الأقسامبحار الأنواركتاب الفتن و المحن
بحار الأنوار

وَ رُوِيَ أَيْضاً فِي الْإِرْشَادِ: بِحَذْفِ الْإِسْنَادِ، مَرْفُوعاً إِلَى جَابِرٍ الْجُعْفِيِ قَالَ: قَلَّدَ أَبُو بَكْرٍ الصَّدَقَاتِ بِقُرَى الْمَدِينَةِ وَ ضِيَاعِ فَدَكَ رَجُلًا مِنْ ثَقِيفٍ يُقَالُ لَهُ: الْأَشْجَعُ بْنُ مُزَاحِمٍ الثَّقَفِيُّ- وَ كَانَ شُجَاعاً، وَ كَانَ لَهُ أَخٌ قَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي وَقْعَةِ هَوَازِنَ وَ ثَقِيفٍ- فَلَمَّا خَرَجَ الرَّجُلُ عَنِ الْمَدِينَةِ جَعَلَ أَوَّلَ قَصْدِهِ ضَيْعَةً مِنْ ضِيَاعِ أَهْلِ الْبَيْتِ تُعْرَفُ بِبَانِقْيَا، فَجَاءَ بَغْتَةً وَ احْتَوَى عَلَيْهَا وَ عَلَى صَدَقَاتٍ كَانَتْ لِعَلِيٍّ (عليه السلام)، فَتَوَكَّلَ بِهَا وَ تَغَطْرَسَ عَلَى أَهْلِهَا، وَ كَانَ الرَّجُلُ زِنْدِيقاً مُنَافِقاً. فَابْتَدَرَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) بِرَسُولٍ يُعْلِمُونَهُ مَا فُرِّطَ مِنَ الرَّجُلِ. فَدَعَا عَلِيٌّ (عليه السلام) بِدَابَّةٍ لَهُ تُسَمَّى السَّابِحَ- وَ كَانَ أَهْدَاهُ إِلَيْهِ ابْنُ عَمٍّ لِسَيْفِ بْنِ ذِي يَزَنَ- وَ تَعَمَّمَ بِعِمَامَةٍ سَوْدَاءَ، وَ تَقَلَّدَ بِسَيْفَيْنِ، وَ أَجْنَبَ دَابَّتَهُ الْمُرْتَجِزَ، وَ أَصْحَبَ مَعَهُ الْحُسَيْنَ (عليه السلام) وَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ وَ الْفَضْلَ بْنَ الْعَبَّاسِ وَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ وَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْعَبَّاسِ، حَتَّى وَافَى الْقَرْيَةَ، فَأَنْزَلَهُ عَظِيمُ الْقَرْيَةِ فِي مَسْجِدٍ يُعْرَفُ بِمَسْجِدِ الْقَضَاءِ، ثُمَّ وَجَّهَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) الْحُسَيْنَ (عليه السلام) يَسْأَلُهُ الْمَصِيرَ إِلَيْهِ. فَصَارَ إِلَيْهِ الْحُسَيْنُ (عليه السلام) فَقَالَ: أَجِبْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ: وَ مَنْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. فَقَالَ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَبُو بِكْرٍ خَلَّفْتُهُ بِالْمَدِينَةِ. فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ (عليه السلام): أَجِبْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ. فَقَالَ: أَنَا سُلْطَانٌ وَ هُوَ مِنَ الْعَوَامِّ، وَ الْحَاجَةُ لَهُ، فَلْيَصِرْ هُوَ إِلَيَّ. فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: وَيْلَكَ! أَ يَكُونُ مِثْلُ وَالِدِي مِنَ الْعَوَامِّ، وَ مِثْلُكَ يَكُونُ السُّلْطَانَ؟! فَقَالَ: أَجَلْ، لِأَنَّ وَالِدَكَ لَمْ يَدْخُلْ فِي بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ إِلَّا كُرْهاً، وَ بَايَعْنَاهُ. طَائِعِينَ، وَ كُنَّا لَهُ غَيْرَ كَارِهِينَ، فَشَتَّانَ بَيْنَنَا وَ بَيْنَهُ. فَصَارَ الْحُسَيْنُ (عليه السلام) إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَأَعْلَمَهُ مَا كَانَ مِنْ قَوْلِ الرَّجُلِ. فَالْتَفَتَ إِلَى عَمَّارٍ فَقَالَ: يَا أَبَا الْيَقْظَانِ صِرْ إِلَيْهِ وَ الْطُفْ لَهُ فِي الْقَوْلِ، وَ اسْأَلْهُ أَنْ يَصِيرَ إِلَيْنَا، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ لِوَصِيٍّ مِنَ الْأَوْصِيَاءِ أَنْ يَصِيرَ إِلَى أَهْلِ الضَّلَالَةِ، فَنَحْنُ مِثْلُ بَيْتِ اللَّهِ يُؤْتَى وَ لَا يَأْتِي. فَصَارَ إِلَيْهِ عَمَّارٌ، وَ قَالَ: مَرْحَباً يَا أَخَا ثَقِيفٍ، مَا الَّذِي أَقْدَمَكَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِي حِيَازَتِهِ، وَ حَمَلَكَ عَلَى الدُّخُولِ فِي مَسَاءَتِهِ، فَصِرْ إِلَيْهِ، وَ أَفْصِحْ عَنْ حُجَّتِكَ. فَانْتَهَرَ عَمَّاراً، وَ أَفْحَشَ لَهُ فِي الْكَلَامِ، وَ كَانَ عَمَّارٌ شَدِيدَ الْغَضَبِ، فَوَضَعَ حَمَائِلَ سَيْفِهِ فِي عُنُقِهِ، فَمَدَّ يَدَهُ إِلَى السَّيْفِ. فَقِيلَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): الْحَقْ عَمَّاراً، فَالسَّاعَةَ يَقْطَعُونَهُ، فَوَجَّهَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) الْجَمْعَ، فَقَالَ لَهُمْ: لَا تُهَابُوهُ وَ صَيِّرُوا بِهِ إِلَيَّ. وَ كَانَ مَعَ الرَّجُلِ ثَلَاثُونَ فَارِساً مِنْ خِيَارِ قَوْمِهِ، فَقَالُوا لَهُ: وَيْلَكَ! هَذَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَتَلَكَ وَ قَتْلُ أَصْحَابِكَ عِنْدَهُ دُونَ النُّطْفَةِ، فَسَكَتَ الْقَوْمُ جَزَعاً مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، فَسُحِبَ الْأَشْجَعُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) عَلَى حُرِّ وَجْهِهِ سَحْباً. فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): دَعُوهُ وَ لَا تَعْجَلُوا، فَإِنَّ الْعَجَلَةَ وَ الطَّيْشَ لَا تَقُومُ بِهَا حُجَجُ اللَّهِ وَ بَرَاهِينُهُ. فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): وَيْلَكَ! بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مَا أَخَذْتَ مِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الْبَيْتِ؟ وَ مَا حُجَّتُكَ عَلَى ذَلِكَ؟ فَقَالَ لَهُ: وَ أَنْتَ فَبِمَ اسْتَحْلَلْتَ قَتْلَ هَذَا الْخَلْقِ فِي كُلِّ حَقٍّ وَ بَاطِلٍ، وَ أَنَّ مَرْضَاةَ صَاحِبِي لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنِ اتِّبَاعِ مُوَافَقَتِكَ. فَقَالَ عَلِيٌ (عليه السلام): أَيْهاً عَلَيْكَ! مَا أَعْرِفُ مِنْ نَفْسِي إِلَيْكَ ذَنْباً إِلَّا قَتْلَ أَخِيكَ يَوْمَ هَوَازِنَ، وَ لَيْسَ بِمِثْلِ هَذَا الْقَتْلِ تُطْلَبُ الثَّارَاتُ، فَقَبَّحَكَ اللَّهُ وَ تَرَّحَكَ. فَقَالَ لَهُ الْأَشْجَعُ: بَلْ قَبَّحَكَ اللَّهُ وَ بَتَرَ عُمُرَكَ- أَوْ قَالَ: تَرَّحَكَ- فَإِنَّ حَسَدَكَ لِلْخُلَفَاءِ لَا يَزَالُ بِكَ حَتَّى يُورِدَكَ مَوَارِدَ الْهَلَكَةِ وَ الْمَعَاطِبِ، وَ بَغْيُكَ عَلَيْهِمْ يَقْصُرُ بِكَ عَنْ مُرَادِكَ. فَغَضِبَ الْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ مِنْ قَوْلِهِ، ثُمَّ تَمَطَّى عَلَيْهِ بِسَيْفِهِ فَحَلَّ عُنُقَهُ وَ رَمَاهُ عَنْ جَسَدِهِ بِسَاعِدِهِ الْيُمْنَى، فَاجْتَمَعَ أَصْحَابُهُ عَلَى الْفَضْلِ، فَسَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) سَيْفَهُ ذَا الْفَقَارِ، فَلَمَّا نَظَرَ الْقَوْمُ إِلَى بَرِيقِ عَيْنَيِ الْإِمَامِ وَ لَمَعَانِ ذِي الْفَقَارِ فِي كَفِّهِ رَمَوْا سِلَاحَهُمْ وَ قَالُوا: الطَّاعَةَ الطَّاعَةَ. فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): أُفٍّ لَكُمْ، انْصَرِفُوا بِرَأْسِ صَاحِبِكُمْ هَذَا الْأَصْغَرِ إِلَى صَاحِبِكُمُ الْأَكْبَرِ، فَمَا بِمِثْلِ قَتْلِكُمْ يُطْلَبُ الثَّارُ، وَ لَا تَنْقَضِي الْأَوْتَارُ في بعض النّسخ: الفعل، و في بعضها: العقل. فَانْصَرَفُوا وَ مَعَهُمْ رَأْسُ صَاحِبِهِمْ، حَتَّى أَلْقَوْهُ بَيْنَ يَدَيْ أَبِي بِكْرٍ. فَجَمَعَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارَ، وَ قَالَ: يَا مَعَاشِرَ النَّاسِ، إِنَّ أَخَاكُمْ الثَّقَفِيَّ أَطَاعَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ، فَقَلَّدْتُهُ صَدَقَاتِ الْمَدِينَةِ وَ مَا يَلِيهَا، فَفَاقَصَهُ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَتَلَهُ أَخْبَثَ قَتْلَةٍ، وَ مَثَّلَ بِهِ أَخْبَثَ مُثْلَةٍ، وَ قَدْ خَرَجَ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى قُرَى الْحِجَازِ، فَلْيَخْرُجْ إِلَيْهِ مِنْ شُجْعَانِكُمْ وَ لْيَرُدُّوهُ عَنْ سُنَّتِهِ، وَ اسْتَعِدُّوا لَهُ مِنَ الْخَيْلِ وَ السِّلَاحِ وَ مَا يَتَهَيَّأُ لَكُمْ، وَ هُوَ مَنْ تَعْرِفُونَهُ: الدَّاءُ الَّذِي لَا دَوَاءَ لَهُ، وَ الْفَارِسُ الَّذِي لَا نَظِيرَ لَهُ. قَالَ: فَسَكَتَ الْقَوْمُ مَلِيّاً كَأَنَّ الطَّيْرَ عَلَى رُءُوسِهِمْ. فَقَالَ: أَ خُرْسٌ أَنْتُمْ أَمْ ذَوُو أَلْسُنٍ؟! فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الْأَعْرَابِ يُقَالُ لَهُ الْحَجَّاجُ بْنُ الصَّخْرِ، فَقَالَ لَهُ: إِنْ صِرْتَ إِلَيْهِ سِرْنَا مَعَكَ، فَأَمَّا لَوْ سَارَ جَيْشُكَ هَذَا لَيَنْحَرَنَّهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ كَنَحْرِ الْبُدْنِ. ثُمَّ قَامَ آخَرُ فَقَالَ: أَ تَعْلَمُ إِلَى مَنْ تُوَجِّهُنَا؟! إِنَّكَ تُوَجِّهُنَا إِلَى الْجَزَّارِ الْأَعْظَمِ الَّذِي يَخْتَطِفُ الْأَرْوَاحَ بِسَيْفِهِ خَطْفاً، وَ اللَّهِ إِنَّ لِقَاءَ مَلَكِ الْمَوْتِ أَسْهَلُ عَلَيْنَا مِنْ لِقَاءِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. فَقَالَ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ: لَا جُزِيتُمْ مِنْ قَوْمٍ عَنْ إِمَامِكُمْ خَيْراً، إِذَا ذُكِرَ لَكُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ دَارَتْ أَعْيُنُكُمْ فِي وُجُوهِكُمْ، وَ أَخَذَتْكُمْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ، أَ هَكَذَا يُقَالُ لِمِثْلِي؟! قَالَ: فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: لَيْسَ لَهُ إِلَّا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ. فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: يَا أَبَا سُلَيْمَانَ، أَنْتَ الْيَوْمَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ، وَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِهِ، وَ حَتْفُ اللَّهِ عَلَى أَعْدَائِهِ، وَ قَدْ شَقَّ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَصَا هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَ خَرَجَ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى ضِيَاعِ الْحِجَازِ، وَ قَدْ قَتَلَ مِنْ شِيعَتِنَا لَيْثاً صَئُولًا وَ كَهْفاً مَنِيعاً، فَصِرْ إِلَيْهِ فِي كَثِيفٍ مِنْ قَوْمِكَ وَ سَلْهُ أَنْ يَدْخُلَ الْحَضْرَةَ، فَقَدْ عَفَوْنَا عَنْهُ، فَإِنْ نَابَذَكَ الْحَرْبَ فَجِئْنَا بِهِ أَسِيراً. فَخَرَجَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي خَمْسِمِائَةِ فَارِسٍ مِنْ أَبْطَالِ قَوْمِهِ، قَدْ أَشْخَنُوا سِلَاحاً، حَتَّى قَدِمُوا عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام). قَالَ: فَنَظَرَ الْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ إِلَى غَبَرَةِ الْخَيْلِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! قَدْ وَجَّهَ إِلَيْكَ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ بِقَسْطَلٍ يَدُقُّونَ الْأَرْضَ بِحَوَافِرِ الْخَيْلِ دَقّاً. فَقَالَ: يَا ابْنَ الْعَبَّاسِ! هَوِّنْ عَلَيْكَ، فَلَوْ كَانَ صَنَادِيدَ قُرَيْشٍ وَ قَبَائِلَ حُنَيْنٍ وَ فُرْسَانَ هَوَازِنَ لَمَا اسْتَوْحَشْتُ إِلَّا مِنْ ضَلَالَتِهِمْ. ثُمَّ قَامَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَشَدَّ مِحْزَمَ الدَّابَّةِ، ثُمَّ اسْتَلْقَى عَلَى قَفَاهُ نَائِماً تَهَاوُناً بِخَالِدٍ، حَتَّى وَافَاهُ، فَانْتَبَهَ لِصَهِيلِ الْخَيْلِ. فَقَالَ: يَا أَبَا سُلَيْمَانَ! مَا الَّذِي عَدَلَ بِكَ إِلَيَّ؟ فَقَالَ: عَدَلَ بِي إِلَيْكَ مَنْ أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي. فَقَالَ: فَأَسْمِعْنَا الْآنَ. فَقَالَ: يَا أَبَا الْحَسَنِ! أَنْتَ فَهِمٌ غَيْرُ مُفَهَّمٍ، وَ عَالِمٌ غَيْرُ مُعَلَّمٍ، فَمَا هَذِهِ اللُّوثَةُ الَّتِي بَدَرَتْ مِنْكَ، وَ النَّبْوَةُ الَّتِي قَدْ ظَهَرَتْ فِيكَ، إِنْ كُنْتَ كَرِهْتَ هَذَا الرَّجُلَ فَلَيْسَ يَكْرَهُكَ، وَ لَا تَكُونَنَ وَلَايَتُهُ ثِقْلًا عَلَى كَاهِلِكَ، وَ لَا شَجًا فِي حَلْقِكَ، فَلَيْسَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ خِلَافٌ، وَ دَعِ النَّاسَ وَ مَا تَوَلَّوْهُ، ضَلَّ مَنْ ضَلَّ، وَ هَدَى مَنْ هَدَى، وَ لَا تُفَرِّقْ بَيْنَ كَلِمَةٍ مُجْتَمِعَةٍ، وَ لَا تُضْرِمِ النَّارَ بَعْدَ خُمُودِهَا، فَإِنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ وَجَدْتَ غِبَّهُ غَيْرَ مَحْمُودٍ. فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): أَ تُهَدِّدُنِي يَا خَالِدُ بِنَفْسِكَ وَ بِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ؟! فَمَا بِمِثْلِكَ وَ مِثْلِهِ تَهْدِيدٌ، فَدَعْ عَنْكَ تُرَّهَاتِكَ الَّتِي أَعْرِفُهَا مِنْكَ وَ اقْصِدْ نَحْوَ مَا وُجِّهْتَ لَهُ. قَالَ: فَإِنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ إِلَيَّ إِنْ رَجَعْتَ عَنْ سَنَنِكَ كُنْتَ مَخْصُوصاً بِالْكَرَامَةِ وَ الْحَبْوِ، وَ إِنْ أَقَمْتَ عَلَى مَا أَنْتَ عَلَيْهِ مِنْ خِلَافِ الْحَقِّ حَمَلْتُكَ إِلَيْهِ أَسِيراً. فَقَالَ لَهُ (عليه السلام): يَا ابْنَ اللَّخْنَاءِ، وَ أَنْتَ تَعْرِفُ الْحَقَ مِنَ الْبَاطِلِ، وَ مِثْلُكَ يَحْمِلُ مِثْلِي أَسِيراً، يَا ابْنَ الرَّادَّةِ عَنِ الْإِسْلَامِ، أَ تَحْسَبُنِي وَيْلَكَ مَالِكَ بْنَ نُوَيْرَةَ حَيْثُ قَتَلْتَهُ وَ نَكَحْتَ امْرَأَتَهُ، يَا خَالِدُ جِئْتَنِي بِرِقَّةِ عَقْلِكَ وَ اكْفِهْرَارِ وَجْهِكَ وَ تَشَمُّخِ أَنْفِكَ، وَ اللَّهِ لَئِنْ تَمَطَّيْتُ بِسَيْفِي هَذَا عَلَيْكَ وَ عَلَى أَوْغَارِكَ لَأُشْبِعَنَّ مِنْ لُحُومِكُمْ جُوعَ الضِّبَاعِ وَ طِلْسَ الذِّئَابِ، وَ لبست [لَسْتَ وَيْلَكَ مِمَّنْ يَقْتُلُنِي أَنْتَ وَ لَا صَاحِبُكَ، وَ إِنِّي لَأَعْرِفُ قَاتِلِي، وَ أَطْلُبُ مَنِيَّتِي صَبَاحاً وَ مَسَاءً، وَ مَا مِثْلُكَ يَحْمِلُ مِثْلِي أَسِيراً، وَ لَوْ أَرَدْتَ ذَلِكَ لَقَتَلْتُكَ فِي فَنَاءِ هَذَا الْمَسْجِدِ. فَغَضِبَ خَالِدٌ وَ قَالَ: تُوَعِّدُ وَعِيدَ الْأَسَدِ وَ تَرُوغُ رَوَغَانَ الثَّعَالِبِ، مَا أَعْدَاكَ فِي الْمَقَالِ، وَ مَا مِثْلُكَ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَ قَوْلَهُ بِفِعْلِهِ. فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): إِذَا كَانَ هَذَا قَوْلَكَ فَشَأْنَكَ، وَ سَلَّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) عَلَى خَالِدٍ ذَا الْفَقَارِ، وَ خَفَقَ عَلَيْهِ. فَلَمَّا نَظَرَ خَالِدٌ إِلَى بَرِيقِ عَيْنَيِ الْإِمَامِ، وَ بَرِيقِ ذِي الْفَقَارِ فِي يَدِهِ، وَ تَصَمُّمِهِ عَلَيْهِ، نَظَرَ إِلَى الْمَوْتِ عِيَاناً، وَ قَالَ: يَا أَبَا الْحَسَنِ! لَمْ نُرِدْ هَذَا. فَضَرَبَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) بِقَفَارِ رَأْسِ ذِي الْفَقَارِ عَلَى ظَهْرِهِ، فَنَكَسَهُ عَنْ دَابَّتِهِ، وَ لَمْ يَكُنْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) لِيَرُدَّ يَدَهُ إِذَا رَفَعَهَا، لِئَلَّا يُنْسَبَ إِلَى الْجُبْنِ. فَلَحِقَ أَصْحَابَ خَالِدٍ مِنْ فِعْلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) هَوْلٌ عَجِيبٌ وَ خَوْفٌ عَنِيفٌ. ثُمَّ قَالَ (عليه السلام): مَا لَكُمْ لَا تُكَافِحُونَ عَنْ سَيِّدِكُمْ؟ وَ اللَّهِ لَوْ كَانَ أَمْرُكُمْ إِلَيَّ لَتَرَكْتُ رُءُوسَكُمْ، وَ هُوَ أَخَفُّ عَلَى يَدِي مِنْ جَنَى الْهَبِيدِ عَلَى أَيْدِي الْعَبِيدِ، وَ عَلَى هَذَا السَّبِيلِ تَقْضِمُونَ مَالَ الْفَيْءِ؟! أُفٍّ لَكُمْ. فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ يُقَالُ لَهُ الْمُثَنَّى بْنُ الصَّيَّاحِ- وَ كَانَ عَاقِلًا فَقَالَ: وَ اللَّهِ مَا جِئْنَاكَ لِعَدَاوَةٍ بَيْنَنَا وَ بَيْنَكَ، أَوْ عَنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِكَ، وَ إِنَّا لَنَعْرِفُكَ كَبِيراً وَ صَغِيراً، وَ أَنْتَ أَسَدُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ، وَ سَيْفُ نَقِمَتِهِ عَلَى أَعْدَائِهِ، وَ مَا مِثْلُنَا مَنْ جَهِلَ مِثْلَكَ، وَ نَحْنُ أَتْبَاعٌ مَأْمُورُونَ، وَ جُنْدٌ مُوَازِرُونَ، وَ أَطْوَاعٌ غَيْرُ مُخَالِفِينَ، فَتَبّاً لِمَنْ وَجَّهَ بِنَا إِلَيْكَ! أَ مَا كَانَ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ وَ أُحُدٍ وَ حُنَيْنٍ؟ فَاسْتَحَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) مِنْ قَوْلِ الرَّجُلِ، وَ تَرَكَ الْجَمِيعَ، وَ جَعَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) يُمَازِحُ خَالِداً لِمَا بِهِ مِنْ أَلَمِ الضَّرْبَةِ، وَ هُوَ سَاكِتٌ. فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): وَيْلَكَ يَا خَالِدُ! مَا أَطْوَعَكَ لِلْخَائِنِينَ النَّاكِثِينَ! أَ مَا كَانَ لَكَ بِيَوْمِ الْغَدِيرِ مَقْنَعٌ إِذْ بَدَرَ إِلَيْكَ صَاحِبُكَ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى كَانَ مِنْكَ مَا كَانَ، فَوَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ لَوْ كَانَ مِمَّا رُمْتَهُ أَنْتَ وَ صَاحِبَاكَ- ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ وَ ابْنُ صُهَاكَ شَيْءٌ لَكَانَا هُمَا أَوَّلَ مَقْتُولِينَ بِسَيْفِي هَذَا، وَ أَنْتَ مَعَهُمَا، وَ يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ وَ لَا يَزَالُ يَحْمِلُكَ عَلَى إِفْسَادِ حَالَتِكَ عِنْدِي، فَقَدْ تَرَكْتَ الْحَقَّ عَلَى مَعْرِفَةٍ وَ جِئْتَنِي تَجُوبُ مَفَاوِزَ الْبَسَابِسِ، لِتَحْمِلَنِي إِلَى ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَسِيراً، بَعْدَ مَعْرِفَتِكَ أَنِّي قَاتِلُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ وُدٍّ وَ مَرْحَبٍ، وَ قَالِعُ بَابِ خَيْبَرَ، وَ إِنِّي لَمُسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَ مِنْ قِلَّةِ عُقُولِكُمْ. أَ وَ تَزْعُمُ أَنَّهُ قَدْ خَفِيَ عَلَيَّ مَا تَقَدَّمَ بِهِ إِلَيْكَ صَاحِبُكَ حِينَ أَخْرَجَكَ إِلَيَّ، وَ أَنْتَ تَذْكُرُ مَا كَانَ مِنِّي إِلَى عَمْرِو بْنِ مَعْدِيكَرِبَ وَ إِلَى أصيد بْنِ سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيِّ، فَقَالَ لَكَ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ: لَا تَزَالُ تَذْكُرُ لَهُ ذَلِكَ، إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ دُعَاءِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ قَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ كُلُّهُ، وَ هُوَ الْآنَ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ، أَ لَيْسَ كَذَلِكَ يَا خَالِدُ؟! فَلَوْ لَا مَا تَقَدَّمَ بِهِ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) لَكَانَ مِنِّي إِلَيْهِمَا مَا هُمَا أَعْلَمُ بِهِ مِنْكَ. يَا خَالِدُ! أَيْنَ كَانَ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ وَ أَنْتَ تَخُوضُ مَعِي الْمَنَايَا فِي لُجَجِ الْمَوْتِ خَوْضاً، وَ قَوْمُكَ بَادُونَ فِي الِانْصِرَافِ كَالنَّعْجَةِ الْقَوْدَاءِ وَ الدِّيكِ النَّافِشِ، فَاتَّقِ اللَّهَ يَا خَالِدُ، وَ لا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً، وَ لَا لِلظَّالِمِينَ ظَهِيراً. فَقَالَ خَالِدٌ: يَا أَبَا الْحَسَنِ! إِنِّي أَعْرِفُ مَا تَقُولُ، وَ مَا عَدَلَتِ الْعَرَبُ وَ الْجَمَاهِيرُ عَنْكَ إِلَّا طَلَبَ ذُحُولِ آبَائِهِمْ قَدِيماً، وَ تَنَكُّلَ رُءُوسِهِمْ قَرِيباً، فَرَاغَتْ عَنْكَ كَرَوَغَانِ الثَّعْلَبِ فِيمَا بَيْنَ الْفِجَاجِ وَ الدَّكَادِكِ، وَ صُعُوبَةَ إِخْرَاجِ ملك [الْمُلْكِ مِنْ يَدِكَ، وَ هَرْباً مِنْ سَيْفِكَ، وَ مَا دَعَاهُمْ إِلَى بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ إِلَّا اسْتِلَانَةُ جَانِبِهِ، وَ لِينُ عَرِيكَتِهِ، وَ أَمْنُ جَانِبِهِ، وَ أَخْذُهُمُ الْأَمْوَالَ فَوْقَ اسْتِحْقَاقِهِمْ، وَ لَقَلَّ الْيَوْمَ مَنْ يَمِيلُ إِلَى الْحَقِّ، وَ أَنْتَ قَدْ بِعْتَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ، وَ لَوِ اجْتَمَعَتْ أَخْلَاقُهُمْ إِلَى أَخْلَاقِكَ لَمَا خَالَفَكَ خَالِدٌ. فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): وَ اللَّهِ مَا أَتَى خَالِدٌ إِلَّا مِنْ جِهَةِ هَذَا الْخَئُونِ الظَّلُومِ الْمُفَتِّنِ ابْنِ صُهَاكَ، فَإِنَّهُ لَا يَزَالُ يُؤَلِّبُ عَلَى الْقَبَائِلِ وَ يُفْزِعُهُمْ مِنِّي وَ يُؤْيِسُهُمْ مِنْ عَطَايَاهُمْ، وَ يُذَكِّرُهُمْ مَا أَنْسَاهُمُ الدَّهْرُ، وَ سَيَعْلَمُ غِبَّ أَمْرِهِ إِذَا فَاضَتْ نَفْسُهُ. فَقَالَ خَالِدٌ: يَا أَبَا الْحَسَنِ! بِحَقِّ أَخِيكَ لَمَّا قَطَعْتَ هَذَا مِنْ نَفْسِكَ، وَ صِرْتَ إِلَى مَنْزِلِكَ مُكَرَّماً، إِذَا كَانَ الْقَوْمُ رَضُوا بِالْكَفَافِ مِنْكَ. فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: لَا جَزَاهُمُ اللَّهُ عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَ لَا عَنِ الْمُسْلِمِينَ خَيْراً. قَالَ: ثُمَّ دَعَا (عليه السلام) بِدَابَّتِهِ فَاتَّبَعَهُ أَصْحَابُهُ، وَ خَالِدٌ يُحَدِّثُهُ وَ يُضَاحِكُهُ، حَتَّى دَخَلَ الْمَدِينَةَ، فَبَادَرَ خَالِدٌ إِلَى أَبِي بِكْرٍ فَحَدَّثَهُ بِمَا كَانَ مِنْهُ. فَصَارَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) إِلَى قَبْرِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله)، ثُمَّ صَارَ إِلَى الرَّوْضَةِ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَ دَعَا، وَ قَامَ يُرِيدُ الِانْصِرَافَ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَ كَانَ أَبُو بَكْرٍ جَالِساً فِي الْمَسْجِدِ وَ الْعَبَّاسُ جَالِسٌ إِلَى جَنْبِهِ. فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى الْعَبَّاسِ فَقَالَ: يَا أَبَا الْفَضْلِ! ادْعُ لِي ابْنَ أَخِيكَ عَلِيّاً لِأُعَاتِبَهُ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ إِلَى الْأَشْجَعِ. فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: أَ وَ لَيْسَ قَدْ تَقَدَّمَ إِلَيْكَ صَاحِبُكَ بِتَرْكِ مُعَاتَبَتِهِ؟ وَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ مِنْهُ إِذَا عَاتَبْتَهُ أَنْ لَا تَنْتَصِرَ مِنْهُ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنِّي أَرَاكَ- يَا أَبَا الْفَضْلِ- تُخَوِّفُنِي مِنْهُ، دَعْنِي وَ إِيَّاهُ، فَأَمَّا مَا كَلَّمَنِي خَالِدٌ بِتَرْكِ مُعَاتَبَتِهِ فَقَدْ رَأَيْتُهُ يُكَلِّمُنِي بِكَلَامٍ خِلَافَ الَّذِي خَرَجَ بِهِ إِلَيْهِ، وَ لَا أَشُكُ إِلَّا أَنَّهُ قَدْ كَانَ مِنْهُ إِلَيْهِ شَيْءٌ أَفْزَعَهُ. فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: أَنْتَ وَ ذَاكَ يَا ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ. فَدَعَاهُ الْعَبَّاسُ، فَجَاءَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِ الْعَبَّاسِ. فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ اسْتَبْطَأَكَ، وَ هُوَ يُرِيدُ أَنْ يَسْأَلَكَ بِمَا جَرَى. فَقَالَ: يَا عَمِّ، لَوْ دَعَانِي لَمَا أَتَيْتُهُ. فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: يَا أَبَا الْحَسَنِ! مَا أَرْضَى لِمِثْلِكَ هَذَا الْفِعَالَ. قَالَ: وَ أَيَّ فِعْلٍ؟ قَالَ: قَتْلَكَ مُسْلِماً بِغَيْرِ حَقٍّ، فَمَا تَمَلُّ مِنَ الْقَتْلِ قَدْ جَعَلْتَهُ شِعَارَكَ وَ دِثَارَكَ. فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَقَالَ: أَمَّا عِتَابُكَ عَلَيَّ فِي قَتْلِ مُسْلِمٍ فَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ أَقْتُلَ مُسْلِماً بِغَيْرِ حَقٍّ، لِأَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ رُفِعَ عَنْهُ اسْمُ الْإِسْلَامِ. وَ أَمَّا قَتْلِي الْأَشْجَعَ، فَإِنْ كَانَ إِسْلَامُكَ كَإِسْلَامِهِ فَقَدْ فُزْتُ فَوْزاً عَظِيماً!! أَقُولُ: وَ مَا عُذْرِي إِلَّا مِنَ اللَّهِ، وَ مَا قَتَلْتُهُ إِلَّا عَنْ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي، وَ مَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِالْحَلَالِ وَ الْحَرَامِ مِنِّي، وَ مَا كَانَ الرَّجُلُ إِلَّا زِنْدِيقاً مُنَافِقاً، وَ إِنَّ فِي مَنْزِلِهِ صَنَماً مِنْ رُخَامٍ يَتَمَسَّحُ بِهِ ثُمَّ يَصِيرُ إِلَيْكَ، وَ مَا كَانَ مِنْ عَدْلِ اللَّهِ أَنْ يُؤَاخِذَنِي بِقَتْلِ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَ الزَّنَادِقَةِ. وَ افْتَتَحَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) بِالْكَلَامِ، فَحَجَزَ بَيْنَهُمَا الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ وَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، وَ أَقْسَمُوا عَلَى عَلِيٍّ (عليه السلام) فَسَكَتَ، وَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فَأَمْسَكَ. ثُمَّ أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ وَ قَالَ: لَوْ قُدْتُكَ بِالْأَشْجَعِ لَمَا فَعَلْتَ مِثْلَهَا، ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ أُقِيدُكَ بِمِثْلِهِ وَ أَنْتَ ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ غَاسِلُهُ؟! فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ الْعَبَّاسُ فَقَالَ: دَعُونَا وَ نَحْنُ حُكَمَاءُ أَبْلَغُ مِنْ شَأْنَكِ، إِنَّكَ تَتَعَرَّضُ بِوَلَدِي وَ ابْنِ أَخِي، وَ أَنْتَ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ بْنِ مُرَّةَ! وَ نَحْنُ بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ابْنِ هَاشِمٍ أَهْلُ بَيْتِ النُّبُوَّةِ، وَ أُولُو الْخِلَافَةِ، تَسَمَّيْتُمْ بِأَسْمَائِنَا، وَ وَثَبْتُمْ عَلَيْنَا فِي سُلْطَانِنَا، وَ قَطَعْتُمْ أَرْحَامَنَا، وَ مَنَعْتُمْ مِيرَاثَنَا، ثُمَّ أَنْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنْ لَا إِرْثَ لَنَا، وَ أَنْتُمْ أَحَقُّ وَ أَوْلَى بِهَذَا الْأَمْرِ مِنَّا، فَبُعْداً وَ سُحْقاً لَكُمْ أَنَّى تُؤْفَكُونَ. ثُمَّ انْصَرَفَ الْقَوْمُ، وَ أَخَذَ الْعَبَّاسُ بِيَدِ عَلِيٍّ (عليه السلام)، وَ جَعَلَ عَلِيٌّ يَقُولُ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ يَا عَمِّ لَا تَتَكَلَّمْ، وَ إِنْ تَكَلَّمْتَ لَا تَتَكَلَّمْ إِلَّا بِمَا يَسَرَ، وَ لَيْسَ لَهُمْ عِنْدِي إِلَّا الصَّبْرُ، كَمَا أَمَرَنِي نَبِيُّ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، دَعْهُمْ وَ مَا كَانَ لَهُمْ يَا عَمِّ بِيَوْمِ الْغَدِيرِ مَقْنَعٌ، دَعْهُمْ يَسْتَضْعِفُونَا جُهْدَهُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ مَوْلَانَا وَ هُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ. فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: يَا ابْنَ أَخِي، أَ لَيْسَ قَدْ كَفَيْتُكَ، وَ إِنْ شِئْتَ أَعُودُ إِلَيْهِ فَأُعَرِّفُهُ مَكَانَهُ، وَ أَنْزِعُ عَنْهُ سُلْطَانَهُ. فَأَقْسَمَ عَلَيْهِ عَلِيٌّ (عليه السلام) فَأَسْكَتَهُ.

بحار الأنوار — كتاب الفتن و المحن · شرح انعقاد السقيفة و كيفية السقيفة] (1)

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.