الأقسامبحار الأنواركتاب الفتن و المحن
بحار الأنوار

وَ رَوَى فِي الْمِشْكَاةِ عَنِ الْمِسْوَرِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ: فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي فَمَنْ أَغْضَبَهَا أَغْضَبَنِي. قَالَ: وَ فِي رِوَايَةٍ: يُرِيبُنِي مَا أَرَابَهَا وَ يُؤْذِينِي مَا آذَاهَا. ثم قال: متّفق عليه. و روى ابن شهرآشوب في المناقب، و السيّد في الطرائف، و ابن بطريق في العمدة و المستدرك، و عليّ بن عيسى في كشف الغمّة و غيرهم أخبارا كثيرة في هذا المعنى من أصول المخالفين أوردتها في أبواب فضائلها. و وجه الاستدلال بها على عصمتها (صلوات اللّه عليها) أنّه إذا كانت فاطمة (عليها السلام) ممّن تقارف الذنوب و ترتكبها لجاز إيذاؤها، بل إقامة الحدّ عليها لو فعلت معصية أو ارتكبت ما يوجب حدّا، و لم يكن رضاها رضى للّه سبحانه إذا رضيت بالمعصية، و لا من سرّها في معصية سارّا للّه سبحانه و من أغضبها بمنعها عن ارتكابها مغضبا له جلّ شأنه. فإن قيل: لعلّ المراد من آذاها ظلما فقد آذاني، و من سرّها في طاعة اللّه فقد سرّني.. و أمثال ذلك، لشيوع التخصيص في العمومات. قلنا: أوّلا: التخصيص خلاف الأصل، و لا يصار إليه إلّا بدليل، فمن أراد التخصيص فعليه إقامة الدليل. و ثانيا: أنّ فاطمة (صلوات اللّه عليها) تكون حينئذ كسائر المسلمين لم تثبت لها خصوصيّة و مزيّة في تلك الأخبار، و لا كان فيها لها تشريف و مدحة، و ذلك باطل بوجوه: الأوّل: أنّه لا معنى حينئذ لتفريع كون إيذائها إيذاء الرسول على كونها بضعة منه، كما مرّ فيما صحّحه البخاري و مسلم من الروايات و غيرها. الثاني: أنّ كثيرا من الأخبار السالفة المتضمّنة لإنكاره (صلّى اللّه عليه و آله) على بني هاشم في أن ينكحوا ابنتهم عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) أو إنكاح بنت أبي جهل ليس من المشتركات بين المسلمين، فإنّ ذلك النكاح كان ممّا أباحه اللّه سبحانه، بل ممّا رغّب فيه و حثّ عليه لو لا كونه إيذاء لسيّدة النساء، و قد علّل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عدم الإذن كونها بضعة منه يؤذيه ما آذاها و يريبه ما يريبها، فظهر بطلان القول بعموم الحكم لكافة المسلمين. الثالث: أنّ القول بذلك يوجب إلقاء كلامه (صلّى اللّه عليه و آله) و خلوّه عن الفائدة، إذ مدلوله حينئذ أنّ بضعته كسائر المسلمين، و لا يقول ذلك من أوتي حظّا من الفهم و الفطانة، أو اتّصف بشيء من الإنصاف و الأمانة، و قد أطبق محدّثوهم على إيراد تلك الروايات في باب مناقبها (صلوات اللّه عليها). فإن قيل: أقصى ما يدلّ عليه الأخبار هو أنّ إيذاءها إيذاء للرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، و من جوّز صدور الذنب عنه (صلّى اللّه عليه و آله) لا يأبى عن إيذائه إذا فعل ما يستحقّ به الإيذاء. قلنا: بعد ما مرّ من الدلائل على عصمة الأنبياء (عليهم السلام)، قال اللّه تعالى: ﴿‏وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏﴾، و قال سبحانه: ﴿‏وَ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ‏﴾، و قال تعالى: ﴿‏إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً‏﴾، فالقول بجواز إيذائه (صلّى اللّه عليه و آله) ردّ لصريح القرآن، و لا يرضى به أحد من أهل الإيمان. فإن قيل: إنّما دلّت الأخبار على عدم جواز إيذائها، و هو إنّما ينافي صدور ذنب عنها يمكن للناس الاطلاع عليه حتى يؤذيها نهيا عن المنكر، و لا ينافي صدور معصية عنها خفية فلا يدلّ على عصمتها مطلقا. قلنا: نتمسّك في دفع هذا الاحتمال بالإجماع المركّب على أنّ ما جرى في قصّة فدك و صدر عنها من الإنكار على أبي بكر، و مجاهرتها بالحكم بكفره و كفر طائفة من الصحابة و فسقهم تصريحا و تلويحا، و تظلّمها و غضبها على أبي بكر و هجرتها و ترك كلامها حتى ماتت لو كانت معصية لكانت من المعاصي الظاهرة التي قد أعلنت بها على رءوس الأشهاد، و أيّ ذنب أظهر و أفحش من مثل هذا الردّ و الإنكار على الخليفة المفترض الطاعة على العالمين بزعمهم، فلا محيص لهم عن القول ببطلان خلافة خليفتهم العظمى تحرّزا عن إسناد هذه المعصية الكبرى إلى سيّدة النساء. و نحتجّ أيضا في عصمتها (صلوات اللّه عليها) بالأخبار الدالّة على وجوب التمسّك بأهل البيت (عليهم السلام)، و عدم جواز التخلّف عنهم، و ما يقرب من هذا المعنى، و لا ريب في أنّ ذلك لا يكون ثابتا لأحد إلّا إذا كان معصوما، إذ لو كان ممّن يصدر عنه الذنوب لما جاز اتّباعه عند ارتكابها، بل يجب ردعه و منعه و إيذاؤه، و إقامة الحدّ عليه، و إنكاره بالقلب و اللسان، و كلّ ذلك ينافي ما حثّ عليه الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و أوصى به الأمّة في شأنهم، و سيأتي من الأخبار في ذلك ما يتجاوز حدّ التواتر، و لنذكر فيها قليلا ممّا أورده المخالفون في صحاحهم:.

بحار الأنوار — كتاب الفتن و المحن · شرح انعقاد السقيفة و كيفية السقيفة] (1)

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.