قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَاذَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْمُفَضَّلِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَعْمَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الزَّيَّاتِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عليهما السلام) قَالَ: لَمَّا انْصَرَفَتْ فَاطِمَةُ (عليها السلام) مِنْ عِنْدِ أَبِي بَكْرٍ أَقْبَلَتْ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام). فَقَالَتْ لَهُ: يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ! اشْتَمَلْتَ مَشِيمَةَ الْجَنِينِ، وَ قَعَدْتَ حُجْرَةَ الظَّنِينِ، نَقَضْتَ قَادِمَةَ الْأَجْدَلِ، فَخَانَكَ رِيشُ الْأَعْزَلِ، هَذَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ قَدِ ابْتَزَّنِي نُحَيْلَةَ أَبِي وَ بُلَيْغَةَ ابْنَيَّ، وَ اللَّهِ لَقَدْ أَجَدَّ فِي ظُلَامَتِي، وَ أَلَدَّ فِي خِصَامِي، حَتَّى مَنَعَتْنِي قَيْلَةُ نَصْرَهَا، وَ الْمُهَاجِرَةُ وَصْلَهَا، وَ غَضَّتِ الْجَمَاعَةُ دُونِي طَرْفَهَا، فَلَا مَانِعَ وَ لَا دَافِعَ، خَرَجْتُ- وَ اللَّهِ- كَاظِمَةً، وَ عُدْتُ رَاغِمَةً، وَ لَيْتَنِي لَا خِيَارَ لِي، لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ ذَلِكَ مِتُّ قَبْلَ ذِلَّتِي! وَ تُوُفِّيتُ قَبْلَ مَنِيَّتِي! عَذِيرِي فِيكَ اللَّهُ حَامِياً، وَ مِنْكَ عَادِياً، وَيْلَاهْ فِي كُلِّ شَارِقٍ! وَيْلَاهْ! مَاتَ الْمُعْتَمَدُ وَ وَهَنَ الْعَضُدُ! شَكْوَايَ إِلَى رَبِّي، وَ عَدْوَايَ إِلَى أَبِي، اللَّهُمَّ أَنْتَ أَشَدُّ قُوَّةً. فَأَجَابَهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): لَا وَيْلَ لَكِ، بَلِ الْوَيْلُ لِشَانِئِكِ، نَهْنِهِي مِنْ غَرْبِكِ يَا بِنْتَ الصَّفْوَةِ وَ بَقِيَّةَ النُّبُوَّةِ، فَوَ اللَّهِ مَا وَنَيْتُ فِي دِينِي، وَ لَا أَخْطَأْتُ مَقْدُورِي، فَإِنْ كُنْتِ تَرْزَءِينَ الْبُلْغَةَ فَرِزْقُكِ مَضْمُونٌ، وَ لَعَيْلَتُكِ مَأْمُونٌ، وَ مَا أُعِدَّ لَكِ خَيْرٌ مِمَّا قُطِعَ عَنْكِ، فَاحْتَسِبِي. فَقَالَتْ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ. و لندفع الإشكال الّذي قلّما لا يخطر بالبال عند سماع هذا الجواب و السؤال، و هو: أنّ اعتراض فاطمة (عليها السلام) على أمير المؤمنين (عليه السلام) في ترك التعرّض للخلافة، و عدم نصرتها، و تخطئته فيهما- مع علمها بإمامته، و وجوب اتّباعه و عصمته، و أنّه لم يفعل شيئا إلّا بأمره تعالى و وصيّة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)- ممّا ينافي عصمتها و جلالتها. فأقول: يمكن أن يجاب عنه: بأنّ هذه الكلمات صدرت منها (عليها السلام) لبعض المصالح، و لم تكن واقعا منكرة لما فعله، بل كانت راضية، و إنّما كان غرضها أن يتبيّن للناس قبح أعمالهم و شناعة أفعالهم، و أنّ سكوته (عليه السلام) ليس لرضاه بما أتوا به. و مثل هذا كثيرا ما يقع في العادات و المحاورات، كما أنّ ملكا يعاتب بعض خواصّه في أمر بعض الرعايا، مع علمه ببراءته من جنايتهم، ليظهر لهم عظم جرمهم، و أنّه ممّا استوجب به أخصّ الناس بالملك منه المعاتبة. و نظير ذلك ما فعله موسى (عليه السلام)- لمّا رجع ﴿إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً﴾ من إلقائه الألواح، و أخذه برأس أخيه يجرّه إليه- و لم يكن غرضه الإنكار على هارون، بل أراد بذلك أن يعرّف القوم عظم جنايتهم، و شدّة جرمهم، كما مرّ الكلام فيه. و أمّا حمله على أنّ شدّة الغضب و الأسف و الغيظ حملتها على ذلك- مع علمها بحقّية ما ارتكبه (عليه السلام)- فلا ينفع في دفع الفساد، و ينافي عصمتها و جلالتها الّتي عجزت عن إدراكها أحلام العباد. بقي هاهنا إشكال آخر، و هو: أنّ طلب الحقّ و المبالغة فيه و إن لم يكن منافيا للعصمة، لكن زهدها (صلوات اللّه عليها)، و تركها للدنيا، و عدم اعتدادها بنعيمها و لذّاتها، و كمال عرفانها و يقينها بفناء الدنيا، و توجّه نفسها القدسية، و انصراف همّتها العالية دائما إلى اللذات المعنوية و الدرجات الأخروية، لا تناسب مثل هذا الاهتمام في أمر فدك، و الخروج إلى مجمع الناس، و المنازعة مع المنافقين في تحصيله. و الجواب عنه من وجهين: الأول: أنّ ذلك لم يكن حقّا مخصوصا لها، بل كان أولادها البررة الكرام مشاركين لها فيه، فلم يكن يجوز لها المداهنة و المساهلة و المحاباة و عدم المبالاة في ذلك، ليصير سببا لتضييع حقوق جماعة من الأئمّة الأعلام و الأشراف الكرام نعم لو كان مختصّا بها كان لها تركه و الزهد فيه و عدم التأثر من فوته. الثاني: أنّ تلك الأمور لم تكن لمحبّة فدك و حبّ الدنيا، بل كان الغرض إظهار ظلمهم و جورهم و كفرهم و نفاقهم، و هذا كان من أهمّ أمور الدين و أعظم الحقوق على المسلمين. و يؤيّده أنّها (صلوات اللّه عليها) صرّحت في آخر الكلام حيث قالت: قلت ما قلت على معرفة منّي بالخذلة.. و كفى بهذه الخطبة بيّنة على كفرهم و نفاقهم. و نشيّد ذلك بإيراد رواية بعض المخالفين في ذلك:.
بحار الأنوار — كتاب الفتن و المحن · شرح انعقاد السقيفة و كيفية السقيفة] (1)