الأقسامبحار الأنواركتاب الفتن و المحن
بحار الأنوار

ج: رِسَالَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) إِلَى أَبِي بَكْرٍ، لَمَّا بَلَغَهُ عَنْهُ كَلَامٌ بَعْدَ مَنْعِ الزَّهْرَاءِ (عليها السلام) فَدَكَ: شُقُّوا مُتَلَاطِمَاتِ أَمْوَاجِ الْفِتَنِ بِحَيَازِيمِ سُفُنِ النَّجَاةِ، وَ حُطُّوا تِيجَانَ أَهْلِ الْفَخْرِ بِجَمِيعِ أَهْلِ الْغَدْرِ، وَ اسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْأَنْوَارِ، وَ اقْتَسِمُوا مَوَارِيثَ الطَّاهِرَاتِ الْأَبْرَارِ، وَ احْتَقِبُوا ثِقْلَ الْأَوْزَارِ، بِغَصْبِهِمْ نِحْلَةَ النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ. فَكَأَنِّي بِكُمْ تَتَرَدَّدُونَ فِي الْعَمَى كَمَا يَتَرَدَّدُ الْبَعِيرُ فِي الطَّاحُونَةِ، أَمَا وَ اللَّهِ لَوْ أُذِنَ لِي بِمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ لَحَصَدْتُ رُءُوسَكُمْ عَنْ أَجْسَادِكُمْ كَحَبِّ الْحَصِيدِ بِقَوَاضِبَ مِنْ حَدِيدٍ، وَ لَقَلَعْتُ مِنْ جَمَاجِمِ شُجْعَانِكُمْ مَا أَقْرَحُ بِهِ آمَاقَكُمْ، وَ أُوحِشُ بِهِ مَحَالَّكُمْ. فَإِنِّي مُنْذُ عَرَفْتُمُونِي مُرْدِي الْعَسَاكِرِ، وَ مُفْنِي الْجَحَافِلِ، وَ مُبِيدُ خَضْرَائِكُمْ، وَ مُحْمِدُ ضَوْضَائِكُمْ، وَ جَزَّارُ الدَّوَّارِينَ إِذْ أَنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ مُعْتَكِفُونَ، وَ إِنِّي لَصَاحِبُكُمْ بِالْأَمْسِ، لَعَمْرُ أَبِي لَنْ تُحِبُّوا أَنْ تَكُونَ فِينَا الْخِلَافَةُ وَ النُّبُوَّةُ وَ أَنْتُمْ تَذْكُرُونَ أَحْقَادَ بَدْرٍ وَ ثَارَاتِ أُحُدٍ. أَمَا وَ اللَّهِ لَوْ قُلْتُ مَا سَبَقَ مِنَ اللَّهِ فِيكُمْ لَتَدَاخَلَتْ أَضْلَاعُكُمْ فِي أَجْوَافِكُمْ كَتَدَاخُلِ أَسْنَانٍ دَوَّارَةِ الرَّحَى، فَإِنْ نَطَقْتُ تَقُولُونَ حَسَدَ، وَ إِنْ سَكَتُّ فَيُقَالُ جَزِعَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ مِنَ الْمَوْتِ، هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ. أَنَا السَّاعَةَ يُقَالُ لِي هَذَا، وَ أَنَا الْمَوْتُ الْمُمِيتُ، خَوَّاضُ الْمَنِيَّاتِ فِي جَوْفِ لَيْلٍ خَامِدٍ، حَامِلُ السَّيْفَيْنِ الْثَّقِيلَيْنِ، وَ الرُّمْحَيْنِ الطَّوِيلَيْنِ، وَ مُكَسِّرُ الرَّايَاتِ فِي غُطَامِطِ الْغَمَرَاتِ، وَ مُفَرِّجُ الْكُرُبَاتِ عَنْ وَجْهِ خِيَرَةِ الْبَرِيَّاتِ، إِيهَنُوا فَوَ اللَّهِ لَابْنُ أَبِي طَالِبٍ آنَسُ بِالْمَوْتِ مِنَ الطِّفْلِ إِلَى مَحَالِبِ أُمِّهِ، هَبِلَتْكُمُ الْهَوَابِلُ!. لَوْ بُحْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكُمْ فِي كِتَابِهِ لَاضْطَرَبْتُمُ اضْطِرَابَ الْأَرْشِيَةِ فِي الطَّويِّ الْبَعِيدَةِ، وَ لَخَرَجْتُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ هَارِبِينَ، وَ عَلَى وُجُوهِكُمْ هَائِمِينَ، وَ لَكِنِّي أُهَوِّنُ وَجْدِي حَتَّى أَلْقَى رَبِّي بِيَدٍ جَذَّاءَ صَفْرَاءَ مِنْ لَذَّاتِكُمْ، خُلُوّاً مِنْ طَحَنَاتِكُمْ. فَمَا مَثَلُ دُنْيَاكُمْ عِنْدِي إِلَّا كَمَثَلِ غَيْمٍ عَلَا فَاسْتَعْلَى، ثُمَّ اسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى، ثُمَّ تَمَزَّقَ فَانْجَلَى. رُوَيْداً! فَعَنْ قَلِيلٍ يَنْجَلِي لَكُمُ الْقَسْطَلُ، فَتَجِدُونَ ثَمَرَ فِعْلِكُمْ مُرّاً أَمْ تَحْصُدُونَ غَرْسَ أَيْدِيكُمْ ذُعَافاً مُمَزَّقاً، وَ سَمّاً قَاتِلًا. وَ كَفَى بِاللَّهِ حَكَماً، وَ بِرَسُولِ اللَّهِ خَصِيماً، وَ بِالْقِيَامَةِ مَوْقِفاً، وَ لَا أَبْعَدَ اللَّهُ فِيهَا سِوَاكُمْ، وَ لَا أَتْعَسَ فِيهَا غَيْرَكُمْ، وَ السَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى فَلَمَّا أَنْ قَرَأَ أَبُو بَكْرٍ الْكِتَابَ رَعَبَ مِنْ ذَلِكَ رُعْباً شَدِيداً، وَ قَالَ: يَا سُبْحَانَ اللَّهِ! مَا أَجْرَأَهُ عَلَيَّ، وَ أَنْكَلَهُ عَنْ غَيْرِي. مَعَاشِرَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ! تَعْلَمُونَ أَنِّي شَاوَرْتُكُمْ فِي ضِيَاعِ فَدَكَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ فَقُلْتُمْ: إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يُوَرِّثُونَ، وَ إِنَّ هَذِهِ أَمْوَالٌ يَجِبُ أَنْ تُضَافَ إِلَى مَالِ الْفَيْءِ، وَ تُصْرَفَ فِي ثَمَنِ الْكُرَاعِ وَ السِّلَاحِ وَ أَبْوَابِ الْجِهَادِ وَ مَصَالِحِ الثُّغُورِ، فَأَمْضَيْنَا رَأْيَكُمْ وَ لَمْ يُمْضِهِ مَنْ يَدَّعِيهِ. وَ هُوَ ذَا يُبْرِقُ وَعِيداً، وَ يُرْعِدُ تَهْدِيداً، إِيلَاءً بِحَقِّ نَبِيِّهِ أَنْ يَمْضَخَهَا دَماً ذُعَافاً. وَ اللَّهِ! لَقَدِ اسْتَقَلْتُ مِنْهَا فَلَمْ أُقَلْ، وَ اسْتَعْزَلْتُهَا عَنْ نَفْسِي فَلَمْ أُعْزَلْ، كُلَّ ذَلِكَ احْتِرَازاً مِنْ كَرَاهِيَةِ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَ هَرْباً مِنْ نِزَاعِهِ، وَ مَا لِي لِابْنِ أَبِي طَالِبٍ! هَلْ نَازَعَهُ أَحَدٌ فَفَلَجَ عَلَيْهِ؟!. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَبَيْتَ أَنْ تَقُولَ إِلَّا هَكَذَا، فَأَنْتَ ابْنُ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِقْدَاماً فِي الْحُرُوبِ، وَ لَا سَخِيّاً فِي الْجُدُوبِ، سُبْحَانَ اللَّهِ! مَا أَهْلَعَ فُؤَادَكَ، وَ أَصْغَرَ نَفْسَكَ [قَدْ صَفَّيْتُ] لَكَ سِجَالًا لِتَشْرَبَهَا، فَأَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تَظْمَأَ كَظَمَائِكَ، وَ أَنَخْتُ لَكَ رِقَابَ الْعَرَبِ، وَ ثَبَّتُّ لَكَ إِمَارَةَ أَهْلِ الْإِشَارَةِ وَ التَّدْبِيرِ، وَ لَوْ لَا ذَلِكَ لَكَانَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ قَدْ صَيَّرَ عِظَامَكَ رَمِيماً، فَاحْمَدِ اللَّهَ عَلَى مَا قَدْ وُهِبَ لَكَ مِنِّي، وَ اشْكُرْهُ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّهُ مَنْ رَقِيَ مِنْبَرَ رَسُولِ اللَّهِ كَانَ حَقِيقاً عَلَيْهِ أَنْ يُحْدِثَ لِلَّهِ شُكْراً. وَ هَذَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ الصَّخْرَةُ الصَّمَّاءُ الَّتِي لَا يَنْفَجِرُ مَاؤُهَا إِلَّا بَعْدَ كَسْرِهَا، وَ الْحَيَّةُ الرَّقْشَاءُ الَّتِي لَا تُجِيبُ إِلَّا بِالرُّقَى، وَ الشَّجَرَةُ الْمُرَّةُ الَّتِي لَوْ طُلِيَتْ بِالْعَسَلِ لَمْ تَنْبُتْ إِلَّا مُرّاً، قَتَلَ سَادَاتِ قُرَيْشٍ فَأَبَادَهُمْ، وَ أَلْزَمَ آخِرَهُمُ الْعَارَ فَفَضَحَهُمْ. فَطِبْ نَفْساً، وَ لَا تَغُرَّنَّكَ صَوَاعِقُهُ، وَ لَا تَهُولَنَّكَ رَوَاعِدُهُ، فَإِنِّي أَسُدُّ بَابَهُ قَبْلَ أَنْ يَسُدَّ بَابَكَ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: نَاشَدْتُكَ اللَّهَ يَا عُمَرُ لَمَّا تَرَكْتَنِي مِنْ أَغَالِيطِكَ وَ تَرْبِيدِكَ، فَوَ اللَّهِ لَوْ هَمَ بِقَتْلِي وَ قَتْلِكَ لَقَتَلَنَا بِشِمَالِهِ دُونَ يَمِينِهِ، مَا يُنْجِينَا مِنْهُ إِلَّا ثَلَاثُ خِصَالٍ: إِحْدَاهَا: أَنَّهُ وَاحِدٌ لَا نَاصِرَ لَهُ. وَ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ يَتَّبِعُ فِينَا وَصِيَّةَ رَسُولِ اللَّهِ. وَ الثَّالِثَةُ: فَمَا مِنْ هَذِهِ الْقَبَائِلِ أَحَدٌ إِلَّا وَ هُوَ يَتَخَضَّمُهُ كَتَخَضُّمِ ثَنِيَّةِ الْإِبِلِ أَوَانَ الرَّبِيعِ. فَتَعْلَمُ لَوْ لَا ذَلِكَ لَرَجَعَ الْأَمْرُ إِلَيْهِ وَ لَوْ كُنَّا لَهُ كَارِهِينَ، أَمَا إِنَّ هَذِهِ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَيْهِ مِنْ لِقَاءِ أَحَدِنَا الْمَوْتَ. أَ نَسِيتَ لَهُ يَوْمَ أُحُدٍ وَ قَدْ فَرَرْنَا بِأَجْمَعِنَا وَ صَعِدْنَا الْجَبَلَ، وَ قَدْ أَحَاطَتْ بِهِ مُلُوكُ الْقَوْمِ وَ صَنَادِيدُهُمْ، مُوقِنِينَ بِقَتْلِهِ، لَا يَجِدُ مَحِيصاً لِلْخُرُوجِ مِنْ أَوْسَاطِهِمْ، فَلَمَّا أَنْ سَدَّدَ الْقَوْمُ رِمَاحَهُمْ، نَكَسَ نَفْسَهُ عَنْ دَابَّتِهِ حَتَّى جَاوَزَهُ طِعَانُ الْقَوْمِ، ثُمَّ قَامَ قَائِماً فِي رِكَابِهِ وَ قَدْ طَرَقَ عَنْ سَرْجِهِ وَ هُوَ يَقُولُ: يَا اللَّهُ يَا اللَّهُ! يَا جِبْرِيلُ يَا جِبْرِيلُ! يَا مُحَمَّدُ يَا