إِرْشَادُ الْقُلُوبِ: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ وَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ قَالا: كُنَّا جُلُوساً عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ فِي وِلَايَتِهِ وَ قَدْ أَضْحَى النَّهَارُ، وَ إِذَا بِخَالِدِ ابْنِ الْوَلِيدِ الْمَخْزُومِيِّ قَدْ وَافَى فِي جَيْشٍ قَامَ غُبَارُهُ وَ كَثُرَ صَهِيلُ أَهْلِ خَيْلِهِ وَ إِذَا بِقُطْبِ رَحًى مَلْوِيٍّ فِي عُنُقِهِ قَدْ فُتِلَ فَتْلًا. فَأَقْبَلَ حَتَّى نَزَلَ عَنْ جَوَادِهِ وَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَ وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ، فَرَمَقَهُ النَّاسُ بِأَعْيُنِهِمْ فَهَالَهُمْ مَنْظَرُهُ. ثُمَّ قَالَ: أَ عَدْلٌ يَا ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ حَيْثُ جَعَلَكَ النَّاسُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ أَنْتَ بِأَهْلٍ؟! وَ مَا ارْتَفَعْتَ إِلَى هَذَا الْمَكَانِ إِلَّا كَمَا يَرْتَفِعُ الطَّافِي مِنَ السَّمَكِ عَلَى الْمَاءِ، وَ إِنَّمَا يَطْفُو وَ يَعْلُو حِينَ لَا حَرَاكَ بِهِ، مَا لَكَ وَ سِيَاسَةَ الْجُيُوشِ وَ تَقْدِيمَ الْعَسَاكِرِ، وَ أَنْتَ بِحَيْثُ أَنْتَ، مِنْ لِينِ الْحَسَبِ، وَ مَنْقُوصِ النَّسَبِ، وَ ضَعْفِ الْقُوَى، وَ قِلَّةِ التَّحْصِيلِ، لَا تَحْمِي ذِمَاراً، وَ لَا تُضْرِمُ نَاراً، فَلَا جَزَى اللَّهُ أَخَا ثَقِيفٍ وَ وَلَدَ صُهَاكَ خَيْراً. إِنِّي رَجَعْتُ مُنْكَفِئاً مِنَ الطَّائِفِ إِلَى جُدَّةَ فِي طَلَبِ الْمُرْتَدِّينَ، فَرَأَيْتُ عَلِيَّ بْنَ لم يردّ لفظ: هذا، في المصدر. أَبِي طَالِبٍ وَ مَعَهُ عُتَاةٌ مِنَ الدِّينِ حَمَالِيقُ، شَزَرَاتُ أَعْيُنِهِمْ مِنْ حَسَدِكَ بَدَرَتْ حَنَقاً عَلَيْكَ، وَ قَرِحَتْ آمَاقُهُمْ لِمَكَانِكَ. مِنْهُمْ ابْنُ يَاسِرٍ، وَ الْمِقْدَادُ، وَ ابْنُ جُنَادَةَ أَخُو غِفَارٍ، وَ ابْنُ الْعَوَّامِ، وَ غُلَامَانِ أَعْرِفُ أَحَدَهُمَا بِوَجْهِهِ، وَ غُلَامٌ أَسْمَرُ لَعَلَّهُ مِنْ وُلْدِ عَقِيلٍ أَخِيهِ. فَتَبَيَّنَ لِيَ الْمُنْكَرُ فِي وُجُوهِهِمْ، وَ الْحَسَدُ فِي احْمِرَارِ أَعْيُنِهِمْ، وَ قَدْ تَوَشَّحَ عَلِيٌّ بِدِرْعِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ لَبِسَ رِدَاءَهُ السَّحَابَ، وَ لَقَدْ أُسْرِجَ لَهُ دَابَّتُهُ الْعُقَابُ، وَ قَدْ نَزَلَ عَلِيٌّ عَلَى عَيْنِ مَاءٍ اسْمُهَا رُوَيَّةُ. فَلَمَّا رَآنِي اشْمَأَزَّ وَ بَرْبَرَ، وَ أَطْرَقَ مُوحِشاً يَقْبِضُ عَلَى لِحْيَتِهِ. فَبَادَرْتُهُ بِالسَّلَامِ اسْتِكْفَاءً وَ اتِّقَاءً وَ وَحْشَةً، فَاسْتَغْنَمْتُ سَعَةَ الْمُنَاخِ وَ سُهُولَةَ الْمَنْزِلَةِ، فَنَزَلْتُ وَ مَنْ مَعِي بِحَيْثُ نَزَلُوا اتِّقَاءً عَنْ مُرَاوَغَتِهِ. فَبَدَأَنِي ابْنُ يَاسِرٍ بِقَبِيحِ لَفْظِهِ وَ مَحْضِ عَدَاوَتِهِ، فَقَرَعَنِي هُزُواً بِمَا تَقَدَّمْتَ بِهِ إِلَيَّ بِسُوءِ رَأْيِكَ. فَالْتَفَتَ إِلَيَّ الْأَصْلَعُ الرَّأْسِ، وَ قَدِ ازْدَحَمَ الْكَلَامُ فِي حَلْقِهِ كَهَمْهَمَةِ الْأَسَدِ أَوْ كَقَعْقَعَةِ الرَّعْدِ، فَقَالَ لِي بِغَضَبٍ مِنْهُ: أَ وَ كُنْتَ فَاعِلًا يَا أَبَا سُلَيْمَانَ؟! فَقُلْتُ لَهُ: إِي وَ اللَّهِ، لَوْ أَقَامَ عَلَى رَأْيِهِ لَضَرَبْتُ الَّذِي فِيهِ عَيْنَاكَ. فَأَغْضَبَهُ قَوْلِي إِذْ صَدَقْتُهُ، وَ أَخْرَجَهُ إِلَيَّ طَبْعُهُ الَّذِي أَعْرِفُهُ بِهِ عِنْدَ الْغَضَبِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ اللَّخْنَاءِ! مِثْلُكَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى مِثْلِي أَنْ يَجْسُرَ؟! أَوْ يُدِيرَ اسْمِي فِي لَهَوَاتِهِ الَّتِي لَا عَهْدَ لَهَا بِكَلِمَةِ حِكْمَةٍ؟! وَيْلَكَ إِنِّي لَسْتُ مِنْ قَتْلَاكَ وَ لَا مِنْ قَتْلَى صَاحِبِكَ، وَ إِنِّي لَأَعْرَفُ بِمَنِيَّتِي مِنْكَ بِنَفْسِكَ. ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ إِلَى تَرْقُوَتِي فَنَكَسَنِي عَنْ فَرَسِي، وَ جَعَلَ يَسُوقُنِي، فَدَعَا إِلَى رَحًى لِلْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ الثَّقَفِيِّ، فَعَمَدَ إِلَى الْقُطْبِ الْغَلِيظِ فَمَدَّ عُنُقِي بِكِلْتَا يَدَيْهِ وَ أَدَارَهُ فِي عُنُقِي، يَنْفَتِلُ لَهُ كَالْعِلْكِ الْمُسْتَخِنِ. وَ أَصْحَابِي هَؤُلَاءِ وُقُوفٌ، مَا أَغْنَوْا عَنِّي سَطْوَتَهُ، وَ لَا كَفُّوا عَنِّي شِرَّتَهُ، فَلَا جَزَاهُمُ اللَّهُ عَنِّي خَيْراً، فَإِنَّهُمْ لَمَّا نَظَرُوا إِلَيْهِ كَأَنَّهُمْ نَظَرُوا إِلَى مَلَكِ مَوْتِهِمْ. فَوَ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاءَ بِلَا أَعْمَادٍ، لَقَدِ اجْتَمَعَ عَلَى فَكِّ هَذَا الْقُطْبِ مِائَةُ رَجُلٍ أَوْ يَزِيدُونَ مِنْ أَشَدِّ الْعَرَبِ فَمَا قَدَرُوا عَلَى فَكِّهِ، فَدَلَّنِي عَجْزُ النَّاسِ عَنْ فَتْحِهِ أَنَّهُ سِحْرٌ مِنْهُ أَوْ قُوَّةُ مَلَكٍ قَدْ رُكِّبَتْ فِيهِ. فَفُكَّهُ الْآنَ عَنِّي إِنْ كُنْتَ فَاكَّهُ، وَ خُذْ لِي بِحَقِّي إِنْ كُنْتَ آخِذاً، وَ إِلَّا لَحِقْتُ بِدَارِ عِزِّي وَ مُسْتَقَرِّ مَكْرُمَتِي، قَدْ أَلْبَسَنِي ابْنُ أَبِي طَالِبٍ مِنَ الْعَارِ مَا صِرْتُ بِهِ ضُحْكَةً لِأَهْلِ الدِّيَارِ. فَالْتَفَتَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عُمَرَ وَ قَالَ: مَا تَرَى إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ؟! كَأَنَّ وِلَايَتِي ثِقْلٌ عَلَى كَاهِلِهِ، وَ شَجًا فِي صَدْرِهِ. فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ عُمَرُ فَقَالَ: فِيهِ دُعَابَةٌ لَا تَدَعُهُ حَتَّى تُورِدَهُ فَلَا تُصْدِرَهُ، وَ جَهْلٌ وَ حَسَدٌ قَدِ اسْتَحْكَمَا فِي خَلَدِهِ، فَجَرَيَا مِنْهُ مَجْرَى الدِّمَاءِ لَا يَدَعَانِهِ حَتَّى يُهَيِّنَا مَنْزِلَتَهُ، وَ يُوَرِّطَاهُ وَرْطَةَ الْهَلَكَةِ. ثُمَّ قَالَ أَبُو بَكْرٍ لِمَنْ بِحَضْرَتِهِ: ادْعُوَا إِلَيَّ قَيْسَ بْنَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ الْأَنْصَارِيَّ، فَلَيْسَ لِفَكِّ هَذَا الْقُطْبِ غَيْرُهُ. قَالَ: وَ كَانَ قَيْسٌ سَيَّافَ النَّبِيِّ، وَ كَانَ رَجُلًا طَوِيلًا، طُولُهُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شِبْراً