّهِ عَلَيْهِ وَ خَلْعِ نَفْسِي مِنْ هَذَا الْأَمْرِ. فَقَالَ عُمَرُ: قُصَّ عَلَيَّ قِصَّتَكَ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا. فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: وَيْحَكَ يَا عُمَرُ! قَدْ قَالَ لِي عَلِيٌّ: إِنَّكَ لَا تَدَعُنِي أَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ الْمَظْلِمَةِ، وَ إِنَّكَ شَيْطَانِي، فَدَعْنِي عَنْكَ، فَلَمْ يَزَلْ يَرْقُبُهُ إِلَى أَنْ حَدَّثَهُ بِحَدِيثِهِ كُلِّهِ. فَقَالَ لَهُ: بِاللَّهِ عَلَيْكَ يَا أَبَا بَكْرٍ، أَ نَسِيتَ شِعْرَكَ [فِي] أَوَّلِ شَهْرِ رَمَضَانَ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْنَا صِيَامُهُ، حَيْثُ جَاءَكَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ وَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ وَ نُعْمَانُ الْأَزْدِيُّ وَ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ إِلَى دَارِكَ ليقضين [لِيَتَقَاضَوْكَ دَيْنَكَ عَلَيْكَ، فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى بَابِ الدَّارِ سَمِعُوا لَكَ صَلْصَلَةً فِي الدَّارِ، فَوَقَفُوا بِالْبَابِ وَ لَمْ يَسْتَأْذِنُوا عَلَيْكَ، فَسَمِعُوا أُمَّ بَكْرٍ زَوْجَتَكَ تُنَاشِدُكَ وَ تَقُولُ: قَدْ عَمِلَ حَرُّ الشَّمْسِ بَيْنَ كَتِفَيْكَ، قُمْ إِلَى دَاخِلِ الْبَيْتِ وَ أَبْعِدْ مِنَ الْبَابِ لَا يَسْمَعْكَ بَعْضُ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ فَيُهْدِرُوا دَمَكَ، فَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ مُحَمَّداً أَهْدَرَ دَمَ مَنْ أَفْطَرَ يَوْماً مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ سَفَرٍ وَ لَا مَرَضٍ خِلَافاً عَلَى اللَّهِ وَ عَلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ. فَقُلْتَ لَهَا: هَاتِ- لَا أُمَّ لَكِ- فَضْلَ طَعَامِي مِنَ اللَّيْلِ، وَ أَتْرِعِي الْكَأْسَ مِنَ الْخَمْرِ، وَ حُذَيْفَةُ وَ مَنْ مَعَهُ بِالْبَابِ يَسْمَعُونَ مُحَاوَرَتَكُمَا، فَجَاءَتْ بِصَحْفَةٍ فِيهَا طَعَامٌ مِنَ اللَّيْلِ وَ قصب [قَعْبٌ مَمْلُوءٌ خَمْراً، فَأَكَلْتَ مِنَ الصَّحْفَةِ وَ كَرَعْتَ الْخَمْرَ، فَأَضْحَى النَّهَارُ وَ قَدْ قُلْتَ لِزَوْجَتِكَ: ذَرِينِي أَصْطَبِحْيَا أُمَّ بَكْرٍ فَإِنَّ الْمَوْتَ نَفَّثَ عَنْ هِشَامٍ إِلَى أَنِ انْتَهَيْتَ فِي قَوْلِكَ يَقُولُ لَنَا ابْنُ كَبْشَةَ سَوْفَ نُحْيَا وَ كَيْفَ حَيَاةُ أَشْلَاءٍ وَ هَامٍ وَ لَكِنْ بَاطِلًا قَدْ قَالَ هَذَا وَ إِفْكاً مِنْ زَخَارِيفِ الْكَلَامِ أَلَا هَلْ مُبْلِغُ الرَّحْمَنِ عَنِّي بِأَنِّي تَارِكٌ شَهْرَ الصِّيَامِ وَ تَارِكُ كُلِّ مَا أَوْحَى إِلَيْنَا مُحَمَّدٌ مِنْ أَسَاطِيرِ الْكَلَامِ فَقُلْ لِلَّهِ: يَمْنَعُنِي شَرَابِي وَ قُلْ لِلَّهِ: يَمْنَعُنِي طَعَامِي وَ لَكِنَّ الْحَكِيمَ رَأَى حَمِيراً