الأقسامبحار الأنواركتاب الفتن و المحن
بحار الأنوار

ج: رُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَ عُمَرَ بَعَثَا إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَوَاعَدَاهُ وَ فَارَقَاهُ عَلَى قَتْلِ عَلِيٍّ (عليه السلام)، فَضَمِنَ ذَلِكَ لَهُمَا. فَسَمِعَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ امْرَأَةُ أَبِي بَكْرٍ وَ هِيَ فِي خِدْرِهَا، فَأَرْسَلَتْ خَادِمَةً لَهَا وَ قَالَتْ: تَرَدَّدِي فِي دَارِ عَلِيٍّ (عليه السلام) وَ قُولِي: إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ. فَفَعَلَتِ الْجَارِيَةُ، وَ سَمِعَهَا عَلِيٌّ (عليه السلام) فَقَالَ: رَحِمَهَا اللَّهُ، قُولِي لِمَوْلَاتِكِ: فَمَنْ يَقْتُلُ النَّاكِثِينَ وَ الْقَاسِطِينَ وَ الْمَارِقِينَ؟ وَ وَقَعَتِ الْمُوَاعَدَةُ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ، إِذْ كَانَ أَخْفَى وَ أَخْوَتَ لِلسُّدْفَةِ وَ الشُّبْهَةِ، وَ لَكِنَ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ، وَ كَانَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ: إِذَا انْصَرَفْتُ مِنَ الْفَجْرِ فَاضْرِبْ عُنُقَ عَلِيٍّ. فَصَلَّى إِلَى جَنْبِهِ لِأَجْلِ ذَلِكَ، وَ أَبُو بَكْرٍ فِي الصَّلَاةِ يُفَكِّرُ فِي الْعَوَاقِبِ، فَنَدِمَ، فَجَلَسَ فِي صَلَاتِهِ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَطْلُعُ، يَتَعَقَّبُ الْآرَاءَ وَ يَخَافُ الْفِتْنَةَ وَ لَا يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ، فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فِي صَلَاتِهِ: يَا خَالِدُ! لَا تَفْعَلْ مَا أَمَرْتُكَ بِهِ، ثَلَاثاً. وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: لَا يَفْعَلَنَّ خَالِدٌ مَا أَمَرْتُهُ. فَالْتَفَتَ عَلِيٌّ (عليه السلام)، فَإِذَا خَالِدٌ مُشْتَمِلٌ عَلَى السَّيْفِ إِلَى جَانِبِهِ، فَقَالَ: يَا خَالِدُ! أَ وَ كُنْتَ فَاعِلًا؟! فَقَالَ: إِي وَ اللَّهِ، لَوْ لَا أَنَّهُ نَهَانِي لَوَضَعْتُهُ فِي أَكْثَرِكَ شَعْراً. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ (عليه السلام): كَذَبْتَ لَا أُمَّ لَكَ، مَنْ يَفْعَلُهُ أَضْيَقُ حَلْقَةَ اسْتٍ مِنْكَ، أَمَا وَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ لَوْ لَا مَا سَبَقَ مِنَ الْقَضَاءِ لَعَلِمْتَ أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ شَرٌّ مَكاناً وَ أَضْعَفُ جُنْداً وَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ (رحمه الله): أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) أَخَذَ خَالِداً بِإِصْبَعَيْهِ- السَّبَّابَةِ وَ الْوُسْطَى- فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَعَصَرَهُ عَصْراً، فَصَاحَ خَالِدٌ صَيْحَةً مُنْكَرَةً، فَفَزِعَ النَّاسُ، وَ هِمَّتُهُمْ أَنْفُسُهُمْ، وَ أَحْدَثَ خَالِدٌ فِي ثِيَابِهِ، وَ جَعَلَ يَضْرِبُ بِرِجْلَيْهِ وَ لَا يَتَكَلَّمُ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ: هَذِهِ مَشُورَتُكَ الْمَنْكُوسَةُ، كَأَنِّي كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَى هَذَا وَ أَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى سَلَامَتِنَا. وَ كُلَّمَا دَنَا أَحَدٌ لِيُخَلِّصَهُ مِنْ يَدِهِ (عليه السلام) لَحَظَهُ لَحْظَةً تَنَحَّى عَنْهُ رَاجِعاً. فَبَعَثَ أَبُو بَكْرٍ عُمَرَ إِلَى الْعَبَّاسِ، فَجَاءَ وَ تَشَفَّعَ إِلَيْهِ وَ أَقْسَمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: بِحَقِ الْقَبْرِ وَ مَنْ فِيهِ، وَ بِحَقِّ وَلَدَيْهِ وَ أُمِّهِمَا إِلَّا تَرَكْتَهُ. فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَ قَبَّلَ الْعَبَّاسُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ. وَ قَالَ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ فِي شَرْحِهِ عَلَى نَهْجِ الْبَلَاغَةِ: سَأَلْتُ النَّقِيبَ أَبَا جَعْفَرٍ يَحْيَى بْنَ زَيْدٍ فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي لَأَعْجَبُ مِنْ عَلِيٍّ (عليه السلام) كَيْفَ بَقِيَ تِلْكَ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)؟! وَ كَيْفَ مَا اغْتِيلَ وَ فُتِكَ بِهِ فِي جَوْفِ مَنْزِلِهِ مَعَ تَلَظِّي الْأَكْبَادِ عَلَيْهِ؟! فَقَالَ: لَوْ لَا أَنَّهُ أَرْغَمَ أَنْفَهُ بِالتُّرَابِ، وَ وَضَعَ خَدَّهُ فِي حَضِيضِ الْأَرْضِ، لَقُتِلَ، وَ لَكِنَّهُ أَخْمَلَ نَفْسَهُ، وَ اشْتَغَلَ بِالْعِبَادَةِ وَ الصَّلَاةِ وَ النَّظَرِ فِي الْقُرْآنِ، وَ خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ الزِّيِّ الْأَوَّلِ وَ ذَلِكَ الشِّعَارِ، وَ نَسِيَ السَّيْفَ، وَ صَارَ كَالْفَاتِكِ يَتُوبُ وَ يَصِيرُ سَائِحاً فِي الْأَرْضِ أَوْ رَاهِباً فِي الْجِبَالِ، فَلَمَّا أَطَاعَ الْقَوْمَ الَّذِينَ وُلُّوا الْأَمْرَ وَ صَارَ أَذَلَّ لَهُمْ مِنَ الْحِذَاءِ، تَرَكُوهُ وَ سَكَتُوا عَنْهُ، وَ لَمْ تَكُنِ الْعَرَبُ لِتُقْدِمَ عَلَيْهِ إِلَّا بِمُوَاطَأَةٍ مِنْ مُتَوَلِّي الْأَمْرِ، وَ بَاطِنٍ فِي السِّرِّ مِنْهُ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لِوُلَاةِ الْأَمْرِ بَاعِثٌ وَ دَاعٍ إِلَى قَتْلِهِ وَقَعَ الْإِمْسَاكُ عَنْهُ، لَوْ لَا ذَلِكَ لَقُتِلَ، ثُمَّ الْأَجَلُ بَعْدُ مَعْقِلٌ حَصِينٌ. فَقُلْتُ لَهُ: أَ حَقٌّ مَا يُقَالُ فِي حَدِيثِ خَالِدٍ؟. فَقَالَ: إِنَّ قَوْماً مِنَ الْعَلَوِيَّةِ يَذْكُرُونَ ذَلِكَ. وَ قَدْ رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى زُفَرَ بْنِ الْهُذَيْلِ- صَاحِبِ أَبِي حَنِيفَةَ- فَسَأَلَهُ عَمَّا يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي جَوَازِ الْخُرُوجِ مِنَ الصَّلَاةِ بِأَمْرٍ غَيْرِ التَّسْلِيمِ نَحْوَ الْكَلَامِ وَ الْفِعْلِ الْكَثِيرِ أَوِ الْحَدَثِ؟. فَقَالَ: إِنَّهُ جَائِزٌ، قَدْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي تَشَهُّدِهِ مَا قَالَ. فَقَالَ الرَّجُلُ: وَ مَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ؟. قَالَ: لَا عَلَيْكَ. قَالَ: فَأَعَادَ عَلَيْهِ السُّؤَالَ ثَانِيَةً وَ ثَالِثَةً. فَقَالَ: أَخْرِجُوهُ أَخْرِجُوهُ، قَدْ كُنْتُ أُحَدَّثُ أَنَّهُ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي الْخَطَّابِ. قُلْتُ لَهُ: فَمَا الَّذِي تَقُولُهُ أَنْتَ؟. قَالَ: أَنَا أَسْتَبْعِدُ ذَلِكَ، وَ إِنَّهُ رَوَتْهُ الْإِمَامِيَّةُ.. إِلَى آخِرِ مَا قَالَ.

بحار الأنوار — كتاب الفتن و المحن · شرح انعقاد السقيفة و كيفية السقيفة] (1)

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.