فِي عَرْضِ خَمْسَةِ أَشْبَارٍ، وَ كَانَ أَشَدَّ النَّاسِ فِي زَمَانِهِ بَعْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام). فَحَضَرَ قَيْسٌ فَقَالَ لَهُ: يَا قَيْسُ! إِنَّكَ مِنْ شِدَّةِ الْبَدَنِ بِحَيْثُ أَنْتَ، فَفُكَ هَذَا الْقُطْبَ مِنْ عُنُقِ أَخِيكَ خَالِدٍ، فَقَالَ قَيْسٌ: وَ لِمَ لَا يَفُكُّهُ خَالِدٌ عَنْ عُنُقِهِ؟! قَالَ: لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، قَالَ: فَمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَبُو سُلَيْمَانَ- وَ هُوَ نَجْمُ عَسْكَرِكُمْ، وَ سَيْفُكُمْ عَلَى أَعْدَائِكُمْ- كَيْفَ أَقْدِرُ عَلَيْهِ أَنَا؟. قَالَ عُمَرُ: دَعْنَا مِنْ هَزْئِكَ وَ هَزْلِكَ وَ خُذْ فِيمَا حَضَرْتَ لَهُ، فَقَالَ: أُحْضِرْتُ لِمَسْأَلَةٍ تَسْأَلُونَهَا طَوْعاً، أَوْ كَرْهاً تُجْبِرُونِّي عَلَيْهِ؟ فَقَالَ لَهُ: إِنْ كَانَ طَوْعاً وَ إِلَّا فَكَرْهاً، قَالَ قَيْسٌ: يَا ابْنَ صُهَاكَ! خَذَلَ اللَّهُ مَنْ يُكْرِهُهُ مِثْلُكَ، إِنَّ بَطْنَكَ لَعَظِيمَةٌ وَ إِنَّ كَرِشَكَ لَكَبِيرَةٌ، فَلَوْ فَعَلْتَ أَنْتَ ذَلِكَ مَا كَانَ مِنْكَ [عَجَبٌ، قَالَ:] فَخَجِلَ عُمَرُ مِنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، وَ جَعَلَ يَنْكُثُ أَسْنَانَهُ بِأَنَامِلِهِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَ مَا بِذَلِكَ مِنْهُ، اقْصِدْ لِمَا سَأَلْتَ، فَقَالَ قَيْسٌ: وَ اللَّهِ لَوْ أَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ لَمَا فَعَلْتُ، فَدُونَكُمْ وَ حَدَّادِي الْمَدِينَةِ، فَإِنَّهُمْ أَقْدَرُ عَلَى ذَلِكَ مِنِّي. فَأَتَوْا بِجَمَاعَةٍ مِنَ الْحَدَّادِينَ، فَقَالُوا: لَا يَنْفَتِحُ حَتَّى نُحْمِيَهُ بِالنَّارِ. فَالْتَفَتَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى قَيْسٍ مُغْضَباً فَقَالَ: وَ اللَّهِ مَا بِكَ مِنْ ضَعْفٍ عَنْ فَكِّهِ، وَ لَكِنَّكَ لَا تَفْعَلُ فِعْلًا يَعِيبُ عَلَيْكَ فِيهِ إِمَامُكَ وَ حَبِيبُكَ أَبُو الْحَسَنِ، وَ لَيْسَ هَذَا بِأَعْجَبَ مِنْ أَنَّ أَبَاكَ وام [رَامَ الْخِلَافَةَ لِيَبْتَغِيَ الْإِسْلَامَ عِوَجاً فَحَصَدَ اللَّهُ شَوْكَتَهُ، وَ أَذْهَبَ نَخْوَتَهُ، وَ أَعَزَّ الْإِسْلَامَ بِوَلِيِّهِ، وَ أَقَامَ دِينَهُ بِأَهْلِ طَاعَتِهِ، وَ أَنْتَ الْآنَ فِي حَالِ كَيْدٍ وَ شِقَاقٍ. قَالَ: فَاسْتَشَاطَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ غَضَباً وَ امْتَلَأَ غَيْظاً، فَقَالَ: يَا ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ! إِنَّ لَكَ عِنْدِي جَوَاباً حَمِيّاً، بِلِسَانٍ طَلْقٍ، وَ قَلْبٍ جَرِيٍّ، و لَوْ لَا الْبَيْعَةُ الَّتِي لَكَ فِي عُنُقِي لَسَمِعْتَهُ مِنِّي، وَ اللَّهِ لَئِنْ بَايَعَتْكَ يَدِي لَمْ يُبَايِعْكَ قَلْبِي وَ لَا لِسَانِي، وَ لَا حُجَّةَ لِي فِي عَلِيٍّ بَعْدَ يَوْمِ الْغَدِيرِ، وَ لَا كَانَتْ بَيْعَتِي لَكَ إِلَّا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا غَيْرَ هَائِبٍ مِنْكَ وَ لَا خَائِفٍ مِنْ مَعَرَّتِكَ، وَ لَوْ سَمِعْتُ هَذَا