د: فِي كِتَابِ الْإِرْشَادِ لِكَيْفِيَّةِ الطَّلَبِ فِي أَئِمَّةِ الْعِبَادِ تَصْنِيفِ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَسَنِ الصَّفَّارِ، قَالَ: وَ قَدْ كَفَانَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (صلوات الله عليه) الْمَئُونَةَ فِي خُطْبَةٍ خَطَبَهَا، أَوْدَعَهَا مِنَ الْبَيَانِ وَ الْبُرْهَانِ مَا يُجْلِي الْغِشَاوَةَ عَنْ أَبْصَارِ مُتَأَمِّلِيهِ، وَ الْعَمَى عَنْ عُيُونِ مُتَدَبِّرِيهِ، وَ حَلَّيْنَا هَذَا الْكِتَابَ بِهَا لِيَزْدَادَ الْمُسْتَرْشِدُونَ فِي هَذَا الْأَمْرِ بَصِيرَةً، وَ هِيَ مِنَّةُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَلَيْنَا وَ عَلَيْهِمْ يَجِبُ شُكْرُهَا.. خَطَبَ (صلوات الله عليه) فَقَالَ: مَا لَنَا وَ لِقُرَيْشٍ! وَ مَا تُنْكِرُ مِنَّا قُرَيْشٌ غَيْرَ أَنَّا أَهْلُ بَيْتٍ شَيَّدَ اللَّهُ فَوْقَ بُنْيَانِهِمْ بُنْيَانَنَا، وَ أَعْلَى فَوْقَ رُءُوسِهِمْ رُءُوسَنَا، وَ اخْتَارَنَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَنَقَمُوا عَلَى اللَّهِ أَنِ اخْتَارَنَا عَلَيْهِمْ، وَ سَخِطُوا مَا رَضِيَ اللَّهُ، وَ أَحَبُّوا مَا كَرِهَ اللَّهُ، فَلَمَّا اخْتَارَنَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ شَرِكْنَاهُمْ فِي حَرِيمِنَا، وَ عَرَّفْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَ النُّبُوَّةَ، وَ عَلَّمْنَاهُمُ الْفَرْضَ وَ الدِّينَ، وَ حَفَّظْنَاهُمُ الصُّحُفَ وَ الزُّبُرَ، وَ دَيَّنَّاهُمُ الدِّينَ وَ الْإِسْلَامَ، فَوَثَبُوا عَلَيْنَا، وَ جَحَدُوا فَضْلَنَا، وَ مَنَعُونَا حَقَّنَا، وَ أَلَتُونَا أَسْبَابَ أَعْمَالِنَا وَ أَعْلَامِنَا، اللَّهُمَّ فَإِنِّي أَسْتَعْدِيكَ عَلَى قُرَيْشٍ فَخُذْ لِي بِحَقِّي مِنْهَا، وَ لَا تَدَعْ مَظْلِمَتِي لَدَيْهَا، وَ طَالِبْهُمْ- يَا رَبِّ- بِحَقِّي، فَإِنَّكَ الْحَكَمُ الْعَدْلُ، فَإِنَّ قُرَيْشاً صَغَّرَتْ عَظِيمَ أَمْرِي، وَ اسْتَحَلَّتِ الْمَحَارِمَ مِنِّي، وَ اسْتَخَفَّتْ بِعِرْضِي وَ عَشِيرَتِي، وَ قَهَرَتْنِي عَلَى مِيرَاثِي مِنِ ابْنِ عَمِّي وَ أَغْرَوْا بِي أَعْدَائِي، وَ وَتَرُوا بَيْنِي وَ بَيْنَ الْعَرَبِ وَ الْعَجَمِ، وَ سَلَبُونِي مَا مَهَّدْتُ لِنَفْسِي مِنْ لَدُنْ صِبَايَ بِجُهْدِي وَ كَدِّي، وَ مَنَعُونِي مَا خَلَّفَهُ أَخِي وَ جِسْمِي وَ شَقِيقِي، وَ قَالُوا: إِنَّكَ لَحَرِيصٌ مُتَّهَمٌ! أَ لَيْسَ بِنَا اهْتَدَوْا مِنْ مَتَاهِ الْكُفْرِ، وَ مِنْ عَمَى الضَّلَالَةِ وَ عِيِ الظَّلْمَاءِ، أَ لَيْسَ أَنْقَذْتُهُمْ مِنَ الْفِتْنَةِ الصَّمَّاءِ، وَ الْمِحْنَةِ الْعَمْيَاءِ؟ وَيْلَهُمْ! أَ لَمْ أُخَلِّصْهُمْ مِنْ نِيرَانِ الطُّغَاةِ، وَ كَرَّةِ الْعُتَاةِ، وَ سُيُوفِ الْبُغَاةِ، وَ وَطْأَةِ الْأَسَدِ، وَ مُقَارَعَةِ الطَّمَاطِمَةِ، وَ مُمَاحَكَةِ الْقَمَاقِمَةِ، الَّذِينَ كَانُوا عُجْمَ الْعَرَبِ، وَ غُنْمَ الْحُرُوبِ، وَ قُطْبَ الْإِقْدَامِ، وَ جِبَالَ الْقِتَالِ، وَ سِهَامَ الْخُطُوبِ، وَ سَلَّ السُّيُوفِ، أَ لَيْسَ بِي كَانَ يَقْطَعُ الدُّرُوعَ الدِّلَاصَ، وَ تَصْطَلِمُ الرِّجَالَ الْحِرَاصَ، وَ بِي كَانَ يَفْرِي جَمَاجِمَ الْبُهَمَ، وَ هَامَ الْأَبْطَالِ، إِذَا فَزِعَتْ تَيْمٌ إِلَى الْفِرَارِ، وَ عَدِيٌّ إِلَى الِانْتِكَاصِ؟! أَمَا وَ إِنِّي لَوْ أَسْلَمْتُ قُرَيْشاً لِلْمَنَايَا وَ الْحُتُوفِ، وَ تَرَكْتُهَا فَحَصَدَتْهَا سُيُوفُ الْغَوَانِمِ، وَ وَطَأَتْهَا خُيُولُ الْأَعَاجِمِ، وَ كَرَّاتُ الْأَعَادِي، وَ حَمَلَاتُ الْأَعَالِي، وَ طَحَنَتْهُمْ سَنَابِكُ الْصَافِنَاتِ، وَ حَوَافِرُ الصَّاهِلَاتِ، فِي مَوَاقِفِ الْأَزْلِ وَ الْهَزْلِ فِي ظِلَالِ الْأَعِنَّةِ وَ بَرِيقِ الْأَسِنَّةِ، مَا بَقُوا لِهَضْمِي، وَ لَا عَاشُوا لِظُلْمِي، وَ لَمَا قَالُوا: إِنَّكَ لَحَرِيصٌ مُتَّهَمٌ! الْيَوْمَ نَتَوَاقَفُ عَلَى حُدُودِ الْحَقِّ وَ الْبَاطِلِ، اللَّهُمَ افْتَحْ بَيْنَنا وَ بَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِ، فَإِنِّي مَهَّدْتُ مِهَادَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ رَفَعْتُ أَعْلَامَ دِينِكَ، وَ أَعْلَنْتُ مَنَارَ رَسُولِكَ، فَوَثَبُوا عَلَيَّ وَ غَالَبُونِي وَ نَالُونِي وَ وَاتَرُونِي.. فَقَامَ إِلَيْهِ أَبُو حَازِمٍ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)! أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ ظَلَمَاكَ؟ أَ حَقَّكَ أَخَذَا؟ وَ عَلَى الْبَاطِلِ مَضَيَا؟ أَ عَلَى حَقٍّ كَانَا؟ أَ عَلَى صَوَابٍ أَقَامَا؟ أَمْ مِيرَاثَكَ غَصَبَا؟ أَفْهِمْنَا لِنَعْلَمَ بَاطِلَهُمْ مِنْ حَقِّكَ؟ أَوْ نَعْلَمَ حَقَّهُمَا مِنْ حَقِّكَ؟ أَ بَزَّاكَ أَمْرَكَ؟ أَمْ غَصَبَاكَ إِمَامَتَكَ؟ أَمْ غَالَبَاكَ فِيهَا عَزّاً؟ أَمْ سَبَقَاكَ إِلَيْهَا عِجْلًا فَجَرَتِ الْفِتْنَةُ وَ لَمْ تَسْتَطِعْ مِنْهَا اسْتِقْلَالًا؟! فَإِنَّ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارَ يَظُنَّانِ أَنَّهُمَا كَانَا عَلَى حَقٍّ وَ عَلَى الْحُجَّةِ الْوَاضِحَةِ مَضَيَا. فَقَالَ (صلوات الله عليه): يَا أَخَا الْيَمَنِ! لَا بِحَقٍّ أَخَذَا، وَ لَا عَلَى إِصَابَةٍ أَقَامَا، وَ لَا عَلَى دِيْنٍ مَضَيَا، وَ لَا عَلَى فِتْنَةٍ خَشِيَا، يَرْحَمُكَ اللَّهُ، الْيَوْمَ نَتَوَاقَفُ عَلَى حُدُودِ الْحَقِّ وَ الْبَاطِلِ! أَ تَعْلَمُونَ- يَا إِخْوَانِي- أَنَّ بَنِي يَعْقُوبَ عَلَى حَقٍّ وَ مَحَجَّةٍ كَانُوا حِينَ بَاعُوا أَخَاهُمْ، وَ عَقُّوا أَبَاهُمْ، وَ خَانُوا خَالِقَهُمْ، وَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ؟!. فَقَالُوا: لَا. فَقَالَ: رَحِمَكُمُ اللَّهُ، أَ يَعْلَمُ إِخْوَانُكَ هَؤُلَاءِ أَنَّ ابْنَ آدَمَ- قَاتِلَ الْأَخِ- كَانَ عَلَى حَقٍّ وَ مَحَجَّةٍ وَ إِصَابَةٍ وَ أَمْرَهُ مِنْ رِضَى اللَّهِ؟. فَقَالُوا: لَا. فَقَالَ: أَ وَ لَيْسَ كُلٌّ فَعَلَ بِصَاحِبِهِ مَا فَعَلَ لِحَسَدِهِ إِيَّاهُ وَ عُدْوَانِهِ وَ بَغْضَائِهِ لَهُ؟. فَقَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: وَ كَذَلِكَ فَعَلَا بِي مَا فَعَلَا حَسَداً، ثُمَّ إِنَّهُ لَمْ يَتُبْ عَلَى وُلْدِ يَعْقُوبَ إِلَّا بَعْدَ اسْتِغْفَارٍ وَ تَوْبَةٍ، وَ إِقْلَاعٍ وَ إِنَابَةٍ، وَ إِقْرَارٍ، وَ لَوْ أَنَّ قُرَيْشاً تَابَتْ إِلَيَّ وَ اعْتَذَرَتْ مِنْ فِعْلِهَا لَاسْتَغْفَرْتُ اللَّهَ لَهَا. ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا أُنْطِقُ لَكُمُ الْعَجْمَاءَ ذَاتَ الْبَيَانِ، وَ أُفْصِحُ الْخَرْسَاءَ ذَاتَ الْبُرْهَانِ، لِأَنِّي فَتَحْتُ الْإِسْلَامَ، وَ نَصَرْتُ الدِّينَ، وَ عَزَزْتُ الرَّسُولَ، وَ ثَبَّتُ أَرْكَانَ الْإِسْلَامِ، وَ بَيَّنْتُ أَعْلَامَهُ، وَ عَلَيْتُ مَنَارَهُ، وَ أَعْلَنْتُ أَسْرَارَهُ، وَ أَظْهَرْتُ آثَارَهُ وَ حَالَهُ، وَ صَفَّيْتُ الدَّوْلَةَ، وَ وَطَّئْتُ لِلْمَاشِي وَ الرَّاكِبِ، ثُمَّ قُدْتُهَا صَافِيَةً، عَلَى أَنِّي بِهَا مُسْتَأْثِراً. ثُمَّ قَالَ- بَعْدَ كَلَامٍ-: ثُمَّ سَبَقَنِي إِلَيْهِ التَّيْمِيُّ وَ الْعَدَوِيُّ كَسُبَّاقِ الْفَرَسِ احْتِيَالًا وَ اغْتِيَالًا، وَ خُدْعَةً وَ غَلَبَةً. ثُمَّ قَالَ- بَعْدَ كَلَامٍ-: الْيَوْمَ أُنْطِقُ الْخَرْسَاءَ ذَاتَ الْبُرْهَانِ، وَ أُفْصِحُ الْعَجْمَاءَ ذَاتَ الْبَيَانِ، فَإِنَّهُ شَارَطَنِي رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي كُلِّ مَوْطِنٍ مِنْ مَوَاطِنِ الْحُرُوبِ، وَ صَافَقَنِي عَلَى أَنْ أُحَارِبَ لِلَّهِ وَ أُحَامِيَ لِلَّهِ، وَ أَنْصُرَ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) جُهْدِي وَ طَاقَتِي وَ كَدْحِي، وَ كَدِّي، وَ أُحَامِيَ عَنْ حَرِيمِ الْإِسْلَامِ، وَ أَرْفَعَ عَنْ إِطْنَابِ الدِّينِ، وَ أُعِزَّ الْإِسْلَامَ وَ أَهْلَهُ، عَلَى أَنَّ مَا فَتَحْتُ وَ بَيَّنْتُ عَلَيْهِ دَعْوَةَ الرَّسُولِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ قَرَأْتُ فِيهِ الْمَصَاحِفَ، وَ عُبِدَ فِيهِ الرَّحْمَنُ، وَ فُهِمَ بِهِ الْقُرْآنُ، فَلِي إِمَامَتُهُ وَ حَلُّهُ وَ عَقْدُهُ، وَ إِصْدَارُهُ وَ إِيرَادُهُ، وَ لِفَاطِمَةَ فَدَكُ وَ مِمَّا خَلَّفَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) النِّصْفُ، فَسَبَقَانِي إِلَى جَمِيعٍ نِهَايَةَ الْمَيْدَانِ يَوْمَ الرِّهَانِ، وَ مَا شَكَكْتُ فِي الْحَقِّ مُنْذُ رَأَيْتُهُ، هَلَكَ قَوْمٌ أُرْجِفُوا عَنِّي أَنَّهُ لَمْ يُوجِسْ مُوسَى فِي ﴿نَفْسِهِ خِيفَةً﴾ ارْتِيَاباً وَ لَا شَكّاً فِيمَا أَتَاهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَ لَمْ أَشْكُكْ فِيمَا أَتَانِي مِنْ حَقِّ اللَّهِ، وَ لَا ارْتَبْتُ فِي إِمَامَتِي وَ خِلَافَةِ ابْنِ عَمِّي وَ وَصِيَّةِ الرَّسُولِ، وَ إِنَّمَا أَشْفَقَ أَخُو مُوسَى مِنْ غَلَبَةِ الْجُهَّالِ، وَ دُوَلِ الضُّلَّالِ، وَ غَلَبَةِ الْبَاطِلِ عَلَى الْحَقِّ، وَ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ: وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَاطِمَةَ فَنَحَلَهَا فَدَكَ وَ أَقَامَنِي لِلنَّاسِ عَلَماً وَ إِمَاماً، وَ عَقَدَ لِي وَ عَهِدَ إِلَيَّ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ فَقَاتَلْتُ حَقَّ الْقِتَالِ، وَ صَبَرْتُ حَقَّ الصَّبْرِ، عَلَى أَنَّهُ أَعَزَّ تَيْماً وَ عَدِيّاً عَلَى دِيْنٍ أَتَتْ بِهِ تَيْمٌ وَ عَدِيٌّ، أَمْ عَلَى دِيْنٍ أَتَى بِهِ ابْنُ عَمِّي وَ صِنْوِي وَ جِسْمِي، عَلَى أَنْ أَنْصُرَ تَيْماً وَ عَدِيّاً أَمْ أَنْصُرَ ابْنَ عَمِّي وَ حَقِّي وَ دِينِي وَ إِمَامَتِي؟ وَ إِنَّمَا قُمْتُ تِلْكَ الْمَقَامَاتِ، وَ احْتَمَلْتُ تِلْكَ الشَّدَائِدَ، وَ تَعَرَّضْتُ لِلْحُتُوفِ عَلَى أَنْ يُصِيبَنِي مِنَ الْآخِرَةِ مُوَفَّراً، وَ إِنِّي صَاحِبُ مُحَمَّدٍ وَ خَلِيفَتُهُ، وَ إِمَامُ أُمَّتِهِ بَعْدَهُ، وَ صَاحِبُ رَايَتِهِ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ. الْيَوْمَ أَكْشِفُ السَّرِيرَةَ عَنْ حَقِّي، وَ أُجْلِي الْقَذَى عَنْ ظُلَامَتِي، حَتَّى