وَ رَوَى ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ يَوْماً عَلَى عُمَرَ، فَقَالَ لِي: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! لَقَدْ أَجْهَدَ هَذَا الرَّجُلُ نَفْسَهُ فِي الْعِبَادَةِ حَتَّى نحلت [نَحَلَتْهُ رِيَاءً. قُلْتُ: مَنْ هُوَ؟. قَالَ عُمَرُ: الْأَجْلَحُ- يَعْنِي عَلِيّاً (عليه السلام)-. قُلْتُ: وَ مَا يَقْصِدُ بِالرِّيَاءِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟. قَالَ: يُرَشِّحُ نَفْسَهُ بَيْنَ النَّاسِ لِلْخِلَافَةِ. قُلْتُ: وَ مَا يَصْنَعُ بِالتَّرْشِيحِ؟! قَدْ رَشَّحَهُ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَصُرِفَتْ عَنْهُ. قَالَ: إِنَّهُ كَانَ شَابّاً حَدَثاً فَاسْتَصْغَرَتِ الْعَرَبُ سِنَّهُ، وَ قَدْ كَمَلَ الْآنَ، أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيّاً إِلَّا بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ؟!. قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! أَمَّا أَهْلُ الْحِجَى وَ النُّهَى فَإِنَّهُمْ مَا زَالُوا يَعُدُّونَهُ كَامِلًا مُنْذُ رَفَعَ اللَّهُ مَنَارَ الْإِسْلَامِ، وَ لَكِنَّهُمْ يَعُدُّونَهُ مَحْرُوماً مَحْدُوداً. فَقَالَ: أَمَا إِنَّهُ سَيَلِيهَا بَعْدَ هِيَاطٍ وَ مِيَاطٍ، ثُمَّ تَزِلُّ فِيهَا قَدَمُهُ، وَ لَا يَقْضِي فِيهَا إِرْبَهُ، وَ لَتَكُونَنَّ شَاهِداً ذَلِكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ، ثُمَّ يَتَبَيَّنُ الصُّبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ، وَ يَعْلَمُ الْعَرَبُ صِحَّةَ رَأْيِ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ الَّذِينَ صَرَفُوكَهَا عَنْهُ بَادِئَ بَدْءٍ، فَلَيْتَنِي أَرَاكُمْ بَعْدِي- يَا عَبْدَ اللَّهِ- إِنَّ الْحِرْصَ مُحَرَّمَةٌ، وَ إِنَّ الدُّنْيَا كَظِلِّكَ كُلَّمَا هَمَمْتَ بِهِ ازْدَادَ عَنْكَ بُعْداً.. قَالَ: وَ نَقَلْتُ هَذَا الْخَبَرَ مِنْ أَمَالِي مُحَمَّدِ بْنِ حَبِيبٍ. وَ رَوَى- أَيْضاً- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ إِلَى الشَّامِ فَانْفَرَدَ يَوْماً يَسِيرُ عَلَى بَعِيرِهِ فَاتَّبَعْتُهُ، فَقَالَ لِي: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! أَشْكُو إِلَيْكَ ابْنَ عَمِّكَ، سَأَلْتُهُ أَنْ يَخْرُجَ مَعِي فَلَمْ يَفْعَلْ، وَ لَا أَزَالُ أَرَاهُ وَاجِداً، فَبِمَا تَظُنُّ مَوْجِدَتَهُ؟. قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! إِنَّكَ لَتَعْلَمُ. قَالَ: أَظُنُّهُ لَا يَزَالُ كَئِيباً لِفَوْتِ الْخِلَافَةِ. قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ، إِنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَرَادَ الْأَمْرَ لَهُ. فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! وَ أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَكَانَ مَا ذَا إِذَا لَمْ يُرِدِ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ! إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) إِذَا أَرَادَ أمر [أَمْراً وَ أَرَادَ اللَّهُ غَيْرَهُ، نَفَذَ مُرَادُ اللَّهِ وَ لَمْ يَنْفُذْ مُرَادُ رَسُولِ اللَّهِ، أَ وَ كُلَّمَا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) كَانَ؟! إِنَّهُ أَرَادَ إِسْلَامَ عَمِّهِ وَ لَمْ يُرِدْهُ اللَّهُ فَلَمْ يُسْلِمْ!.
بحار الأنوار — كتاب الفتن و المحن · شرح انعقاد السقيفة و كيفية السقيفة] (1)