الْقَوْلَ مِنْكَ بَدْأَةً لَمَا فَتَحَ لَكَ مِنِّي صُلْحاً. إِنْ كَانَ أَبِي رَامَ الْخِلَافَةَ فَحَقِيقٌ مَنْ يَرُومُهَا بَعْدَ مَنْ ذَكَرْتَهُ، لِأَنَّهُ رَجُلٌ لَا يُقَعْقِعُ بِالشِّنَانِ، وَ لَا يَغْمِزُ جَانِبَهُ كَغَمْزِ التِّينَةِ، ضَخِمٌ صِنْدِيدٌ، وَ سَمَكٌ مُنِيفٌ، وَ عِزٌّ بَازِخٌ أَشْوَسُ، بِخِلَافِكَ وَ اللَّهِ أَيَّتُهَا النَّعْجَةُ الْعَرْجَاءُ، وَ الدِّيكُ النَّافِشُ، لَا عِزٌّ صَمِيمٌ، وَ لَا حَسَبٌ كَرِيمٌ، وَ ايْمُ اللَّهِ لَئِنْ عَاوَدْتَنِي فِي أَبِي لَأُلْجِمَنَّكَ بِلِجَامٍ مِنَ الْقَوْلِ يَمُجُّ فُوكَ مِنْهُ دَماً، دَعْنَا نَخُوضُ فِي عَمَايَتِكَ، وَ نَتَرَدَّى فِي غَوَايَتِكَ، عَلَى مَعْرِفَةٍ مِنَّا بِتَرْكِ الْحَقِّ وَ اتِّبَاعِ الْبَاطِلِ. وَ أَمَّا قَوْلُكَ إِنَّ عَلِيّاً إِمَامِي، مَا أُنْكِرُ إِمَامَتَهُ وَ لَا أَعْدِلُ عَنْ وَلَايَتِهِ، وَ كَيْفَ أَنْقُضُ وَ قَدْ أَعْطَيْتُ اللَّهَ عَهْداً بِإِمَامَتِهِ وَ وَلَايَتِهِ، يَسْأَلُنِي عَنْهُ؟! فَأَنَا أَنْ أَلْقَى اللَّهَ بِنَقْضِ بَيْعَتِكَ أَحَبُّ إِلَيَّ [مِنْ أَنْ أَنْقُضَ عَهْدَهُ وَ عَهْدَ رَسُولِهِ وَ عَهْدَ وَصِيِّهِ وَ خَلِيلِهِ، وَ مَا أَنْتَ إِلَّا أَمِيرُ قَوْمِكَ، إِنْ شَاءُوا تَرَكُوكَ وَ إِنْ شَاءُوا عَزَلُوكَ. فَتُبْ إِلَى اللَّهِ مِمَّا اجْتَرَمْتَهُ، وَ تَنَصَّلْ إِلَيْهِ مِمَّا ارْتَكَبْتَهُ، وَ سَلِّمِ الْأَمْرَ إِلَى مَنْ هُوَ أَوْلَى مِنْكَ بِنَفْسِكَ، فَقَدْ رَكِبْتَ عَظِيماً بِوِلَايَتِكَ دُونَهُ، وَ جُلُوسِكَ فِي مَوْضِعِهِ، وَ تَسْمِيَتِكَ بِاسْمِهِ، وَ كَأَنَّكَ بِالْقَلِيلِ مِنْ دُنْيَاكَ وَ قَدِ انْقَشَعَ عَنْكَ كَمَا يَنْقَشِعُ السَّحَابُ، وَ تَعْلَمُ أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ شَرٌّ مَكاناً وَ أَضْعَفُ جُنْداً. وَ أَمَّا تَعْيِيرُكَ إِيَّايَ فَإِنَّهُ مَوْلَايَ، هُوَ وَ اللَّهِ مَوْلَايَ وَ مَوْلَاكَ وَ مَوْلَى الْمُؤْمِنِينَ أَجْمَعِينَ، آهِ.. آهِ.. أَنَّى لِي بِثَبَاتِ قَدَمٍ، أَوْ تَمَكُّنِ وَطْءٍ حَتَّى أُلْفِظَكَ لَفْظَ الْمَنْجَنِيقِ الْحَجَرَةَ، وَ لَعَلَّ ذَلِكَ يَكُونُ قَرِيباً، وَ نَكْتَفِي بِالْعِيَانِ عَنِ الْخَبَرِ. ثُمَّ قَامَ وَ نَفَضَ ثَوْبَهُ وَ مَضَى، وَ نَدِمَ أَبُو بَكْرٍ عَمَّا أَسْرَعَ إِلَيْهِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَى قَيْسٍ، وَ جَعَلَ خَالِدٌ يَدُورُ فِي الْمَدِينَةِ وَ الْقُطْبُ فِي عُنُقِهِ أَيَّاماً. ثُمَّ أَتَى آتٍ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ لَهُ: قَدْ وَافَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ السَّاعَةَ مِنْ سَفَرِهِ، وَ قَدْ عَرَقَ جَبِينُهُ، وَ احْمَرَّ وَجْهُهُ، فَأَنْفَذَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ الْأَقْرَعَ بْنَ سُرَاقَةَ الْبَاهِلِيَّ وَ الْأَشْوَسَ بْنَ الْأَشْجَعِ الثَّقَفِيَّ يَسْأَلَانِهِ الْمُضِيَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله). فَأَتَيَاهُ فَقَالا: يَا أَبَا الْحَسَنِ! إِنَّ أَبَا بَكْرٍ يَدْعُوكَ لِأَمْرٍ قَدْ أَحْزَنَهُ، وَ هُوَ يَسْأَلُكَ أَنْ تَصِيرَ إِلَيْهِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَلَمْ يُجِبْهُمَا، فَقَالا: يَا أَبَا الْحَسَنِ! مَا تَرُدُّ عَلَيْنَا فِيمَا جِئْنَاكَ لَهُ؟ فَقَالَ: بِئْسَ وَ اللَّهِ الْأَدَبُ أَدَبُكُمْ، أَ لَيْسَ يَجِبُ عَلَى الْقَادِمِ أَنْ لَا يَصِيرَ إِلَى النَّاسِ فِي أَجْلِبَتِهِمْ إِلَّا بَعْدَ دُخُولِهِ فِي مَنْزِلِهِ، فَإِنْ كَانَ لَكُمْ حَاجَةٌ فَأَطْلِعُونِي عَلَيْهَا فِي مَنْزِلِي حَتَّى أَقْضِيَهَا إِنْ كَانَتْ مُمْكِنَةً إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فصار [فَصَارَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَأَعْلَمَاهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: قُومُوا بِنَا إِلَيْهِ، وَ مَضَى الْجَمْعُ بِأَسْرِهِمْ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَوَجَدُوا الْحُسَيْنَ (عليه السلام) عَلَى الْبَابِ يُقَلِّبُ سَيْفاً لِيَبْتَاعَهُ، قَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ! إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَسْتَأْذِنَ لَنَا عَلَى أَبِيكَ، فَقَالَ: نَعَمْ. ثُمَّ اسْتَأْذَنَ لِلْجَمَاعَةِ فَدَخَلُوا وَ مَعَهُمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَبَدَأَ بِهِ الْجَمْعُ بِالسَّلَامِ، فَرَدَّ (عليهم السلام) مِثْلَ ذَلِكَ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى خَالِدٍ قَالَ: نَعِمْتَ صَبَاحاً يَا أَبَا سُلَيْمَانَ! نِعْمَ الْقِلَادَةُ قِلَادَتُكَ. فَقَالَ: وَ اللَّهِ يَا عَلِيُّ لَا نَجَوْتَ مِنِّي إِنْ سَاعَدَنِي الْأَجَلُ. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌ (عليه السلام): أُفٍّ لَكَ يَا ابْنَ دَمِيمَةَ، إِنَّكَ- وَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ- عِنْدِي لَأَهْوَنُ، وَ مَا رُوحُكَ فِي يَدِي لَوْ أَشَاءُ إِلَّا كَذُبَابَةٍ وَقَعَتْ عَلَى إِدَامٍ حَارٍّ فَطَفِقَتْ مِنْهُ، فَاغْنِ عَنْ نَفْسِكَ غِنَائَهَا، وَ دَعْنَا بِحَالِنَا حُكَمَاءَ، وَ إِلَّا لَأُلْحِقَنَّكَ بِمَنْ أَنْتَ أَحَقُّ بِالْقَتْلِ مِنْهُ، وَ دَعْ عَنْكَ يَا أَبَا سُلَيْمَانَ مَا مَضَى، وَ خُذْ فِيمَا بَقِيَ، وَ اللَّهِ لَا تَجَرَّعْتُ مِنَ الْجِرَارِ الْمُخْتَمَةِ إِلَّا عَلْقَمَهَا، وَ اللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ مَنِيَّتِي وَ مَنِيَّتَكَ وَ رُوحِي وَ رُوحَكَ، فَرُوحِي فِي الْجَنَّةِ وَ رُوحُكَ فِي النَّارِ. قَالَ: وَ حَجَزَ الْجَمِيعُ بَيْنَهُمَا وَ سَأَلُوهُ قَطْعَ الْكَلَامِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعَلِيٍّ (عليه السلام): إِنَّا مَا جِئْنَاكَ لِمَا تُنَاقِضُ مِنْهُ أَبَا سُلَيْمَانَ، وَ إِنَّمَا حَضَرْنَا لِغَيْرِهِ، وَ أَنْتَ لَمْ تَزَلْ يَا أَبَا الْحَسَنِ مُقِيماً عَلَى خِلَافِي وَ الِاجْتِرَاءِ عَلَى أَصْحَابِي، وَ قَدْ تَرَكْنَاكَ فَاتْرُكْنَا، وَ لَا تَرُدَّنَا فَيُرَدَّ عَلَيْكَ مِنَّا مَا يُوحِشُكَ وَ يَزِيدُكَ تَنْوِيماً إِلَى