فَأَلْجَمَهَا فَتَاهَتْبِاللِّجَامِ فَلَمَّا سَمِعَكَ حُذَيْفَةُ وَ مَنْ مَعَهُ تَهْجُو مُحَمَّداً، قَحَمُوا عَلَيْكَ فِي دَارِكَ، فَوَجَدُوكَ وَ قَعْبُ الْخَمْرِ فِي يَدَيْكَ، وَ أَنْتَ تَكْرَعُهَا، فَقَالُوا لَكَ: يَا عَدُوَّ اللَّهِ خَالَفْتَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ، وَ حَمَلُوكَ كَهَيْئَتِكَ إِلَى مَجْمَعِ النَّاسِ بِبَابِ رَسُولِ اللَّهِ، وَ قَصُّوا عَلَيْهِ قِصَّتَكَ، وَ أَعَادُوا شِعْرَكَ، فَدَنَوْتُ مِنْكَ وَ سَارَرْتُكَ وَ قُلْتُ لَكَ فِي ضَجِيجِ النَّاسِ: قُلْ إِنِّي شَرِبْتُ الْخَمْرَ لَيْلًا، فَثَمِلْتُ فَزَالَ عَقْلِي، فَأَتَيْتُ مَا أَتَيْتُهُ نَهَاراً، وَ لَا عِلْمَ لِي بِذَلِكَ، فَعَسَى أَنْ يُدْرَأَ عَنْكَ الْحَدُّ. وَ خَرَجَ مُحَمَّدٌ وَ نَظَرَ إِلَيْكَ، فَقَالَ: أَيْقِظُوهُ، فقلن [فَقُلْنَا: رَأَيْنَاهُ وَ هُوَ ثَمِلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا يَعْقِلُ، فَقَالَ: وَيْحَكُمْ الْخَمْرُ يُزِيلُ الْعَقْلَ، تَعْلَمُونَ هَذَا مِنْ أَنْفُسِكُمْ وَ أَنْتُمْ تَشْرَبُونَهَا؟ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ قَدْ قَالَ فِيهَا إِمْرُؤُ الْقَيْسِ شِعْراً: شَرِبْتُ الْخَمْرَ حَتَّى زَالَ عَقْلِي كَذَاكَ [الْخَمْرُ يَفْعَلُ]بِالْعُقُولِ ثُمَّ قَالَ مُحَمَّدٌ: أَنْظِرُوهُ إِلَى إِفَاقَتِهِ مِنْ سَكْرَتِهِ. فَأَمْهَلُوكَ حَتَّى أَرَيْتَهُمْ أَنَّكَ قَدْ صَحَوْتَ، فَسَاءَلَكَ مُحَمَّدٌ، فَأَخْبَرْتَهُ بِمَا أَوْعَزْتُهُ إِلَيْكَ: مِنْ شُرْبِكَ بِهَا بِاللَّيْلِ. فَمَا بَالُكَ الْيَوْمَ تُؤْمِنُ بِمُحَمَّدٍ وَ بِمَا جَاءَ بِهِ، وَ هُوَ عِنْدَنَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ. فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا أَبَا حَفْصٍ! لَا شَكَّ عِنْدِي فِيمَا قَصَصْتَهُ عَلَيَّ، فَاخْرُجْ إِلَى ابْنِ أَبِي طَالِبٍ فَاصْرِفْهُ عَنِ الْمِنْبَرِ. قَالَ: فَخَرَجَ عُمَرُ- وَ عَلِيٌّ (عليه السلام) جَالِسٌ تَحْتَ الْمِنْبَرِ- فَقَالَ: مَا بَالُكَ يَا عَلِيُّ! قَدْ تَصَدَّيْتَ لَهَا؟ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ، وَ اللَّهِ دُونَ مَا تَرُومُ مِنْ عُلُوِّ هَذَا الْمِنْبَرِ خَرْطُ الْقَتَادِ. فَتَبَسَّمَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِدُهُ، ثُمَّ قَالَ: وَيْلَكَ مِنْهَا وَ اللَّهِ يَا عُمَرُ إِذَا أُفْضِيَتْ إِلَيْكَ، وَ الْوَيْلُ لِلْأُمَّةِ مِنْ بَلَائِكَ! فَقَالَ عُمَرُ: هَذِهِ بُشْرَى يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ، صَدَقَتْ ظُنُونُكَ وَ حَقٌّ قَوْلُكَ. وَ انْصَرَفَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) إِلَى مَنْزِلِهِ، وَ كَانَ هَذَا مِنْ دَلَائِلِهِ (عليه السلام):.
بحار الأنوار — كتاب الفتن و المحن · شرح انعقاد السقيفة و كيفية السقيفة] (1)