يَظْهَرَ لِأَهْلِ اللُّبِّ وَ الْمَعْرِفَةِ أَنِّي مُذَلَّلٌ مُضْطَهَدٌ مَظْلُومٌ مَغْصُوبٌ مَقْهُورٌ مَحْقُورٌ، وَ أَنَّهُمُ ابْتَزُّوا حَقِّي، وَ اسْتَأْثَرُوا بِمِيرَاثِي!. الْيَوْمَ نَتَوَاقَفُ عَلَى حُدُودِ الْحَقِّ وَ الْبَاطِلِ، مَنِ اسْتَوْدَعَ خَائِناً فَقَدْ غَشَّ نَفْسَهُ، مَنِ اسْتَرْعَى ذِئْباً فَقَدْ ظَلَمَ، مَنْ وَلِيَ غَشُوماً فَقَدِ اضْطَهَدَ، هَذَا مَوْقِفُ صِدْقٍ، وَ مَقَامٌ أَنْطِقُ فِيهِ بِحَقِّي، وَ أَكْشِفُ السِّتْرَ وَ الْغُمَّةَ عَنْ ظُلَامَتِي! يَا مَعْشَرَ الْمُجَاهِدِينَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ! أَيْنَ كَانَتْ سِبْقَةُ تَيْمٍ وَ عَدِيٍّ إِلَى سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ خَوْفُ الْفِتْنَةِ؟! أَلَا كَانَتْ يَوْمَ الْأَبْوَاءِ إِذْ تكانفت [تَكَاثَفَتِ الصُّفُوفُ، وَ تَكَاثَرَتِ الْحُتُوفُ، وَ تَقَارَعَتِ السُّيُوفُ؟ أَمْ هَلَّا خَشِيَا فِتْنَةَ الْإِسْلَامِ يَوْمَ ابْنِ عَبْدِ وُدٍّ وَ قَدْ نَفَخَ بِسَيْفِهِ، وَ شَمَخَ بِأَنْفِهِ، وَ طَمَحَ بِطَرْفِهِ؟! وَ لِمَ لَمْ يُشْفِقَا عَلَى الدِّينِ وَ أَهْلِهِ يَوْمَ بُوَاطَ إِذَا اسْوَدَّ لَوْنُ الْأُفُقِ، وَ اعْوَجَّ عَظْمُ الْعُنُقِ، وَ انْحَلَّ سَيْلُ الْغَرَقِ؟ وَ لَمْ يُشْفِقَا يَوْمَ رَضْوَى إِذِ السِّهَامُ تَطِيرُ، وَ الْمَنَايَا تَسِيرُ، وَ الْأَسَدُ تَزْأَرُ؟ وَ هَلَّا بَادَرَا يَوْمَ الْعَشِيرَةِ إِذَا الْأَسْنَانُ تَصْطَكُّ، وَ الْآذَانُ تَسْتَكُّ، وَ الدُّرُوعُ تُهْتَكُ؟ وَ هَلَّا كَانَتْ مُبَادَرَتُهُمَا يَوْمَ بَدْرٍ، إِذِ الْأَرْوَاحُ فِي الصُّعَدَاءِ تَرْتَقِي، وَ الْجِيَادُ بِالْصَنَادِيدِ تَرْتَدِي، وَ الْأَرْضُ مِنْ دِمَاءِ الْأَبْطَالِ تَرْتَوِي؟ وَ لِمَ لَمْ يُشْفِقَا عَلَى الدِّينِ يَوْمَ بَدْرِ الثَّانِيَةِ، وَ الرَّعَابِيبُ تَرْعَبُ، وَ الْأَوْدَاجُ تَشْخُبُ، وَ الصُّدُورُ تُخْضَبُ؟ أَمْ هَلَّا بَادَرَا يَوْمَ ذَاتِ اللُّيُوثِ، وَ قَدْ أُبِيحَ المتولب [التَّوْلَبُ، وَ اصْطَلَمَ الشَّوْقَبُ، وَ ادْلَهَمَّ الْكَوْكَبُ؟! وَ لِمَ لَا كَانَتْ شَفَقَتُهُمَا عَلَى الْإِسْلَامِ يَوْمَ الْكَدِرِ، وَ الْعُيُونُ تَدْمَعُ، وَ الْمَنِيَّةُ تَلْمَعُ، وَ الصَّفَائِحُ تَنْزِعُ.. ثُمَّ عَدَّدَ وَقَائِعَ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) كُلَّهَا عَلَى هَذَا النَّسَقِ، وَ قَرَعَهُمَا بِأَنَّهُمَا فِي هَذِهِ الْمَوَاقِفِ كُلِّهَا كَانَا مَعَ النَّظَّارَةِ وَ الْخَوَالِفِ وَ الْقَاعِدِينَ، فَكَيْفَ بَادَرَا الْفِتْنَةَ بِزَعْمِهِمَا يَوْمَ السَّقِيفَةِ وَ قَدْ تَوَطَّأَ الْإِسْلَامُ بِسَيْفِهِ، وَ اسْتَقَرَّ قَرَارَهُ، وَ زَالَ حِذَارُهُ. ثُمَّ قَالَ- بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ-: مَا هَذِهِ الدَّهْمَاءُ وَ الدَّهْيَاءُ الَّتِي وَرَدَتْ عَلَيْنَا مِنْ قُرَيْشٍ؟! أَنَا صَاحِبُ هَذِهِ الْمَشَاهِدِ، وَ أَبُو هَذِهِ الْمَوَاقِفِ، وَ ابْنُ هَذِهِ الْأَفْعَالِ. يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ! إِنِّي عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ أَمْرِي، وَ عَلَى ثِقَةٍ مِنْ دِينِي، الْيَوْمَ أَنْطَقْتُ الْخَرْسَاءَ الْبَيَانَ، وَ فَهَّمْتُ الْعَجْمَاءَ الْفَصَاحَةَ، وَ أَتَيْتُ الْعَمْيَاءَ بِالْبُرْهَانِ، هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ قَدْ تَوَافَقْنَا عَلَى حُدُودِ الْحَقِّ وَ الْبَاطِلِ، وَ أَخْرَجْتُكُمْ مِنَ الشُّبْهَةِ إِلَى الْحَقِّ، وَ مِنَ الشَّكِّ إِلَى الْيَقِينِ، فَتَبَرَّءُوا- رَحِمَكُمُ اللَّهُ مِمَّنْ نَكَثَ الْبَيْعَتَيْنِ، وَ غَلَبَ الْهَوَى بِهِ فَضَلَّ، وَ أَبْعِدُوا- رَحِمَكُمُ اللَّهُ- مِمَّنْ أَخْفَى الْغَدْرَ وَ طَلَبَ الْحَقَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ فَتَاهَ، وَ الْعَنُوا- رَحِمَكُمُ اللَّهُ- مَنِ انْهَزَمَ الْهَزِيمَتَيْنِ إِذْ يَقُولُ اللَّهُ: إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ، وَ قَالَ: وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَ ضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ. وَ اغْضِبُوا- رَحِمَكُمُ اللَّهُ- عَلَى مَنْ غَضَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَ تَبَرَّءُوا- رَحِمَكُمُ اللَّهُ- مِمَّنْ يَقُولُ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): يَرْتَفِعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رِيحٌ سَوْدَاءُ تَخْتَطِفُ مِنْ دُونِي قَوْماً مِنْ أَصْحَابِي مِنْ عُظَمَاءِ الْمُهَاجِرِينَ، فَأَقُولُ: أُصَيْحَابِي. فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ. وَ تَبَرَّءُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ مِنَ النَّفْسِ الضَّالِّ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ: يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَ لا خِلالٌ فَيَقُولُوا: رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ وَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَقُولُوا: يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَ إِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ أَوْ يَقُولُوا: وَ ما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ أَوْ يَقُولُوا: رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَ كُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا ﴿السَّبِيلَا﴾، إِنَّ قُرَيْشاً طَلَبَتِ السَّعَادَةَ فَشَقِيَتْ، وَ طَلَبَتِ النَّجَاةَ فَهَلَكَتْ، وَ طَلَبَتِ الْهِدَايَةَ فَضَلَّتْ. إِنَّ قُرَيْشاً قَدْ أَضَلَّتْ أَهْلَ دَهْرِهَا وَ مَنْ يَأْتِي مِنْ بَعْدِهَا مِنَ الْقُرُونِ، إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ اسْمُهُ وَضَعَ إِمَامَتِي فِي قُرْآنِهِ فَقَالَ: وَ الَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَ قِياماً ﴿وَ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَ ذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَ اجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً﴾، وَ قَالَ: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ وَ أَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَ نَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَ لِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ.. وَ هَذِهِ خُطْبَةٌ طَوِيلَةٌ. وَ قَدْ قَالَ (صلوات الله عليه) فِي بَعْضِ مَقَامَاتِهِ كَلَاماً لَوْ لَمْ يَقُلْ غَيْرَهُ لَكَفَى قَوْلُهُ (صلوات الله عليه): أَنَا وَلِيُّ هَذَا الْأَمْرِ دُونَ قُرَيْشٍ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ: الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بِعِتْقِ الرِّقَابِ مِنَ النَّارِ، وَ بِعِتْقِهَا مِنَ السَّيْفِ، وَ هَذَانِ لَمَّا اجْتَمَعَا كَانَا أَفْضَلَ مِنْ عِتْقِ الرِّقَابِ مِنَ الرِّقِّ، فَمَا كَانَ لِقُرَيْشٍ عَلَى الْعَرَبِ بِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) كَانَ لِبَنِي هَاشِمٍ عَلَى قُرَيْشٍ، وَ مَا كَانَ لِبَنِي هَاشِمٍ عَلَى قُرَيْشٍ بِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) كَانَ لِي عَلَى بَنِي هَاشِمٍ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ: «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ»..
بحار الأنوار — كتاب الفتن و المحن · شرح انعقاد السقيفة و كيفية السقيفة] (1)