وَ مِنْهَا: قَوْلُهُ (عليه السلام) فِي الْبَيْعَةِ:.. فَنَظَرْتُ فِي أَمْرِي فَإِذَا طَاعَتِي قَدْ سَبَقَتْ بَيْعَتِي، وَ إِذَا الْمِيثَاقُ فِي عُنُقِي لِغَيْرِي. و قد مرّ في هذا الكتاب و سيأتي من تظلّمه (عليه السلام) منهم و شكايته (عليه السلام) عنهم، و قدحه فيهم، لا سيّما ما أوردناه في باب غصب الخلافة، و باب مثالب الثلاثة، و باب ما جرى بينه و بين عثمان، و ما ذكره في الإحتجاج على من يطلب ثاره، و ما ذكره لأبي ذرّ عند إخراجه.. ما لو أعدناه لكان أكثر ممّا أوردنا بكثير، لكن الأمر على الطالب يسير، و الجرعة تدلّ على الغدير، و الحبّة على البيدر الكبير. و قد قَالَ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ (عليه السلام): اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَعْدِيكَ عَلَى قُرَيْشٍ.. قَدْ رَوَى كَثِيرٌ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ أَنَّهُ عَقِيبَ يَوْمِ السَّقِيفَةِ تَأَلَّمَ وَ تَظَلَّمَ وَ اسْتَنْجَدَ وَ اسْتَصْرَخَ حَتَّى سَئِمُوهُ الْحُضُورَ وَ الْبَيْعَةَ، وَ أَنَّهُ قَالَ- وَ هُوَ يُشِيرُ إِلَى الْقَبْرِ-: يَ: ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي وَ أَنَّهُ قَالَ: وَا جَعْفَرَاهْ! وَ لَا جَعْفَرَ لِيَ الْيَوْمَ، وَا حَمْزَتَاهْ! وَ لَا حَمْزَةَ لِيَ الْيَوْمَ. وَ قَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ (عليه السلام): وَ قَدْ قَالَ لِي قَائِلٌ: إِنَّكَ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ لَحَرِيصٌ، وَ هُوَ قَوْلُهُ (عليه السلام): إِنَّ لَنَا حَقّاً، إِنْ نُعْطَهُ نَأْخُذْهُ وَ إِلَّا نَرْكَبُ لَهُ أَعْجَازَ الْإِبِلِ وَ إِنْ طَالَ السُّرَى. و قد ذكره الهروي في الغريبين، و فسّره بوجهين. و قال الجزري في النهاية: منه حديث عليّ (عليه السلام): لنا حقّ.. و ذكر الخبر ثم قال: الرّكوب على أعجاز الإبل شاقّ.. أي منعنا حقّنا ركبنا مركب المشقّة صابرين عليها و إن طال الأمد. و قال: ضرب أعجاز الإبل مثلا لتأخّره عن حقّه الّذي كان يراه له، و تقدّم غيره عليه، و أنّه يصير على ذلك و إن طال أمده.. أي إن قدّمنا للإمامة تقدّمنا و إن أخّرنا صبرنا على الأثرة و إن طالت الأيّام. و قيل: يجوز أن يريدوا إن تمنعه ببذل الجهد في طلبه فعل من يضرب في طلبته أكباد الإبل و لا يبالي باحتمال طول السّرى، و الأوّلان أوجه، لأنّه سلّم و صبر على التّأخّر و لم يقاتل، و إنّما قاتل بعد انعقاد الإمامة له. انتهى. و رواه ابن قتيبة، و قال: معناه ركبنا مركب الضيم و الذلّ، لأنّ راكب عجز البعير يجد مشقّة، لا سيّما إذا تطاول به الركوب على تلك الحال، و يجوز أن يكون أراد نصبر على أن نكون أتباعا لغيرنا، لأنّ راكب عجز البعير يكون ردفا لغيره. وَ رَوَى ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ أَيْضاً أَنَّ فَاطِمَةَ (صلوات اللّه عليها) حَرَّضَتْهُ يَوْماً عَلَى النُّهُوضِ وَ الْوُثُوبِ، فَسَمِعَ صَوْتَ الْمُؤَذِّنِ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَقَالَ لَهَا: أَ يَسُرُّكَ زَوَالُ هَذَا النِّدَاءِ مِنَ الْأَرْضِ؟! قَالَتْ: لَا. قَالَ: فَإِنَّهُ مَا أَقُولُ لَكِ. وَ رَوَى- أَيْضاً-، عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ (عليهما السلام) قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): مَا رَأَيْتُ مُنْذُ بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّداً (صلّى اللّه عليه و آله) رَخَاءً، لَقَدْ أَخَافَتْنِي قُرَيْشٌ صَغِيراً وَ أَنْصَبَتْنِي كَبِيراً حَتَّى قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ كَانَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى، وَ اللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ.. وَ رَوَى ابْنُ قُتَيْبَةَ- وَ هُوَ مِنْ أَعَاظِمِ رُوَاةِ الْمُخَالِفِينَ- فِي كِتَابِ الْإِمَامَةِ وَ السِّيَاسَةِ أَنَّ عَلِيّاً (عليه السلام) أُتِيَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ وَ هُوَ يَقُولُ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَ أَخُو رَسُولِهِ! فَقِيلَ لَهُ: بَايِعْ أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَ: أَنَا أَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْكُمْ، وَ لَا أُبَايِعُكُمْ وَ أَنْتُمْ أَوْلَى بِالْبَيْعَةِ لِي، أَخَذْتُمْ هَذَا الْأَمْرَ مِنَ الْأَنْصَارِ وَ احْتَجَجْتُمْ عَلَيْهِمْ بِالْقَرَابَةِ مِنَ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) تَأْخُذُونَهُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتَ غَصْباً، أَ لَسْتُمْ زَعَمْتُمْ لِلْأَنْصَارِ أَنَّكُمْ أَوْلَى بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْهُمْ لِمَكَانِ مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه وآله وسلم) مِنْكُمْ؟! فَأَعْطَوْكُمُ الْمَقَادَةَ، وَ سَلَّمُوا إِلَيْكُمُ الْإِمَارَةَ، فَأَنَا أَحْتَجُّ عَلَيْكُمْ بِمِثْلِ مَا احْتَجَجْتُمْ بِهِ عَلَى الْأَنْصَارِ، نَحْنُ أَوْلَى بِرَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) حَيّاً وَ مَيِّتاً فَأَنْصِفُونَا إِنْ كُنْتُمْ تَخَافُونَ اللَّهَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ، وَ إِلَّا فَبُوءُوا بِالظُّلْمِ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: إِنَّكَ لَسْتَ مَتْرُوكاً حَتَّى تُبَايِعَ!. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ (عليه السلام): احْلِبْ حَلْباً لَكَ شَطْرُهُ اشْدُدْهُ لَهُ الْيَوْمَ يَرْدُدْهُ عَلَيْكَ غَداً، ثُمَّ قَالَ: وَ اللَّهِ يَا عُمَرُ لَا أَقْبَلُ قَوْلَكَ، وَ لَا أُبَايِعُهُ. فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: فَإِنْ لَمْ تُبَايِعْنِي فَلَا أُكْرِهُكَ. فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ! اللَّهَ.. اللَّهَ لَا تُخْرِجُوا سُلْطَانَ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي الْعَرَبِ مِنْ دَارِهِ وَ قَعْرِ بَيْتِهِ إِلَى دُورِكُمْ وَ قُعُورِ بُيُوتِكُمْ، وَ تَدْفَعُوا أَهْلَهُ عَنْ مَقَامِهِ مِنَ النَّاسِ وَ حَقِّهِ، فَوَ اللَّهِ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ- لَنَحْنُ أَهْلَ الْبَيْتِ أَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْكُمْ، مَا كَانَ فِيهَا الْقَارِئُ لِكِتَابِ اللَّهِ، الْفَقِيهُ فِي دِينِ اللَّهِ، الْعَالِمُ بِسُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله). ثم قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: أَخْرِجُوا عَلِيّاً (عليه السلام) فَمَضَوْا بِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالُوا لَهُ: بَايِعْ. فَقَالَ: إِنْ أَنَا لَمْ أَفْعَلْ فَمَهْ؟!. فَقَالُوا: إِذًا وَ اللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ نَضْرِبَ عُنُقَكَ. قَالَ: إِذًا تَقْتُلُونَ عَبْدَ اللَّهِ وَ أَخَا رَسُولِهِ. فَقَالَ عُمَرُ: أَمَّا عَبْدُ اللَّهِ فَنَعَمْ، وَ أَمَّا أَخَا رَسُولِ اللَّهِ فَلَا، وَ أَبُو بَكْرٍ سَاكِتٌ لَا يَتَكَلَّمُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَ لَا تَأْمُرُ فِيهِ بِأَمْرِكَ؟. فَقَالَ: لَا أُكْرِهُهُ عَلَى شَيْءٍ مَا كَانَتْ فَاطِمَةُ إِلَى جَنْبِهِ، فَلَحِقَ عَلِيٌّ (عليه السلام) بِقَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَصِيحُ وَ يَبْكِي وَ يُنَادِي يَ: ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي.. ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أَنَّهُمَا جَاءَا إِلَى فَاطِمَةَ (عليها السلام) مُعْتَذِرِينَ، فَقَالَتْ: نَشَدْتُكُمَا بِاللَّهِ أَ لَمْ تَسْمَعَا رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ: رِضَا فَاطِمَةَ مِنْ رِضَايَ وَ سَخَطُ فَاطِمَةَ ابْنَتِي مِنْ سَخَطِي؟. وَ مَنْ أَحَبَّ فَاطِمَةَ ابْنَتِي فَقَدْ أَحَبَّنِي، وَ مَنْ أَسْخَطَ فَاطِمَةَ فَقَدْ أَسْخَطَنِي؟. قَالا: نَعَمْ، سَمِعْنَاهُ. قَالَتْ: فَإِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَ مَلَائِكَتَهُ أَنَّكُمَا أَسْخَطْتُمَانِي وَ مَا أَرْضَيْتُمَانِي، وَ لَئِنْ لَقِيتُ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) لَأَشْكُوَنَّكُمَا إِلَيْهِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا عَائِذٌ بِاللَّهِ مِنْ سَخَطِهِ وَ سَخَطِكِ يَا فَاطِمَةُ. ثُمَّ انْتَحَبَ أَبُو بَكْرٍ بَاكِياً تَكَادُ نَفْسُهُ أَنْ تَزْهَقَ، وَ هِيَ تَقُولُ: وَ اللَّهِ لَأَدْعُوَنَّ اللَّهَ عَلَيْكَ فِي كُلِّ صَلَاةٍ، وَ أَبُو بَكْرٍ يَبْكِي وَ يَقُولُ: وَ اللَّهِ لَأَدْعُوَنَّ اللَّهَ لَكِ فِي كُلِّ صَلَاةٍ أُصَلِّيهَا.. ثُمَّ خَرَجَ بَاكِياً.
بحار الأنوار — كتاب الفتن و المحن · شرح انعقاد السقيفة و كيفية السقيفة] (1)