قَالَ السَّيِّدُ ابْنُ طَاوُسٍ (رحمه الله) فِي كِتَابِ كَشْفِ الْمَحَجَّةِ لِثَمَرَةِ الْمُهْجَةِ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ فِي كِتَابِ الرَّسَائِلِ: عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، بِإِسْنَادِهِ، قَالَ: كَتَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) كِتَاباً بَعْدَ مُنْصَرَفِهِ مِنَ النَّهْرَوَانِ وَ أَمَرَ أَنْ يُقْرَأَ عَلَى النَّاسِ، وَ ذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ سَأَلُوهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ وَ عُثْمَانَ، فَغَضِبَ (عليه السلام) وَ قَالَ: قَدْ تَفَرَّغْتُمْ لِلسُّؤَالِ عَمَّا لَا يَعْنِيكُمْ، وَ هَذِهِ مِصْرُ قَدِ انْفَتَحَتْ، وَ قَتَلَ مُعَاوِيَةُ بْنُ خَدِيجٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَيَا لَهَا مِنْ مُصِيبَةٍ مَا أَعْظَمَهَا مُصِيبَتِي بِمُحَمَّدٍ! فَوَ اللَّهِ مَا كَانَ إِلَّا كَبَعْضِ بَنِيَّ، سُبْحَانَ اللَّهِ! بَيْنَا نَحْنُ نَرْجُو أَنْ نَغْلِبَ الْقَوْمَ عَلَى مَا فِي أَيْدِيهِمْ إِذْ غَلَبُونَا عَلَى مَا فِي أَيْدِينَا، وَ أَنَا كَاتِبٌ لَكُمْ كِتَاباً فِيهِ تَصْرِيحُ مَا سَأَلْتُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَدَعَا كَاتِبَهُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي رَافِعٍ فَقَالَ لَهُ: أَدْخِلْ عَلَيَّ عَشَرَةً مِنْ ثِقَاتِي، فَقَالَ: سَمِّهِمْ لِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: أَدْخِلْ أَصْبَغَ بْنَ نُبَاتَةَ وَ أَبَا الطُّفَيْلِ عَامِرَ بْنَ وَاثِلَةَ الْكِنَانِيَّ، وَ زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ الْأَسَدِيَّ، وَ جُوَيْرِيَةَ بْنَ مُسْهِرٍ الْعَبْدِيَّ، وَ خَنْدَقَ بْنَ زُهَيْرٍ الْأَسَدِيَّ، وَ حَارِثَةَ بْنَ مُضَرِّبٍ الْهَمْدَانِيَّ، وَ الْحَارِثَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَعْوَرَ الْهَمْدَانِيَّ، وَ مَصَابِيحَ النَّخَعِيَّ، وَ عَلْقَمَةَ بْنَ قَيْسٍ، وَ كُمَيْلَ بْنَ زِيَادٍ، وَ عُمَيْرَ بْنَ زُرَارَةَ، فَدَخَلُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمْ: خُذُوا هَذَا الْكِتَابَ وَ لْيَقْرَأْهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَافِعٍ وَ أَنْتُمْ شُهُودٌ كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ، فَإِنْ شَغَبَ شَاغِبٌ عَلَيْكُمْ فَأَنْصِفُوهُ بِكِتَابِ اللَّهِ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾: مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى شِيعَتِهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: وَ إِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ وَ هُوَ اسْمٌ شَرَّفَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْكِتَابِ وَ أَنْتُمْ شِيعَةُ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) كَمَا أَنَّ مِنْ شِيعَتِهِ إِبْرَاهِيمَ اسْمٌ غَيْرُ مُخْتَصٍّ، وَ أَمْرٌ غَيْرُ مُبْتَدَعٍ، وَ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، وَ اللَّهُ هُوَ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ أَوْلِيَاءَهُ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ، الْحَاكِمُ عَلَيْهِمْ بِعَدْلِهِ، بَعَثَ مُحَمَّداً (صلّى اللّه عليه و آله) وَ أَنْتُمْ مَعَاشِرَ الْعَرَبِ عَلَى شَرِّ حَالٍ، يغذوا [يَغْذُو أَحَدُكُمْ كَلْبَهُ، وَ يَقْتُلُ وَلَدَهُ، وَ يُغِيرُ عَلَى غَيْرِهِ، فَيَرْجِعُ وَ قَدْ أُغِيرَ عَلَيْهِ، تَأْكُلُونَ الْعِلْهِزَ وَ الْهَبِيدَ وَ الْمَيْتَةَ وَ الدَّمَ، مُنِيخُونَ عَلَى أَحْجَارٍ خَشِنٍ وَ أَوْثَانٍ مُضِلَّةٍ، تَأْكُلُونَ الطَّعَامَ الْجَشِبَ، وَ تَشْرَبُونَ الْمَاءَ الْآجِنَ، تُسَافِكُونَ دِمَاءَكُمْ، وَ يَسْبِي بَعْضُكُمْ بَعْضاً، وَ قَدْ خَصَّ اللَّهُ قُرَيْشاً بِثَلَاثِ آيَاتٍ وَ عَمَّ الْعَرَبَ بِآيَةٍ، فَأَمَّا الْآيَاتُ اللَّوَاتِي فِي قُرَيْشٍ فَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَ اذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَ أَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَ رَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، وَ الثَّانِيَةُ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَ مَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾، وَ الثَّالِثَةُ: قَوْلُ قُرَيْشٍ لِنَبِيِّ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) حِينَ دَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَ الْهِجْرَةِ: وَ قالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَ وَ لَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ، وَ أَمَّا الْآيَةُ الَّتِي عَمَّ بِهَا الْعَرَبَ فَهُوَ قَوْلُهُ: وَ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَ كُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ، فَيَا لَهَا نِعْمَةً مَا أَعْظَمَهَا إِنْ لَمْ تَخْرُجُوا مِنْهَا إِلَى غَيْرِهَا، وَ يَا لَهَا مُصِيبَةً مَا أَعْظَمَهَا إِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِهَا وَ تَرْغَبُوا عَنْهَا، فَمَضَى نَبِيُّ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ قَدْ بَلَّغَ مَا أُرْسِلَ بِهِ، فَيَا لَهَا مُصِيبَةً خَصَّتِ الْأَقْرَبِينَ وَ عَمَّتِ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ تُصَابُوا بِمِثْلِهَا وَ لَنْ تُعَايِنُوا بَعْدَهَا مِثْلَهَا، فَمَضَى لِسَبِيلِهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ تَرَكَ كِتَابَ اللَّهِ وَ أَهْلَ بَيْتِهِ إِمَامَيْنِ لَا يَخْتَلِفَانِ، وَ أَخَوَيْنِ لَا يَتَخَاذَلَانِ، وَ مُجْتَمِعَيْنِ لَا يَفْتَرِقَانِ، وَ لَقَدْ قَبَضَ اللَّهُ نَبِيَّهُ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ لَأَنَا أَوْلَى بِالنَّاسِ مِنِّي بِقَمِيصِي هَذَا، وَ مَا أَلْقَى فِي رُوعِي، وَ لَا عَرَضَ فِي رَأْيِي أَنْ وَجِّهِ النَّاسَ إِلَى غَيْرِهِ، فَلَمَّا أَبْطَئُوا عَنِّي بِالْوَلَايَةِ لِهِمَمِهِمْ، وَ تَثَبَّطَ الْأَنْصَارُ- وَ هُمْ أَنْصَارُ اللَّهِ وَ كَتِيبَةُ الْإِسْلَامِ- قَالُوا: أَمَّا إِذَا لَمْ تُسَلِّمُوهَا لِعَلِيٍّ فَصَاحِبُنَا أَحَقُّ بِهَا مِنْ غَيْرِي، فَوَ اللَّهِ مَا أَدْرِي إِلَى مَنْ أَشْكُو؟ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْأَنْصَارُ ظَلَمَتْ حَقَّهَا، وَ إِمَّا أَنْ يَكُونُوا ظَلَمُونِي حَقِّي، بَلْ حَقِّيَ الْمَأْخُوذُ وَ أَنَا الْمَظْلُومُ. فَقَالَ قَائِلُ قُرَيْشٍ: إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ: الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ، فَدَفَعُوا الْأَنْصَارَ عَنْ دَعْوَتِهَا وَ مَنَعُونِي حَقِّي مِنْهَا، فَأَتَانِي رَهْطٌ يَعْرِضُونَ عَلَيَّ النَّصْرَ، مِنْهُمُ ابْنَا سَعِيدٍ، وَ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَ أَبُو ذَرٍّ الْغِفَارِيُّ، وَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، وَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ، وَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، وَ الْبَرَاءُ بْنُ الْعَازِبُ. فَقُلْتُ لَهُمْ: إِنَّ عِنْدِي مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) عَهْداً وَ لَهُ إِلَيَ وَصِيَّةً لَسْتُ أُخَالِفُ عَمَّا أَمَرَنِي بِهِ، فَوَ اللَّهِ لَوْ خَزَمُونِي بِأَنْفِي لَأَقْرَرْتُ لِلَّهِ تَعَالَى سَمْعاً وَ طَاعَةً، فَلَمَّا رَأَيْتُ النَّاسَ قَدِ انْثَالُوا عَلَى أَبِي بَكْرٍ لِلْبَيْعَةِ أَمْسَكْتُ يَدِي وَ ظَنَنْتُ أَنِّي أَوْلَى وَ أَحَقُّ بِمَقَامِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مِنْهُ وَ مِنْ غَيْرِهِ، وَ قَدْ كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ أَمَرَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ عَلَى جَيْشٍ وَ جَعَلَهُمَا فِي جَيْشِهِ، وَ مَا زَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ إِلَى أَنْ فَاضَتْ نَفْسُهُ يَقُولُ: أَنْفِذُوا جَيْشَ أُسَامَةَ، فَمَضَى جَيْشُهُ إِلَى الشَّامِ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى أَذْرِعَاتٍ فَلَقِيَ جَمْعاً مِنَ الرُّومِ فَهَزَمُوهُمْ وَ غَنَّمَهُمُ اللَّهُ أَمْوَالَهُمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُ رَاجِعَةً مِنَ النَّاسِ قَدْ رَجَعَتْ عَنِ الْإِسْلَامِ تَدْعُو إِلَى مَحْوِ دِينِ مُحَمَّدٍ وَ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ (عليهما السلام) خَشِيتُ إِنْ أَنَا لَمْ أَنْصُرِ الْإِسْلَامَ وَ أَهْلَهُ أَرَى فِيهِ ثَلْماً وَ هَدْماً تَكُ الْمُصِيبَةُ عَلَيَّ فِيهِ أَعْظَمَ مِنْ فَوْتِ وِلَايَةِ أُمُورِكُمُ الَّتِي إِنَّمَا هِيَ مَتَاعُ أَيَّامٍ قَلَائِلَ ثُمَّ تَزُولُ وَ تَنْقَشِعُ كَمَا يَزُولُ وَ يَنْقَشِعُ السَّحَابُ، فَنَهَضْتُ مَعَ الْقَوْمِ فِي تِلْكَ الْأَحْدَاثِ حَتَّى زَهَقَ الْبَاطِلُ وَ كَانَتْ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَ إِنْ زَعَمَ الْكَافِرُونَ. وَ لَقَدْ كَانَ سَعْدٌ لَمَّا رَأَى النَّاسَ يُبَايِعُونَ أَبَا بَكْرٍ نَادَى: أَيُّهَا النَّاسُ! إِنِّي وَ اللَّهِ مَا أَرَدْتُهَا حَتَّى رَأَيْتُكُمْ تَصْرِفُونَهَا عَنْ عَلِيٍّ، وَ لَا أُبَايِعُكُمْ حَتَّى يُبَايِعَ عَلِيٌّ، وَ لَعَلِّي لَا أَفْعَلُ وَ إِنْ بَايَعَ، ثُمَّ رَكِبَ دَابَّتَهُ وَ أَتَى حَوْرَانَ وَ أَقَامَ فِي خَانٍ حَتَّى هَلَكَ وَ لَمْ يُبَايِعْ. وَ قَامَ فَرْوَةُ بْنُ عُمَرَ الْأَنْصَارِيُّ- وَ كَانَ يَقُودُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَرَسَيْنِ وَ يَصْرِمُ أَلْفَ وَسْقٍ مِنْ تَمْرٍ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ- فَنَادَى: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! أَخْبِرُونِي هَلْ فِيكُمْ رَجُلٌ تَحِلُّ لَهُ الْخِلَافَةُ وَ فِيهِ مَا فِي عَلِيٍّ (عليه السلام)؟!. فَقَالَ قَيْسُ بْنُ مَخْزَمَةَ الزهوي: لَيْسَ فِينَا مَنْ فِيهِ مَا فِي عَلِيٍّ (عليه السلام). فَقَالَ لَهُ: صَدَقْتَ، فَهَلْ فِي عَلِيٍّ (عليه السلام) مَا لَيْسَ فِي أَحَدٍ مِنْكُمْ؟. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَمَا يَصُدُّكُمْ عَنْهُ؟. قَالَ: إِجْمَاعُ النَّاسِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ. قَالَ: أَمَا وَ اللَّهِ لَئِنْ أَحْيَيْتُمْ سُنَّتَكُمْ لَقَدْ أَخْطَأْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، وَ لَوْ جَعَلْتُمُوهَا فِي أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ لَأَكَلْتُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ. فَوُلِّيَ أَبُو بَكْرٍ فَقَارَبَ وَ اقْتَصَدَ فَصَحِبْتُهُ مُنَاصِحاً، وَ أَطَعْتُهُ فِيمَا أَطَاعَ اللَّهَ فِيهِ جَاهِداً، حَتَّى إِذَا احْتُضِرَ، قُلْتُ فِي نَفْسِي: لَيْسَ يَعْدِلُ بِهَذَا الْأَمْرِ عَنِّي، وَ لَوْ لَا خَاصَّةٌ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ عُمَرَ وَ أَمْرٌ كَانَا رَضِيَاهُ بَيْنَهُمَا، لَظَنَنْتُ أَنَّهُ لَا يَعْدِلُهُ عَنِّي وَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) لِبُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ حِينَ بَعَثَنِي وَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى الْيَمَنِ وَ قَالَ: إِذَا افْتَرَقْتُمَا فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا عَلَى حِيَالِهِ، وَ إِذَا اجْتَمَعْتُمَا فَعَلِيٌّ عَلَيْكُمْ جَمِيعاً، فأغزنا وَ أَصَبْنَا سَبْياً فِيهِمْ خُوَيْلَةُ بِنْتُ جَعْفَرٍ جَارِ الصَّفَا- وَ إِنَّمَا سُمِّيَ جَارَ الصَّفَا مِنْ حُسْنِهِ- فَأَخَذْتُ الْحَنَفِيَّةَ خَوْلَةَ وَ اغْتَنَمَهَا خَالِدٌ مِنِّي، وَ بَعَثَ بُرَيْدَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مُحَرِّشاً عَلَيَّ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ مِنْ أَخْذِي خَوْلَةَ، فَقَالَ: يَا بُرَيْدَةُ! حَظُّهُ فِي الْخُمُسِ أَكْثَرُ مِمَّا أَخَذَ، إِنَّهُ وَلِيُّكُمْ بَعْدِي، سَمِعَهَا أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ، وَ هَذَا بُرَيْدَةُ حَيٌّ لَمْ يَمُتْ، فَهَلْ في كشف المحجّة: اجتماع. بَعْدَ هَذَا مَقَالٌ لِقَائِلٍ؟!. فَبَايَعَ عُمَرَ دُونَ الْمَشُورَةِ فَكَانَ مَرَضِيَّ السِّيرَةِ مِنَ النَّاسِ عِنْدَهُمْ، حَتَّى إِذَا احْتُضِرَ قُلْتُ فِي نَفْسِي: لَيْسَ يَعْدِلُ بِهَذَا الْأَمْرِ عَنِّي، لِلَّذِي قَدْ رَأَى مِنِّي فِي الْمَوَاطِنِ، وَ سَمِعَ مِنَ الرَّسُولِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَجَعَلَنِي سَادِسَ سِتَّةٍ وَ أَمَرَ صُهَيْباً أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، وَ دَعَا أَبَا طَلْحَةَ زَيْدَ بْنَ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيَّ فَقَالَ لَهُ: كُنْ فِي خَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ قَوْمِكَ فَاقْتُلْ مَنْ أَبَى أَنْ يَرْضَى مِنْ هَؤُلَاءِ السِّتَّةِ، فَالْعَجَبُ مِنِ اخْتِلَافِ الْقَوْمِ إِذْ زَعَمُوا أَنَّ أَبِي بَكْرٍ اسْتَخْلَفَهُ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَلَوْ كَانَ هَذَا حَقّاً لَمْ يَخْفَ عَلَى الْأَنْصَارِ فَبَايَعَهُ النَّاسُ عَلَى الشُّورَى، ثُمَّ جَعَلَهَا أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ بِرَأْيِهِ خَاصَّةً، ثُمَّ جَعَلَهَا عُمَرُ بِرَأْيِهِ شُورَى بَيْنَ سِتَّةٍ، فَهَذَا الْعَجَبُ مِنِ اخْتِلَافِهِمْ، وَ الدَّلِيلُ عَلَى مَا لَا أُحِبُّ أَنْ أَذْكُرَ قَوْلُ هَؤُلَاءِ الرَّهْطِ الَّذِينَ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ هُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ، فَكَيْفَ يَأْمُرُ بِقَتْلِ قَوْمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَسُولُهُ؟!. إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ عَجِيبٌ، وَ لَمْ يَكُونُوا لِوِلَايَةِ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَكْرَهَ مِنْهُمْ لِوِلَايَتِي! كَانُوا يَسْمَعُونَ وَ أَنَا أُحَاجُّ أَبَا بَكْرٍ وَ أَنَا أَقُولُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! أَنَا أَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْكُمْ، مَا كَانَ مِنْكُمْ مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَ يَعْرِفُ السُّنَّةَ، وَ يَدِينُ دِينَ الْحَقِ، وَ إِنَّمَا حُجَّتِي أَنِّي وَلِيُّ هَذَا الْأَمْرِ مِنْ دُونِ قُرَيْشٍ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ: الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بِعِتْقِ الرِّقَابِ مِنَ النَّارِ، وَ أَعْتَقَهَا مِنَ الرِّقِّ، فَكَانَ لِلنَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَلَاءُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَ كَانَ لِي بَعْدَهُ مَا كَانَ لَهُ، فَمَا جَازَ لِقُرَيْشٍ مِنْ فَضْلِهَا عَلَيْهَا بِالنَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) جَازَ لِبَنِي هَاشِمٍ عَلَى قُرَيْشٍ، وَ جَازَ لِي عَلَى بَنِي هَاشِمٍ، بِقَوْلِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَهَذَا عَلِيٌّ مَوْلَاهُ، إِلَّا أَنْ تَدَّعِيَ قُرَيْشٌ فَضْلَهَا عَلَى الْعَرَبِ بِغَيْرِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَإِنْ شَاءُوا فَلْيَقُولُوا ذَلِكَ، فَخَشِيَ الْقَوْمُ إِنْ أَنَا وُلِّيتُ عَلَيْهِمْ أَنْ آخُذَ بِأَنْفَاسِهِمْ، وَ أَعْتَرِضَ فِي حُلُوقِهِمْ، وَ لَا يَكُونَ لَهُمْ فِي الْأَمْرِ نَصِيبٌ، فَأَجْمَعُوا عَلَى إِجْمَاعِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَتَّى صَرَفُوا الْوِلَايَةَ عَنِّي إِلَى عُثْمَانَ رَجَاءَ أَنْ يَنَالُوهَا وَ يَتَدَاوَلُوهَا فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ نَادَى مُنَادٍ لَا يُدْرَى مَنْ هُوَ- وَ أَظُنُّهُ جِنِّيّاً- فَأَسْمَعَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ لَيْلَةَ بَايَعُوا عُثْمَانَ فَقَالَ: يَا نَاعِيَ الْإِسْلَامِ قُمْ فَانْعَهُ قَدْ مَاتَ عُرْفٌ وَ بَدَا مُنْكَرٌ مَا لِقُرَيْشٍ لَا عَلَا كَعْبُهَا مَنْ قَدَّمُوا الْيَوْمَ وَ مَنْ أَخَّرُوا إِنَّ عَلِيّاً هُوَ أَوْلَى بِهِ مِنْهُ فَوَلُّوهُ وَ لَا تُنْكِرُوا فَكَانَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ عِبْرَةٌ، وَ لَوْ لَا أَنَّ الْعَامَّةَ قَدْ عَلِمَتْ بِذَلِكَ لَمْ أَذْكُرْهُ، فَدَعَوْنِي إِلَى بِيعَةِ عُثْمَانَ فَبَايَعْتُ مُسْتَكْرِهاً، وَ صَبَرْتُ مُحْتَسِباً، وَ عَلَّمْتُ أَهْلَ الْقُنُوتِ أَنْ يَقُولُوا: اللَّهُمَّ لَكَ أَخْلَصَتِ الْقُلُوبُ، وَ إِلَيْكَ شَخَصَتِ الْأَبْصَارُ، وَ أَنْتَ دُعِيتَ بِالْأَلْسُنِ، وَ إِلَيْكَ تُحُوكِمَ فِي الْأَعْمَالِ، فَ افْتَحْ بَيْنَنا وَ بَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَشْكُو إِلَيْكَ غَيْبَةَ نَبِيِّنَا، وَ كَثْرَةَ عَدُوِّنَا، وَ قِلَّةَ عَدَدِنَا، وَ هَوَانَنَا عَلَى النَّاسِ، وَ شِدَّةَ الزَّمَانِ، وَ وُقُوعَ الْفِتَنِ بِنَا، اللَّهُمَّ فَفَرِّجْ ذَلِكَ بِعَدْلٍ تُظْهِرُهُ، وَ سُلْطَانِ حَقٍّ تَعْرِفُهُ. فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ! إِنَّكَ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ لَحَرِيصٌ؟!. فَقُلْتُ: لَسْتُ عَلَيْهِ حَرِيصاً، وَ إِنَّمَا أَطْلُبُ مِيرَاثَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ حَقَّهُ، وَ إِنَّ وَلَاءَ أُمَّتِهِ لِي مِنْ بَعْدِهِ، وَ أَنْتُمْ أَحْرَصُ عَلَيْهِ مِنِّي إِذْ تَحُولُونَ بَيْنِي وَ بَيْنَهُ، وَ تَصْرِفُونَ وَجْهِي دُونَهُ بِالسَّيْفِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَعْدِيكَ عَلَى قُرَيْشٍ فَإِنَّهُمْ قَطَعُوا رَحِمِي وَ أَضَاعُوا أَيَّامِي، وَ دَفَعُوا حَقِّي، وَ صَغَّرُوا قَدْرِي وَ عَظِيمَ مَنْزِلَتِيَ، وَ أَجْمَعُوا عَلَى مُنَازَعَتِي حَقّاً كُنْتُ أَوْلَى بِهِ مِنْهُمْ، فَاسْتَلَبُونِيهِ. ثُمَّ قَالَ: اصْبِرْ مَغْمُوماً أَوْ مُتْ مُتَأَسِّفاً، وَ ايْمُ اللَّهِ لَوِ اسْتَطَاعُوا أَنْ يَدْفَعُوا قَرَابَتِي كَمَا قَطَعُوا سَبَبِي فَعَلُوا، وَ لَكِنَّهُمْ لَا يَجِدُونَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا، إِنَّمَا حَقِّي عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ كَرَجُلٍ لَهُ حَقٌّ عَلَى قَوْمٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ، فَإِنْ أَحْسَنُوا وَ عَجَّلُوا لَهُ حَقَّهُ قَبِلَهُ حَامِداً، وَ إِنْ أَخَّرُوهُ إِلَى أَجَلِهِ أَخَذَهُ غَيْرَ حَامِدٍ، وَ لَيْسَ يُعَابُ الْمَرْءُ بِتَأْخِيرِ حَقِّهِ، إِنَّمَا يُعَابُ مَنْ أَخَذَ مَا لَيْسَ لَهُ، وَ قَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) عَهِدَ إِلَيَّ عَهْداً فَقَالَ: يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ! لَكَ وِلَايَتِي فَإِنْ وَلَّوْكَ فِي عَافِيَةٍ وَ رَجَعُوا عَلَيْكَ بِالرِّضَا فَقُمْ بِأَمْرِهِمْ، وَ إِنِ اخْتَلَفُوا عَلَيْكَ فَدَعْهُمْ وَ مَا هُمْ فِيهِ، فَإِنَّ اللَّهَ سَيَجْعَلُ لَكَ مَخْرَجاً، فَنَظَرْتُ فَإِذَا لَيْسَ لِي رَافِدٌ وَ لَا مَعِي مُسَاعِدٌ إِلَّا أَهْلُ بَيْتِي، فَضَنِنْتُ بِهِمْ عَنِ الْهَلَاكِ، وَ لَوْ كَانَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) عَمِّي حَمْزَةُ وَ أَخِي جَعْفَرٌ لَمْ أُبَايِعْ كَرْهاً، وَ لَكِنَّنِي مُنِيتُ بِرَجُلَيْنِ حَدِيثَيْ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ، الْعَبَّاسِ وَ عَقِيلٍ، فَضَنِنْتُ بِأَهْلِ بَيْتِي عَنِ الْهَلَاكِ، فَأَغْضَيْتُ عَيْنِي عَلَى الْقَذَى، وَ تَجَرَّعْتُ رِيقِي عَلَى الشَّجَا، وَ صَبَرْتُ عَلَى أَمَرَّ مِنَ الْعَلْقَمِ، وَ آلَمَ لِلْقَلْبِ مِنْ حَزِّ الشِّفَارِ. وَ أَمَّا أَمْرُ عُثْمَانَ فَكَأَنَّهُ عُلِمَ مِنَ الْقُرُونِ الْأُولَى عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَ لا يَنْسى خَذَلَهُ أَهْلُ بَدْرٍ وَ قَتَلَهُ أَهْلُ مِصْرَ، وَ اللَّهِ مَا أَمَرْتُ وَ لَا نَهَيْتُ وَ لَوْ أَنَّنِي أَمَرْتُ كُنْتُ قَاتِلًا، وَ لَوْ أَنِّي نَهَيْتُ كُنْتُ نَاصِراً، وَ كَانَ الْأَمْرُ لَا يَنْفَعُ فِيهِ الْعِيَانُ وَ لَا يَشْفِي فِيهِ الْخَبَرُ، غَيْرَ أَنَّ مَنْ نَصَرَهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَ خَذَلَهُ مَنْ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ، وَ لَا يَسْتَطِيعُ مَنْ خَذَلَهُ أَنْ يَقُولَ نَصَرَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، وَ أَنَا جَامِعٌ أَمْرَهُ: اسْتَأْثَرَ فَأَسَاءَ الْأَثَرَةَ، وَ جَزِعْتُمْ فَأَسَأْتُمُ الْجَزَعَ، وَ اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُ، وَ اللَّهِ مَا يَلْزَمُنِي فِي دَمِ عُثْمَانَ ثُلْمَةٌ مَا كُنْتُ إِلَّا رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْمُهَاجِرِينَ فِي بَيْتِي فَلَمَّا قَتَلْتُمُوهُ أَتَيْتُمُونِي تُبَايِعُونِّي، فَأَبَيْتُ عَلَيْكُمْ وَ أَبَيْتُمْ عَلَيَّ، فَقَبَضْتُ يَدِي فَبَسَطْتُمُوهَا، وَ بَسَطْتُهَا فَمَدَدْتُمُوهَا، ثُمَّ تَدَاكَكْتُمْ عَلَيَّ تَدَاكَّ الْإِبِلِ الْهِيمِ عَلَى حِيَاضِهَا يَوْمَ وُرُودِهَا، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّكُمْ قَاتِلِي، وَ أَنَّ بَعْضَكُمْ قَاتِلٌ لِبَعْضٍ، حَتَّى انْقَطَعَتِ النَّعْلُ، وَ سَقَطَ الرِّدَاءُ، وَ وُطِئَ الضَّعِيفُ، وَ بَلَغَ مِنْ سُرُورِ النَّاسِ بِبَيْعَتِهِمْ إِيَّايَ أَنْ حُمِلَ إِلَيْهَا الصَّغِيرُ وَ هَدَجَ إِلَيْهَا الْكَبِيرُ، وَ تَحَامَلَ إِلَيْهَا الْعَلِيلُ، وَ حَسَرَتْ لَهَا الْكِعَابُ. فَقَالُوا: بَايِعْنَا عَلَى مَا بُويِعَ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ، فَإِنَّا لَا نَجِدُ غَيْرَكَ وَ لَا نَرْضَى إِلَّا بِكَ، فَبَايِعْنَا لَا نَفْتَرِقُ وَ لَا نَخْتَلِفُ، فَبَايَعْتُكُمْ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ دَعَوْتُ النَّاسَ إِلَى بَيْعَتِي، فَمَنْ بَايَعَنِي طَائِعاً قَبِلْتُ مِنْهُ، وَ مَنْ أَبَى تَرَكْتُهُ، فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ بَايَعَنِي طَلْحَةَ وَ الزُّبَيْرَ، فَقَالا: نُبَايِعُكَ عَلَى أَنَّا شُرَكَاؤُكَ فِي الْأَمْرِ. فَقُلْتُ: لَا، وَ لَكِنَّكُمَا شُرَكَائِي فِي الْقُوَّةِ، وَ عَوْنَايَ فِي الْعَجْزِ. فَبَايَعَانِي عَلَى هَذَا الْأَمْرِ وَ لَوْ أَبَيَا لَمْ أُكْرِهْهُمَا كَمَا لَمْ أُكْرِهْ غَيْرَهُمَا، وَ كَانَ طَلْحَةُ يَرْجُو الْيَمَنَ وَ الزُّبَيْرُ يَرْجُو الْعِرَاقَ، فَلَمَّا عَلِمَا أَنِّي غَيْرُ مُوَلِّيهِمَا اسْتَأْذَنَانِي لِلْعُمْرَةِ يُرِيدَانِ الْغَدْرَ، فَأَتَيَا عَائِشَةَ وَ اسْتَخَفَّاهَا مَعَ كُلِّ شَيْءٍ فِي نَفْسِهَا عَلَيَّ، وَ النِّسَاءُ نَوَاقِصُ الْإِيمَانِ، نَوَاقِصُ الْعُقُولِ، نَوَاقِصُ الْحُظُوظِ، فَأَمَّا نُقْصَانُ إِيمَانِهِنَّ فَقُعُودُهُنَّ عَنِ الصَّلَاةِ وَ الصِّيَامِ فِي أَيَّامِ حَيْضِهِنَّ، وَ أَمَّا نُقْصَانُ عُقُولِهِنَّ فَلَا شَهَادَةَ لَهُنَّ إِلَّا فِي الدَّيْنِ وَ شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ بِرَجُلٍ، وَ أَمَّا نُقْصَانُ حُظُوظِهِنَّ فَمَوَارِيثُهُنَّ عَلَى الْأَنْصَافِ مِنْ مَوَارِيثِ الرِّجَالِ، وَ قَادَهُمَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَ ضَمِنَ لَهُمَا الْأَمْوَالَ وَ الرِّجَالَ، فَبَيْنَمَا هُمَا يَقُودَانِهَا إِذْ هِيَ تَقُودُهُمَا، فَاتَّخَذَاهَا فِئَةً يُقَاتِلَانِ دُونَهَا، فَأَيُّ خَطِيئَةٍ أَعْظَمُ مِمَّا أَتَيَا إِخْرَاجِهِمَا زَوْجَةَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مِنْ بَيْتِهَا، فَكَشَفَا عَنْهَا حِجَاباً سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا، وَ صَانَا حَلَائِلَهُمَا فِي بُيُوتِهِمَا وَ لَا أَنْصَفَا اللَّهَ وَ لَا رَسُولَهُ مِنْ أَنْفُسِهِمَا، ثَلَاثُ خِصَالٍ مَرْجِعُهَا عَلَى النَّاسِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ، وَ قَالَ: فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ، وَ قَالَ: لا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَقَدْ بَغَيَا عَلَيَّ، وَ نَكَثَا بَيْعَتِي، وَ مَكَرَا بِي، فَمُنِيتُ بِأَطْوَعِ النَّاسِ فِي النَّاسِ عَائِشَةَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، وَ بِأَشْجَعِ النَّاسِ الزُّبَيْرِ، وَ بِأَخْصَمِ النَّاسِ طَلْحَةَ، وَ أَعَانَهُمْ عَلَيَّ يَعْلَى بْنُ مُنَبِّهٍ بِأَصْوُعِ الدَّنَانِيرِ، وَ اللَّهِ لَئِنِ اسْتَقَامَ أَمْرِي لَأَجْعَلَنَّ مَالَهُ فَيْئاً لِلْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ أَتَوُا الْبَصْرَةَ وَ أَهْلُهَا مُجْتَمِعُونَ عَلَى بَيْعَتِي وَ طَاعَتِي، وَ بِهَا شِيعَتِي خُزَّانُ بَيْتِ مَالِ اللَّهِ وَ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَدَعَوُا النَّاسَ إِلَى مَعْصِيَتِي وَ إِلَى نَقْضِ بَيْعَتِي، فَمَنْ أَطَاعَهُمْ أَكْفَرُوهُ، وَ مَنْ عَصَاهُمْ قَتَلُوهُ، فَنَاجَزَهُمْ حَكِيمُ بْنُ جَبَلَةَ فَقَتَلُوهَا فِي سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ عُبَّادِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَ مُخْبِتِيهِمْ يُسَمَّوْنَ: الْمُثْفَنِينَ، كَأَنَّ رَاحَ أَكُفِّهِمْ ثَفِنَاتُ الْإِبِلِ، وَ أَبَى أَنْ يُبَايِعَهُمْ يَزِيدُ بْنُ الْحَارِثِ الْيَشْكُرِيُّ، فَقَالَ: اتَّقِيَا اللَّهَ! إِنَّ أَوَّلَكُمْ قَادَنَا إِلَى الْجَنَّةِ فَلَا يَقُودُنَا آخِرُكُمْ إِلَى النَّارِ، فَلَا تُكَلِّفُونَا أَنْ نُصَدِّقَ الْمُدَّعِيَ وَ نَقْضِيَ عَلَى الْغَائِبِ، أَمَّا يَمِينِي فَشَغَلَهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِبَيْعَتِي إِيَّاهُ، وَ هَذِهِ شِمَالِي فَارِغَةٌ فَخُذَاهَا إِنْ شِئْتُمَا، فَخُنِقَ حَتَّى مَاتَ، وَ قَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَكِيمٍ التَّمِيمِيُّ فَقَالَ: يَا طَلْحَةُ! هَلْ تَعْرِفُ هَذَا الْكِتَابَ؟ قَالَ: نَعَمْ، هَذَا كِتَابِي إِلَيْكَ. قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا فِيهِ؟ قَالَ: اقْرَأْهُ عَلَيَّ، فَإِذَا فِيهِ عَيْبُ عُثْمَانَ وَ دُعَاؤُهُ إِلَى قَتْلِهِ، فَسَيَّرَهُ مِنَ الْبَصْرَةِ، وَ أَخَذُوا عَلَى عَامِلِي عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ الْأَنْصَارِيِّ غَدْراً فَمَثَّلُوا بِهِ كُلَّ الْمُثْلَةِ، وَ نَتَفُوا كُلَّ شَعْرَةٍ فِي رَأْسِهِ وَ وَجْهِهِ، وَ قَتَلُوا شِيعَتِي، طَائِفَةً صَبْراً، وَ طَائِفَةً غَدْراً، وَ طَائِفَةٌ عَضُّوا بِأَسْيَافِهِمْ حَتَّى لَقُوا اللَّهَ، فَوَ اللَّهِ لَوْ لَمْ يَقْتُلُوا مِنْهُمْ إِلَّا رَجُلًا وَاحِداً لَحَلَّ لِي بِهِ دِمَاؤُهُمْ وَ دِمَاءُ ذَلِكَ الْجَيْشِ لِرِضَاهُمْ بِقَتْلِ مَنْ قُتِلَ، دَعْ مَعَ أَنَّهُمْ قَدْ قَتَلُوا أَكْثَرَ مِنَ الْعِدَّةِ الَّتِي قَدْ دَخَلُوا بِهَا عَلَيْهِمْ، وَ قَدْ أَدَالَ اللَّهُ مِنْهُمْ ﴿فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، فَأَمَّا طَلْحَةُ فَرَمَاهُ مَرْوَانُ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ، وَ أَمَّا الزُّبَيْرُ فَذَكَّرْتُهُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): إِنَّكَ تُقَاتِلُ عَلِيّاً (عليه السلام) وَ أَنْتَ ظَالِمٌ لَهُ، وَ أَمَّا عَائِشَةُ فَإِنَّهَا كَانَ نَهَاهَا رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) عَنْ مَسِيرِهَا فَعَضَّتْ يَدَيْهَا نَادِمَةً عَلَى مَا كَانَ مِنْهَا. وَ قَدْ كَانَ طَلْحَةُ لَمَّا نَزَلَ ذَا قَارٍ قَامَ خَطِيباً فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّا أَخْطَأْنَا فِي عُثْمَانَ خَطِيئَةً مَا …
بحار الأنوار — كتاب الفتن و المحن · شرح انعقاد السقيفة و كيفية السقيفة] (1)