مُحَمَّدُ! النَّجَاةَ النَّجَاةَ!. ثُمَّ عَهِدَ إِلَى رَئِيسِ الْقَوْمِ فَضَرَبَهُ ضَرْبَةً عَلَى رَأْسِهِ فَبَقِيَ عَلَى فَكٍ وَ لِسَانٍ، ثُمَّ عَمَدَ إِلَى صَاحِبِ الرَّايَةِ الْعُظْمَى فَضَرَبَهُ ضَرْبَةً عَلَى جُمْجُمَتِهِ فَفَلَقَهَا، فَمَرَّ السَّيْفُ يَهْوِي فِي جَسَدِهِ فَبَرَاهُ وَ دَابَّتَهُ نِصْفَيْنِ. فَلَمَّا أَنْ نَظَرَ الْقَوْمُ إِلَى ذَلِكَ انْجَفَلُوا مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَمْسَحُهُمْ بِسَيْفِهِ مَسْحاً، حَتَّى تَرَكَهُمْ جَرَاثِيمَ خُمُوداً عَلَى تَلْعَةٍ مِنَ الْأَرْضِ يَتَمَرَّغُونَ فِي حَسَرَاتِ الْمَنَايَا، وَ يَتَجَرَّعُونَ كُئُوسَ الْمَوْتِ، قَدِ اخْتَطَفَ أَرْوَاحَهُمْ بِسَيْفِهِ، وَ نَحْنُ نَتَوَقَّعُ مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. وَ لَمْ نَكُنْ نَضْبِطُ أَنْفُسَنَا مِنْ مَخَافَتِهِ، حَتَّى ابْتَدَأْتَ أَنْتَ مِنْكَ إِلَيْهِ، فَكَانَ مِنْهُ إِلَيْكَ مَا تَعْلَمُ. وَ لَوْ لَا أَنَّهُ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ لَكُنَّا مِنَ الْهَالِكِينَ، وَ هُوَ قَوْلُهُ [تَعَالَى]: وَ لَقَدْ عَفا عَنْكُمْ. فَاتْرُكْ هَذَا الرَّجُلَ مَا تَرَكَكَ، وَ لَا يَغُرَّنَّكَ قَوْلُ خَالِدٍ إِنَّهُ يَقْتُلُهُ، فَإِنَّهُ لَا يَجْسُرُ عَلَى ذَلِكَ، وَ إِنْ رَامَهُ كَانَ أَوَّلَ مَقْتُولٍ بِيَدِهِ، فَإِنَّهُ مِنْ وُلْدِ عَبْدِ مَنَافٍ، إِذَا هَاجُوا أُهِيبُوا، وَ إِذَا غَضِبُوا أَذَمُّوا، وَ لَا سِيَّمَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَإِنَّهُ بَابُهَا الْأَكْبَرُ وَ سَنَامُهَا الْأَطْوَلُ، وَ هُمَامُهَا الْأَعْظَمُ، وَ السَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى. - رَوَى فِي نَهْجِ الْبَلَاغَةِ تِلْكَ الْفِقَرَاتِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ يُنَاسِبُهَا، حَيْثُ قَالَ: لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ، وَ خَاطَبَهُ الْعَبَّاسُ وَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ فِي أَنْ يُبَايِعَا لَهُ بِالْخِلَافَةِ، قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ! شُقُّوا أَمْوَاجَ الْفِتَنِ بِسُفُنِ النَّجَاةِ، وَ عَرِّجُوا عَنْ طَرِيقِ الْمُنَافَرَةِ، وَ ضَعُوا تِيجَانَ الْمُفَاخَرَةِ، أَفْلَحَ مَنْ نَهَضَ بِجَنَاحٍ أَوِ اسْتَسْلَمَ فَأَرَاحَ. - في حديث عليّ (عليه السلام): يخضمون مال اللّه خضم الإبل نبتة الرّبيع- الخضم.

بحار الأنوار — كتاب الفتن و المحن · شرح انعقاد السقيفة و كيفية السقيفة] (1)

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.