تَنْوِيمِكَ. فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): لَقَدْ أَوْحَشَنِي اللَّهُ مِنْكَ وَ مِنْ جَمْعِكَ، وَ آنَسَ بِي كُلَّ مُسْتَوْحِشٍ، وَ أَمَّا ابْنُ الْوَلِيدِ الْخَاسِرُ، فَإِنِّي أَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُ، إِنَّهُ لَمَّا رَأَى تَكَاثُفَ جُنُودِهِ وَ كَثْرَةَ جَمْعِهِ زَهَا فِي نَفْسِهِ، فَأَرَادَ الْوَضْعَ مِنِّي فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ وَ مَحَلِ ذِي جَمْعٍ، لِيَصُولَ بِذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِ الْجَمْعِ، فَوَضَعْتُ عَنْهُ عِنْدَ مَا خَطَرَ بِبَالِهِ، وَ هَمَّ بِي وَ هُوَ عَارِفٌ بِي حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، وَ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَرْضَى بِفِعْلِهِ. فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: فَنُضِيفُ هَذَا إِلَى تَقَاعُدِكَ عَنْ نُصْرَةِ الْإِسْلَامِ، وَ قِلَّةِ رَغْبَتِكَ فِي الْجِهَادِ، فَبِهَذَا أَمَرَكَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ، أَمْ عَنْ نَفْسِكَ تَفْعَلُ هَذَا؟!. فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): يَا أَبَا بَكْرٍ! وَ عَلَى مِثْلِي يَتَفَقَّهُ الْجَاهِلُونَ؟ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَمَرَكُمْ بِبَيْعَتِي، وَ فَرَضَ عَلَيْكُمْ طَاعَتِي، وَ جَعَلَنِي فِيكُمْ كَبَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ يُؤْتَى وَ لَا يَأْتِي، فَقَالَ: يَا عَلِيُّ! سَتَغْدِرُ بِكَ أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي كَمَا غَدَرَتِ الْأُمَمُ بَعْدَ مُضِيِ الْأَنْبِيَاءِ بِأَوْصِيَائِهَا إِلَّا قَلِيلٌ، وَ سَيَكُونُ لَكَ وَ لَهُمْ بَعْدِي هَنَاةٌ وَ هَنَاةٌ، فَاصْبِرْ، أَنْتَ كَبَيْتِ اللَّهِ: مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَ مَنْ رَغِبَ عَنْهُ كَانَ كَافِراً، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: وَ إِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَ أَمْناً، وَ إِنِّي وَ أَنْتَ سَوَاءٌ إِلَّا النُّبُوَّةَ، فَإِنِّي خَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَ أَنْتَ خَاتَمُ الْوَصِيِّينَ، وَ أَعْلَمَنِي عَنْ رَبِّي سُبْحَانَهُ بِأَنِّي لَسْتُ أَسُلُّ سَيْفاً إِلَّا فِي ثَلَاثَةِ مَوَاطِنَ بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَقَالَ: تُقَاتِلُ النَّاكِثِينَ، وَ الْقَاسِطِينَ، وَ الْمَارِقِينَ، وَ لَمْ يَقْرُبُ أَوَانُ ذَلِكَ بَعْدُ، فَقُلْتُ: فَمَا أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِمَنْ يَنْكُثُ بَيْعَتِي مِنْهُمْ وَ يَجْحَدُ حَقِّي؟ قَالَ: فَاصْبِرْ حَتَّى تَلْقَانِي، وَ تَسْتَسْلِمُ لِمِحْنَتِكَ حَتَّى تَلْقَى نَاصِراً عَلَيْهِمْ. فَقُلْتُ: أَ فَتَخَافُ عَلَيَّ مِنْهُمْ أَنْ يَقْتُلُونَنِي؟! فَقَالَ: تَاللَّهِ لَا أَخَافُ عَلَيْكَ مِنْهُمْ قَتْلًا وَ لَا جِرَاحاً، وَ إِنِّي عَارِفٌ بِمَنِيَّتِكَ وَ سَبَبِهَا، وَ قَدْ أَعْلَمَنِي رَبِّي، وَ لَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْنِيَهُمْ بِسَيْفِكَ فَيَبْطُلَ الدِّينُ، وَ هُوَ حَدِيثٌ، فَيَرْتَدَّ الْقَوْمُ عَنِ التَّوْحِيدِ. وَ لَوْ لَا أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَ قَدْ سَبَقَ مَا هُوَ كَائِنٌ، لَكَانَ لِي فِيمَا أَنْتَ فِيهِ شَأْنٌ مِنَ الشَّأْنِ، وَ لَرَوَيْتُ أَسْيَافاً، وَ قَدْ ظَمِئْتُ إِلَى شُرْبِ الدِّمَاءِ، وَ عِنْدَ قِرَاءَتِكَ صَحِيفَتَكَ تَعْرِفُ نَبَأَ مَا احْتَمَلْتَ مِنْ وِزْرِي، وَ نِعْمَ الْخَصْمُ مُحَمَّدٌ وَ الْحَكَمُ اللَّهُ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا أَبَا الْحَسَنِ! إِنَّا لَمْ نَرُدَّ هَذَا كُلَّهُ، وَ نَحْنُ نَأْمُرُكَ أَنْ تَفْتَحَ لَنَا الْآنَ عَنْ عُنُقِ خَالِدٍ هَذِهِ الْحَدِيدَةَ، فَقَدْ آلَمَهُ بِثِقَلِهِ وَ أَثَّرَ فِي حَلْقِهِ بِحَمْلِهِ، وَ قَدْ شُفِيَتْ غَلِيلُ صَدْرِكَ مِنْهُ. فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): لَوْ أَرَدْتُ أَنْ أَشْفِيَ غَلِيلَ صَدْرِي لَكَانَ السَّيْفُ أَشْفَى لِلدَّاءِ وَ أَقْرَبَ لِلْفَنَاءِ، وَ لَوْ قَتَلْتُهُ وَ اللَّهِ مَا قُدْتُهُ بِرَجُلٍ مِمَّنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَ فِي كَرَّتِهِ هَذِهِ، وَ مَا يُخَالِجُنِي الشَّكُّ فِي أَنَّ خَالِداً مَا احْتَوَى قَلْبُهُ مِنَ الْإِيمَانِ عَلَى قَدْرِ جَنَاحِ بَعُوضَةٍ، وَ أَمَّا الْحَدِيدُ الَّذِي فِي عُنُقِهِ فَلَعَلِّي لَا أَقْدِرُ عَلَى فَكِّهِ، فَيَفُكُّهُ خَالِدٌ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ فُكُّوهُ أَنْتُمْ عَنْهُ، فَأَنْتُمْ أَوْلَى بِهِ إِنْ كَانَ مَا تَدْعُونَهُ صَحِيحاً. فَقَامَ إِلَيْهِ بُرَيْدَةُ الْأَسْلَمِيُّ وَ عَامِرُ بْنُ الْأَشْجَعِ فَقَالا: يَا أَبَا الْحَسَنِ! وَ اللَّهِ لَا يَفُكُّهُ عَنْ عُنُقِهِ إِلَّا مَنْ حَمَلَ بَابَ خَيْبَرَ بِفَرْدِ يَدٍ، وَ دَحَا بِهِ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، وَ حَمَلَهُ وَ جَعَلَهُ جِسْراً تَعْبُرُ النَّاسُ عَلَيْهِ وَ هُوَ فَوْقَ زَنْدِهِ، وَ قَامَ إِلَيْهِ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ فَخَاطَبَهُ أَيْضاً فِيمَنْ خَاطَبَهُ، فَلَمْ يُجِبْ أَحَداً، إِلَى أَنْ قَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: سَأَلْتُكَ بِاللَّهِ وَ بِحَقِّ أَخِيكَ الْمُصْطَفَى رَسُولِ اللَّهِ إِلَّا مَا رَحِمْتَ خَالِداً وَ فَكَكْتَهُ مِنْ عُنُقِهِ. فَلَمَّا سَأَلَهُ بِذَلِكَ اسْتَحْيَا، وَ كَانَ (عليه السلام) كَثِيرَ الْحَيَاءِ، فَجَذَبَ خَالِداً إِلَيْهِ، وَ جَعَلَ يَخْذِفُ مِنَ الطَّوْقِ قِطْعَةً قِطْعَةً وَ يَفْتِلُهَا فِي يَدِهِ، فَانْفَتَلَ كَالشَّمْعِ. ثُمَّ ضَرَبَ بِالْأُولَى رَأْسَ خَالِدٍ، ثُمَّ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ: آهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): قُلْتَهَا عَلَى كُرْهٍ مِنْكَ، وَ لَوْ لَمْ تَقُلْهَا لَأَخْرَجْتُ الثَّالِثَةَ مِنْ أَسْفَلِكَ، وَ لَمْ يَزَلْ يَقْطَعُ الْحَدِيدَ جَمِيعَهُ إِلَى أَنْ أَزَالَهُ عَنْ عُنُقِهِ. وَ جَعَلَ الْجَمَاعَةُ يُكَبِّرُونَ وَ يُهَلِّلُونَ وَ يَتَعَجَّبُونَ مِنَ الْقُوَّةِ الَّتِي أَعْطَاهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، وَ انْصَرَفَتْ شَاكِرِينَ. وَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى زِيَادَةٌ، وَ هِيَ هَذِهِ: فَانْصَرَفَتِ الْجَمَاعَةُ شَاكِرِينَ لَهُ وَ هُمْ مُتَعَجِّبُونَ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا تَعْجَبُوا مِنْ أَبِي الْحَسَنِ، وَ اللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ بِجَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَوْمَ قَلْعِ عَلِيٍّ بَابَ خَيْبَرَ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَدْ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ ثَنَايَاهُ، ثُمَّ بَكَى حَتَّى اخْضَلَّتْ لِحْيَتُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَ ضَحِكٌ وَ بُكَاءٌ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ؟!. قَالَ: نَعَمْ، أَمَّا ضَحِكِي فَفَرِحْتُ بِقَلْعِ عَلِيٍّ بَابَ خَيْبَرَ، وَ أَمَّا بُكَائِي فَلِعَلِيٍّ (عليه السلام)، فَإِنَّهُ مَا قَلَعَهُ إِلَّا وَ هُوَ صَائِمٌ مُذْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ عَلَى الْمَاءِ الْقَرَاحِ، وَ لَوْ كَانَ فَاطِراً عَلَى طَعَامٍ لَدَحَا بِهِ مِنْ وَرَاءِ السُّورِ. 38- ما: هَذَا حَدِيثٌ وَجَدْتُهُ بِخَطِّ بَعْضِ الْمَشَايِخِ (رحمهم الله)، ذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَهُ فِي كِتَابٍ لِأَبِي غَانِمٍ الْأَعْرَجِ- وَ كَانَ مَسْكَنُهُ بِبَابِ الشَّعِيرِ- وَجَدَ بِخَطِّهِ عَلَى ظَهْرِ كِتَابٍ لَهُ حِينَ مَاتَ، وَ هُوَ: أَنَّ عَائِشَةَ بِنْتَ طَلْحَةَ دَخَلَتْ عَلَى فَاطِمَةَ (عليها السلام) فَرَأَتْهَا بَاكِيَةً، فَقَالَتْ لَهَا: بِأَبِي أَنْتِ وَ أُمِّي مَا الَّذِي يُبْكِيكِ؟ فَقَالَتْ لَهَا: أَ سَائِلَتِي عَنْ هَنَةٍ حَلَّقَ بِهَا الطَّائِرُ وَ حَفِيَ بِهَا السَّائِرُ، وَ رُفِعَتْ إِلَى السَّمَاءِ أَثَراً وَ رُزِئَتْ فِي الْأَرْضِ خَبَراً: إِنَّ قَحِيفَ تَيْمٍ وَ أُحَيْوِلَ عَدِيٍّ جَارَيَا أَبَا الْحَسَنِ فِي السِّبَاقِ، حَتَّى إِذَا تَفَرَّيَا بِالْخِنَاقِ أَسَرَّا لَهُ الشَّنَآنَ، وَ طَوَيَاهُ الْإِعْلَانَ، فَلَمَّا خَبَا نُورُ الدِّينِ وَ قُبِضَ النَّبِيُّ الْأَمِينُ نَطَقَا بِفَوْرِهِمَا، وَ نَفَثَا بِسَوْرِهِمَا، وَ أَدَلَّا بِفَدَكَ، فَيَا لَهَا كَمْ مِنْ مِلْكٍ مُلِكَ، إِنَّهَا عَطِيَّةُ الرَّبِّ الْأَعْلَى لِلنَّجِيِّ الْأَوْفَى، وَ لَقَدْ نَحَلَنِيهَا لِلصِّبْيَةِ السَّوَاغِبِ مِنْ نَجْلِهِ وَ نَسْلِي، وَ إِنَّهَا لَبِعِلْمِ اللَّهِ وَ شَهَادَةِ أَمِينِهِ، فَإِنِ انْتَزَعَا مِنِّي الْبُلْغَةَ وَ مَنَعَانِي اللُّمْظَةَ فَأَحْتَسِبُهَا يَوْمَ الْحَشْرِ زُلْفَةً، وَ لْيَجِدَنَّهَا آكِلُوهَا سَاعِرَةَ حَمِيمٍ فِي لَظَى جَحِيمٍ.
بحار الأنوار — كتاب الفتن و المحن · شرح انعقاد السقيفة و كيفية السقيفة] (1)