الأقسامبحار الأنواركتاب الفتن و المحن
بحار الأنوار

قَدْ وَصَفَهُ اللَّهُ بِالرَّأْفَةِ وَ الرَّحْمَةِ وَ الْعَفْوِ وَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَ النَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ إِقَامَةِ الْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ؟!. وَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَوْحَى إِلَيْهِ كَمَا أَوْحَى ﴿‏إِلى نُوحٍ وَ النَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ‏﴾، وَ كَمَا أَوْحَى إِلَى مُوسَى (عليه السلام) وَ عِيسَى (عليه السلام) فَصَدَّقَ اللَّهَ وَ بَلَّغَ رِسَالَتَهُ وَ أَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ، وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَ جِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً وَ قَالَ: وَ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ وَ قَدْ صَدَّقَهُ اللَّهُ وَ أَعْطَاهُ الْوَسِيلَةَ إِلَيْهِ وَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ، فَقَالَ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ، فَنَحْنُ الصَّادِقُونَ، وَ أَنَا أَخُوهُ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ، وَ الشَّاهِدُ مِنْهُ عَلَيْهِمْ بَعْدَهُ، وَ أَنَا وَسِيلَتُهُ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ أُمَّتِهِ، وَ أَنَا وَ وُلْدِي وَرَثَتُهُ، وَ أَنَا وَ هُمْ كَسَفِينَةِ نُوحٍ فِي قَوْمِهِ مَنْ رَكِبَهَا نَجَا وَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا غَرِقَ، وَ أَنَا وَ هُمْ كَبَابِ حِطَّةٍ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَ أَنَا بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، وَ أَنَا الشَّاهِدُ مِنْهُ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ، وَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يُعْرَضُ طَاعَتِي وَ مَحَبَّتِي بَيْنَ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَ أَهْلِ الْكُفْرِ وَ أَهْلِ النِّفَاقِ، فَمَنْ أَحَبَّنِي كَانَ مُؤْمِناً، وَ مَنْ أَبْغَضَنِي كَانَ كَافِراً، وَ اللَّهِ مَا كَذَبْتُ وَ لَا كُذِبْتُ وَ لَا كُذِّبَ بِي، وَ لَا ضَلَلْتُ وَ لَا ضُلَّ بِي، وَ إِنِّي لَعَلَى بَيِّنَةٍ بَيَّنَهَا رَبِّي عَزَّ وَ جَلَّ لِنَبِيِّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَبَيَّنَهَا لِي، فَاسْأَلُونِي عَمَّا كَانَ وَ عَمَّا يَكُونُ وَ عَمَّا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. قَالَ: فَالْتَفَتَ الْجَاثَلِيقُ إِلَى أَصْحَابِهِ وَ قَالَ: هَذَا هُوَ وَ اللَّهِ النَّاطِقُ بِالْعِلْمِ وَ الْقُدْرَةِ، الْفَاتِقُ الرَّاتِقُ، وَ نَرْجُو مِنَ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ نَكُونَ صَادَفْنَا حَظَّنَا، وَ نُورَ هِدَايَتِنَا، وَ هَذِهِ وَ اللَّهِ حُجَجُ الْأَوْصِيَاءِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى قَوْمِهِمْ. قَالَ: فَالْتَفَتَ إِلَى عَلِيٍّ (عليه السلام): فَقَالَ: كَيْفَ عَدَلَ بِكَ الْقَوْمُ عَنْ قَصْدِهِمْ إِيَّاكَ، وَ ادَّعَوْا مَا أَنْتَ أَوْلَى بِهِ مِنْهُمْ؟! أَلَا وَ قَدْ وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ، قَصَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَ مَا ضَرَّ ذَلِكَ الْأَوْصِيَاءَ مَعَ مَا أَغْنَاهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِهِ مِنَ الْعِلْمِ وَ اسْتِحْقَاقِ مَقَامَاتِ رُسُلِهِ، فَأَخْبِرْنِي- أَيُّهَا الْعَالِمُ الْحَكِيمُ- عَنِّي وَ عَنْكَ مَا أَنْتَ عِنْدَ اللَّهِ؟ وَ مَا أَنَا عِنْدَ اللَّهِ؟. قَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): أَمَّا أَنَا فَعِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مُؤْمِنٌ وَ عِنْدَ نَفْسِي مُؤْمِنٌ مُتَيَقِّنٌ بِفَضْلِهِ وَ رَحْمَتِهِ وَ هِدَايَتِهِ وَ نِعَمِهِ عَلَيَّ، وَ كَذَلِكَ أَخَذَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ مِيثَاقِي عَلَى الْإِيمَانِ وَ هَدَانِي لِمَعْرِفَتِهِ لَا أَشُكُّ فِي ذَلِكَ وَ لَا أَرْتَابُ، وَ لَمْ أَزَلْ عَلَى مَا أَخَذَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيَّ مِنَ الْمِيثَاقِ، وَ لَمْ أُبَدِّلْ وَ لَمْ أُغَيِّرْ وَ ذَلِكَ بِمَنِّ اللَّهِ وَ رَحْمَتِهِ وَ صُنْعِهِ، أَنَا فِي الْجَنَّةِ لَا أَشُكُّ فِي ذَلِكَ وَ لَا أَرْتَابُ، لَمْ أَزَلْ عَلَى مَا أَخَذَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيَّ مِنَ الْمِيثَاقِ، فَإِنَّ الشَّكَّ شِرْكٌ لِمَا أَعْطَانِيَ اللَّهُ مِنَ الْيَقِينِ وَ الْبَيِّنَةِ، وَ أَمَّا أَنْتَ فَعِنْدَ اللَّهِ كَافِرٌ بِجُحُودِكَ الْمِيثَاقَ وَ الْإِقْرَارَ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ بَعْدَ خُرُوجِكَ مِنْ بَطْنِ أُمِّكَ وَ بُلُوغِكَ الْعَقْلَ وَ مَعْرِفَةَ التَّمْيِيزِ لِلْجَيِّدِ وَ الرَّدِيءِ وَ الْخَيْرِ وَ الشَّرِّ، وَ إِقْرَارَكَ بِالرُّسُلِ، وَ جُحُودِكَ لِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي الْإِنْجِيلِ مِنْ أَخْبَارِ النَّبِيِّينَ (عليهم السلام) مَا دُمْتَ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ، كُنْتَ فِي النَّارِ لَا مَحَالَةَ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ مَكَانِي مِنَ النَّارِ وَ مَكَانِكَ مِنَ الْجَنَّةِ؟. فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): لَمْ أَدْخُلْهَا فَأَعْرِفَ مَكَانِي مِنَ الْجَنَّةِ وَ مَكَانَكَ مِنَ النَّارِ، وَ لَكِنْ أُعَرِّفُكَ ذَلِكَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ: إِنَّ اللَّهَ جَلَّ جَلَالُهُ بَعَثَ مُحَمَّداً (صلّى اللّه عليه و آله) بِالْحَقِّ، وَ أَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَاباً: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ﴿‏وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ‏﴾ أَحْكَمَ فِيهِ جَمِيعَ عِلْمِهِ، وَ أَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) عَنِ الْجَنَّةِ بِدَرَجَاتِهَا وَ مَنَازِلِهَا، وَ قَسَّمَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ الْجِنَانَ بَيْنَ خَلْقِهِ لِكُلِّ عَامِلٍ مِنْهُمْ ثَوَاباً مِنْهَا، وَ أَحَلَّهُمْ عَلَى قَدْرِ فَضَائِلِهِمْ فِي الْأَعْمَالِ وَ الْإِيمَانِ، فَصَدَّقَنَا اللَّهُ وَ عَرَّفَنَا مَنَازِلَ الْأَبْرَارِ، وَ كَذَلِكَ مَنَازِلَ الْفُجَّارِ، وَ مَا أَعَدَّ لَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ فِي النَّارِ، وَ قَالَ: لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ فَمَنْ مَاتَ عَلَى كُفْرِهِ وَ فُسُوقِهِ وَ شِرْكِهِ وَ نِفَاقِهِ وَ ظُلْمِهِ فَ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ، وَ قَدْ قَالَ جَلَّ جَلَالُهُ: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ وَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) هُوَ الْمُتَوَسِّمَ، وَ أَنَا وَ الْأَئِمَّةُ مِنْ ذُرِّيَّتِيَ الْمُتَوَسِّمُونَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. قَالَ: فَالْتَفَتَ الْجَاثَلِيقُ إِلَى أَصْحَابِهِ وَ قَالَ: قَدْ أَصَبْتُمْ إِرَادَتَكُمْ وَ أَرْجُو أَنْ تَظْفَرُوا بِالْحَقِّ الَّذِي طَلَبْنَا، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ نَصَبْتُ لَهُ مَسَائِلَ فَإِنْ أَجَابَنِي عَنْهَا نَظَرْنَا فِي أَمْرِنَا وَ قَبِلْتُ مِنْهُ. قَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): فَإِنْ أَجَبْتُكَ عَمَّا تَسْأَلُنِي عَنْهُ- وَ فِيهِ تِبْيَانٌ وَ بُرْهَانٌ وَاضِحٌ لَا تَجِدُ لَهُ مَدْفَعاً وَ لَا مِنْ قَبُولِهِ بُدّاً أَنْ- تَدْخُلَ فِي دِينِنَا؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): اللَّهُ عَلَيْكَ رَاعٍ وَ كَفِيلٌ، إِذَا وَضَحَ لَكَ الْحَقُّ وَ عَرَفْتَ الْهُدَى أَنْ تَدْخُلَ فِي دِينِنَا أَنْتَ وَ أَصْحَابُكَ؟. قَالَ الْجَاثَلِيقُ: نَعَمْ، لَكَ اللَّهُ عَلَيَّ رَاعٍ وَ كَفِيلٌ أَنِّي أَفْعَلُ ذَلِكَ. فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): فَخُذْ عَلَى أَصْحَابِكَ الْوَفَاءَ. قَالَ: فَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الْعَهْدَ. ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): سَلْ عَمَّا أَحْبَبْتَ. قَالَ: خَبِّرْنِي عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ أَ حَمَلَ الْعَرْشَ أَمِ الْعَرْشُ يَحْمِلُهُ؟. قَالَ (عليه السلام): اللَّهُ حَامِلُ الْعَرْشِ وَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ وَ مَا فِيهِمَا وَ مَا بَيْنَهُمَا، وَ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَ لَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً. قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ فَكَيْفَ ذَلِكَ؟ وَ قُلْتَ إِنَّهُ يَحْمِلُ الْعَرْشَ وَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ؟. قَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): إِنَّ الْعَرْشَ خَلَقَهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى مِنْ أَنْوَارٍ أَرْبَعَةٍ: نُورٍ أَحْمَرَ- احْمَرَّتْ مِنْهُ الْحُمْرَةُ-، وَ نُورٍ أَخْضَرَ- اخْضَرَّتْ مِنْهُ الْخُضْرَةُ-، وَ نُورٍ أَصْفَرَ- اصْفَرَّتْ مِنْهُ الصُّفْرَةُ-، وَ نُورٍ أَبْيَضَ- ابْيَضَ مِنْهُ الْبَيَاضُ- وَ هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي حَمَّلَهُ اللَّهُ الْحَمَلَةَ، وَ ذَلِكَ نُورٌ مِنْ عَظَمَتِهِ، فَبِعَظَمَتِهِ وَ نُورِهِ ابْيَضَّتْ قُلُوبُ الْمُؤْمِنِينَ، وَ بِعَظَمَتِهِ وَ نُورِهِ عَادَاهُ الْجَاهِلُونَ، وَ بِعَظَمَتِهِ وَ نُورِهِ ابْتَغَى مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ- مِنْ جَمِيعِ خَلَائِقِهِ- إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ بِالْأَعْمَالِ الْمُخْتَلِفَةِ وَ الْأَدْيَانِ الْمُتَشَتِّتَةِ، وَ كُلُّ مَحْمُولٍ يَحْمِلُهُ اللَّهُ بِنُورِهِ وَ عَظَمَتِهِ وَ قُدْرَتِهِ لَا يَسْتَطِيعُ لِنَفْسِهِ نَفْعاً وَ لا ضَرًّا وَ لَا مَوْتاً وَ لا حَياةً وَ لا نُشُوراً، وَ كُلُّ شَيْءٍ مَحْمُولٌ وَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الْمُمْسِكُ لَهُمَا أَنْ تَزُولا، وَ الْمُحِيطُ بِهِمَا وَ بِمَا فِيهِمَا مِنْ شَيْءٍ، وَ هُوَ حَيَاةُ كُلِّ شَيْءٍ وَ نُورُ كُلِّ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَ تَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أَيْنَ هُوَ؟. قَالَ (عليه السلام): هُوَ هَاهُنَا.. وَ هَاهُنَا.. وَ هَاهُنَا.. وَ هَاهُنَا..، وَ هُوَ فَوْقُ وَ تَحْتُ وَ مُحِيطٌ بِنَا وَ مَعَنَا، وَ هُوَ قَوْلُهُ: ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَ لا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَ لا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ، وَ الْكُرْسِيُّ مُحِيطٌ بِالسَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ: ﴿‏وَ لا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَ هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ‏﴾ فَ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ هُمُ الْعُلَمَاءُ، وَ هُمُ الَّذِينَ حَمَّلَهُمُ اللَّهُ عِلْمَهُ، وَ لَيْسَ يَخْرُجُ عَنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ شَيْءٌ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَلَكُوتِهِ، وَ هُوَ الْمَلَكُوتُ الَّذِي أَرَاهُ اللَّهُ أَصْفِيَاءَهُ، وَ أَرَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ خَلِيلَهُ (عليه السلام)، فَقَالَ: وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ فَكَيْفَ يَحْمِلُهُ حَمَلَةُ الْعَرْشِ وَ بِحَيَاتِهِ حَيِيَتْ قُلُوبُهُمْ، وَ بِنُورِهِ اهْتَدَوْا إِلَى مَعْرِفَتِهِ وَ انْقَادُوا؟!. قَالَ: فَالْتَفَتَ الْجَاثَلِيقُ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: هَذَا هُوَ- وَ اللَّهِ- الْحَقُّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى لِسَانِ الْمَسِيحِ وَ النَّبِيِّينَ وَ الْأَوْصِيَاءِ (عليهم السلام). قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الْجَنَّةِ فِي الدُّنْيَا هِيَ أَمْ فِي الْآخِرَةِ؟ وَ أَيْنَ الْآخِرَةُ وَ الدُّنْيَا؟. قَالَ (عليه السلام): الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ، وَ الْآخِرَةُ مُحِيطَةٌ بِالدُّنْيَا، إِذَا [إِذْ كَانَتِ النُّقْلَةُ مِنَ الْحَيَاةِ إِلَى الْمَوْتِ ظَاهِرَةً، كَانَتِ الْآخِرَةُ هِيَ دَارَ الْحَيَوَانِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ، وَ ذَلِكَ أَنَّ الدُّنْيَا نُقْلَةٌ وَ الْآخِرَةَ حَيَاةٌ وَ مُقَامٌ مَثَلُ ذَلِكَ النَّائِمُ، وَ ذَلِكَ أَنَّ الْجِسْمَ يَنَامُ وَ الرُّوحَ لَا تَنَامُ، وَ الْبَدَنَ يَمُوتُ وَ الرُّوحَ لَا تَمُوتُ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: ﴿‏وَ إِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ‏﴾ وَ الدُّنْيَا رَسْمُ الْآخِرَةِ، وَ الْآخِرَةُ رَسْمُ الدُّنْيَا، وَ لَيْسَ الدُّنْيَا الْآخِرَةَ وَ لَا الْآخِرَةُ الدُّنْيَا، إِذَا فَارَقَ الرُّوحُ الْجِسْمَ يَرْجِعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى مَا مِنْهُ بَدَأَ، وَ مَا مِنْهُ خُلِقَ، وَ كَذَلِكَ الْجَنَّةُ وَ النَّارُ فِي الدُّنْيَا مَوْجُودَةٌ وَ فِي الْآخِرَةِ مَوْجُودَةٌ، لِأَنَّ الْعَبْدَ إِذَا مَاتَ صَارَ فِي دَارٍ مِنَ الْأَرْضِ، إِمَّا رَوْضَةٍ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَ إِمَّا بُقْعَةٍ مِنْ بِقَاعِ النَّارِ، وَ رُوحُهُ إِلَى إِحْدَى دَارَيْنِ: إِمَّا فِي دَارِ نَعِيمٍ مُقِيمٍ لَا مَوْتَ فِيهَا، وَ إِمَّا فِي دَارِ عَذَابٍ أَلِيمٍ لَا يَمُوتُ فِيهَا، وَ الرَّسْمُ لِمَنْ عَقَلَ مَوْجُودٌ وَاضِحٌ، وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ، وَ عَنِ الْكُفَّارِ فَقَالَ إِنَّهُمْ: كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي ﴿‏وَ كانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً‏﴾، وَ لَوْ عَلِمَ الْإِنْسَانُ عِلْمَ مَا هُوَ فِيهِ مَاتَ حُبّاً مِنَ الْمَوْتِ، وَ مَنْ نَجَا فَبِفَضْلِ الْيَقِينِ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ: وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَ الْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ السَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ، فَإِذَا طُوِيَتِ السَّمَاوَاتُ وَ قُبِضَتِ الْأَرْضُ، فَأَيْنَ تَكُونُ الْجَنَّةُ وَ النَّارُ وَ هُمَا فِيهِمَا؟. قَالَ: فَدَعَا بِدَوَاةٍ وَ قِرْطَاسٍ ثُمَّ كَتَبَ فِيهِ: الْجَنَّةَ وَ النَّارَ، ثُمَّ دَرَجَ الْقِرْطَاسَ وَ دَفَعَهُ إِلَى النَّصْرَانِيِّ، وَ قَالَ لَهُ: أَ لَيْسَ قَدْ طَوَيْتُ هَذَا الْقِرْطَاسَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَافْتَحْهُ.. فَفَتَحْتُهُ قَالَ: هَلْ تَرَى آيَةَ النَّارِ وَ آيَةَ الْجَنَّةِ أَ مَحَاهُمَا الْقِرْطَاسُ؟. قَالَ: لَا. قَالَ: فَهَكَذَا فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى إِذَا طُوِيَتِ السَّمَاوَاتُ وَ قُبِضَتِ الْأَرْضُ لَمْ تَبْطُلِ الْجَنَّةُ وَ النَّارُ كَمَا لَمْ تُبْطِلْ طَيُّ هَذَا الْكِتَابِ آيَةَ الْجَنَّةِ وَ آيَةَ النَّارِ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ مَا هَذَا الْوَجْهُ؟، وَ كَيْفَ هُوَ؟، وَ أَيْنَ يُؤْتَى؟، وَ مَا دَلِيلُنَا عَلَيْهِ؟. قَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): يَا غُلَامُ! عَلَيَّ بِحَطَبٍ وَ نَارٍ، فَأَتَى بِحَطَبٍ وَ نَارٍ وَ أَمَرَ أَنْ تُضْرَمَ، فَلَمَّا اسْتَوْقَدَتْ وَ اشْتَعَلَتْ، قَالَ لَهُ: يَا نَصْرَانِيُّ هَلْ تَجِدُ لِهَذِهِ النَّارِ وَجْهاً دُونَ وَجْهٍ؟. قَالَ: لَا، حَيْثُمَا أَتَيْتُهَا فَهُوَ وَجْهٌ. قَالَ (عليه السلام): فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ النَّارُ الْمَخْلُوقَةُ الْمُدَبَّرَةُ فِي ضَعْفِهَا وَ سُرْعَةِ زَوَالِهَا لَا تَجِدُ لَهَا وَجْهاً فَكَيْفَ مَنْ خَلَقَ هَذِهِ النَّارَ وَ جَمِيعُ مَا فِي مَلَكُوتِهِ مِنْ شَيْءٍ أَجَابَهُ؟ كَيْفَ يُوصَفُ بِوَجْهٍ أَوْ يُحَدُّ بِحَدٍّ، أَوْ يُدْرَكُ بِبَصَرٍ، أَوْ يُحِيطُ بِهِ عَقْلٌ، أَوْ يَضْبِطُهُ وَهْمٌ، وَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ. قَالَ الْجَاثَلِيقُ: صَدَقْتَ أَيُّهَا الْوَصِيُّ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ الرَّفِيقُ الْهَادِي، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَ نَذِيراً، وَ أَنَّكَ وَصِيُّهُ وَ صَدِيقُهُ وَ دَلِيلُهُ وَ مَوْضِعُ سِرِّهِ وَ أَمِينُهُ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ بَعْدِهِ، مَنْ أَحَبَّكَ وَ تَوَلَّاكَ هَدَيْتَهُ وَ نَوَّرْتَ قَلْبَهُ وَ أَغْنَيْتَهُ وَ كَفَيْتَهُ وَ شَفَيْتَهُ، وَ مَنْ تَوَلَّى عَنْكَ وَ عَدَلَ عَنْ سَبِيلِكَ ضَلَ وَ غُبِنَ عَنْ حَظِّهِ وَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ، وَ كَفَى هُدَاكَ وَ نُورُكَ هَادِياً وَ كَافِياً وَ شَافِياً. قَالَ: ثُمَّ الْتَفَتَ الْجَاثَلِيقُ إِلَى الْقَوْمِ فَقَالَ: يَا هَؤُلَاءِ! قَدْ أَصَبْتُمْ أُمْنِيَّتَكُمْ وَ أَخْطَأْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، فَاتَّبِعُوهُ تَهْتَدُوا وَ تَرْشُدُوا، فَمَا دَعَاكُمْ إِلَى مَا فَعَلْتُمْ؟! مَا أَعْرِفُ لَكُمْ عُذْراً بَعْدَ آيَاتِ اللَّهِ وَ الْحُجَّةِ عَلَيْكُمْ، أَشْهَدُ أَنَّهَا سُنَّةُ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ، وَ قَدْ قَضَى عَزَّ وَ جَلَّ الِاخْتِلَافَ عَلَى الْأُمَمِ، الِاسْتِبْدَالَ بِأَوْصِيَائِهِمْ بَعْدَ أَنْبِيَائِهِمْ، وَ مَا الْعَجَبُ إِلَّا مِنْكُمْ بَعْدَ مَا شَاهَدْتُمْ؟! فَمَا هَذِهِ الْقُلُوبُ الْقَاسِيَةُ، وَ الْحَسَدُ الظَّاهِرُ، وَ الضِّغْنُ وَ الْإِفْكُ الْمُبِينُ؟!. قَالَ: وَ أَسْلَمَ النَّصْرَانِيُّ وَ مَنْ مَعَهُ وَ شَهِدُوا لِعَلِيٍّ (عليه السلام) بِالْوَصِيَّةِ وَ لِمُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) بِالْحَقِّ وَ النُّبُوَّةِ، وَ أَنَّهُ الْمَوْصُوفُ الْمَنْعُوتُ فِي التَّوْرَاةِ وَ الْإِنْجِيلِ، ثُمَّ خَرَجُوا مُنْصَرِفِينَ إِلَى مَلِكِهِمْ لِيَرُدُّوا عَلَيْهِ مَا عَايَنُوا وَ مَا سَمِعُوا. فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَوْضَحَ بُرْهَانَ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ أَعَزَّ دِينَهُ وَ نَصَرَهُ، وَ صَدَّقَ رَسُولَهُ وَ أَظْهَرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ، وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ وَ صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ. قَالَ: فَتَبَاشَرَ الْقَوْمُ بِحُجَجِ عَلِيٍّ (عليه السلام) وَ بَيَانِ مَا أَخْرَجَهُ إِلَيْهِمْ، فَانْكَشَفَتْ عَنْهُمُ الذِّلَّةُ، وَ قَالُوا: جَزَاكَ اللَّهُ يَا أَبَا الْحَسَنِ فِي مَقَامِكَ بِحَقِّ نَبِيِّكَ، ثُمَّ تَفَرَّقُوا وَ كَأَنَّ الْحَاضِرِينَ لَمْ يَسْمَعُوا شَيْئاً مِمَّا فَهِمَهُ الْقَوْمُ وَ الَّذِينَ هُمْ عِنْدَهُمْ أَبَداً، وَ قَدْ نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ، وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ قَالَ سَلْمَانُ الْخَيْرِ: فَلَمَّا خَرَجُوا مِنَ الْمَسْجِدِ وَ تَفَرَّقَ النَّاسُ وَ أَرَادُوا الرَّحِيلَ أَتَوْا عَلِيّاً (عليه السلام) مُسَلِّمِينَ عَلَيْهِ وَ يَدْعُونَ اللَّهَ تَعَالَى لَهُ وَ اسْتَأْذَنُوا، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ عَلِيٌّ (عليه السلام) فَجَلَسُوا، فَقَالَ الْجَاثَلِيقُ: يَا وَصِيَّ مُحَمَّدٍ وَ أَبَا ذُرِّيَّتِهِ! مَا نَرَى الْأُمَّةَ إِلَّا هَالِكَةً كَهَلَاكِ مَنْ مَضَى مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى وَ تَرْكِهِمْ مُوسَى وَ عُكُوفِهِمْ عَلَى أَمْرِ السَّامِرِيِّ، وَ إِنَّا وَجَدْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَ الْجِنِ يُفْسِدَانِ عَلَى النَّبِيِّ دِينَهُ، وَ يُهْلِكَانِ أُمَّتَهُ، وَ يَدْفَعَانِ وَصِيَّهُ، وَ يَدَّعِيَانِ الْأَمْرَ بَعْدَهُ، وَ قَدْ أَرَانَا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مَا وَعَدَ الصَّادِقِينَ مِنَ الْمَعْرِفَةِ بِهَلَاكِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ، وَ بَيَّنَ لَنَا سَبِيلَكَ وَ سَبِيلَهُمْ، وَ بَصَّرَنَا مَا أَعْمَاهُمْ عَنْهُ، وَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكَ وَ عَلَى دِينِكَ وَ عَلَى طَاعَتِكَ، فَمُرْنَا بِأَمْرِكَ، إِنْ أَحْبَبْتَ أَقَمْنَا مَعَكَ وَ نَصَرْنَاكَ عَلَى عَدُوِّكَ، وَ إِنْ أَمَرْتَنَا بِالْمَسِيرِ سِرْنَا وَ إِلَى مَا صَرَفْتَنَا إِلَيْهِ صِرْنَا، وَ قَدْ نوى صَبْرَكَ عَلَى مَا ارْتُكِبَ مِنْكَ، وَ كَذَلِكَ شِيَمُ الْأَوْصِيَاءِ وَ سُنَّتُهُمْ بَعْدَ نَبِيِّهِمْ، فَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ نَبِيِّكَ عَهْدٌ فِيمَا أَنْتَ فِيهِ وَ هُمْ؟. قَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): نَعَمْ، وَ اللَّهِ إِنَّ عِنْدِي لَعَهْداً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مِمَّا هُمْ صَائِرُونَ إِلَيْهِ، وَ مَا هُمْ عَامِلُونَ، وَ كَيْفَ يَخْفَى عَلَيَّ أَمْرُ أُمَّتِهِ وَ أَنَا مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، وَ بِمَنْزِلَةِ شَمْعُونَ مِنْ عِيسَى؟! أَ وَ مَا تَعْلَمُونَ أَنَّ وَصِيَّ عِيسَى شَمْعُونَ بْنَ حَمُّونَ الصَّفَا- ابْنَ خَالِهِ- اخْتَلَفَتْ عَلَيْهِ أُمَّةُ عِيسَى (عليه السلام) وَ افْتَرَقُوا أَرْبَعَ فِرَقٍ، وَ افْتَرَقَتِ الْأَرْبَعُ فِرَقٍ عَلَى اثنين [اثْنَتَيْنِ وَ سَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا هَالِكَةٌ إِلَّا فِرْقَةٌ وَاحِدَةٌ؟ وَ كَذَلِكَ أُمَّةُ مُوسَى (عليه السلام) افْتَرَقَتْ عَلَى اثنين [اثْنَتَيْنِ وَ سَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا هَالِكَةٌ إِلَّا فِرْقَةٌ وَاحِدَةٌ، وَ قَدْ عَهِدَ إِلَيَّ مُحَمَّدٌ (صلّى اللّه عليه و آله) أَنَّ أُمَّتَهُ يَفْتَرِقُونَ عَلَى ثَلَاثٍ وَ سَبْعِينَ فِرْقَةً، ثَلَاثَ عَشْرَةَ فِرْقَةً تَدَّعِي مَحَبَّتَنَا وَ مَوَدَّتَنَا كُلُّهُمْ هَالِكَةٌ إِلَّا فِرْقَةٌ وَاحِدَةٌ، وَ إِنِّي لَعَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي، وَ إِنِّي عَالِمٌ بِمَا يَصِيرُ الْقَوْمُ إِلَيْهِ، وَ لَهُمْ مُدَّةٌ وَ أَجَلٌ مَعْدُودٌ، لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ: وَ إِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَ مَتاعٌ إِلى حِينٍ وَ قَدْ صَبَرَ عَلَيْهِمُ الْقَلِيلَ لِمَا هُوَ بَالِغُ أَمْرِهِ وَ قَدَرُهُ الْمَحْتُومُ فِيهِمْ، وَ ذَكَرَ نِفَاقَهُمْ وَ حَسَدَهُمْ وَ أَنَّهُ سَيُخْرِجُ أَضْغَانَهُمْ وَ يُبَيِّنُ مَرَضَ قُلُوبِهِمْ بَعْدَ فِرَاقِ نَبِيِّهِمْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ أَيْ تَعْلَمُونَ ﴿‏وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَ نَلْعَبُ قُلْ أَ بِاللَّهِ وَ آياتِهِ وَ رَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ‏﴾ فَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنِ الْقَلِيلِ مِنْ هَؤُلَاءِ وَ وَعَدَنِي أَنْ يُظْهِرَنِي عَلَى أَهْلِ الْفِتْنَةِ وَ يردوا [يَرُدَّ الْأَمْرَ إِلَيَّ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُبْطِلُونَ، وَ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي الْمُصَالَحَةِ وَ الْمُهَادَنَةِ عَلَى أَنْ لَا تُحْدِثُوا وَ لَا تَأْوُوا مُحْدِثاً، فَلَكُمُ الْوَفَاءُ عَلَى مَا وَفَيْتُمْ، وَ لَكُمُ الْعَهْدُ وَ الذِّمَّةُ عَلَى مَا أَقَمْتُمْ عَلَى الْوَفَاءِ بِعَهْدِكُمْ عَلَيْنَا مِثْلُ ذَلِكَ لَكُمْ، وَ لَيْسَ هَذَا أَوَانُ نَصْرِنَا وَ لَا يُسَلُّ سَيْفٌ وَ لَا يُقَامُ عَلَيْهِمْ بِحَقٍّ مَا لَمْ يَقْبَلُوا وَ يُعْطُوا طَاعَتَهُمْ، إِذْ كُنْتُ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ مِنْ رَسُولِهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مِثْلَ الْحَجِّ وَ الزَّكَاةِ وَ الصَّوْمِ وَ الصَّلَاةِ، فَهَلْ يُقَامُ بِهَذِهِ الْحُدُودِ إِلَّا بِعَالِمٍ قَائِمٍ يَهْدِي إِلَى الْحَقِ وَ هُوَ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ؟! وَ لَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ فَأَنَا- رَحِمَكَ اللَّهُ فَرِيضَةٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ (صلّى اللّه عليه و آله) عَلَيْكُمْ، بَلْ أَفْضَلُ الْفَرَائِضِ وَ أَعْلَاهَا، وَ أَجْمَعُهَا لِلْحَقِّ، وَ أَحْكَمُهَا لِدَعَائِمِ الْإِيمَانِ، وَ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ، وَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْخَلْقُ لِصَلَاحِهِمْ وَ لِفَسَادِهِمْ وَ لِأَمْرِ دُنْيَاهُمْ وَ آخِرَتِهِمْ، فَقَدْ تَوَلَّوْا عَنِّي، وَ دَفَعُوا فَضْلِي، وَ فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) إِمَامَتِي وَ سُلُوكَ سَبِيلِي، فَقَدْ رَأَيْتُمْ مَا شَمِلَهُمْ مِنَ الذُّلِّ وَ الصَّغَارِ مِنْ بَعْدِ الْحُجَّةِ. وَ كَيْفَ أَثْبَتَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةَ وَ قَدْ نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ مِنْ عَهْدِ نَبِيِّهُمْ، وَ مَا أَكَّدَ عَلَيْهِمْ مِنْ طَاعَتِي وَ أَخْبَرَهُمْ مِنْ مَقَامِي، وَ بَلَّغَهُمْ مِنْ رِسَالَةِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِي فَقْرِهِمْ إِلَى عِلْمِي وَ غِنَايَ عَنْهُمْ وَ عَنْ جَمِيعِ الْأُمَّةِ مِمَّا أَعْطَانِيَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ، فَكَيْفَ آسَى عَلَى مَنْ ضَلَّ عَنِ الْحَقِّ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ وَ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَ أَضَلَّهُ اللَّهُ ﴿‏عَلى عِلْمٍ وَ خَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَ قَلْبِهِ وَ جَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ‏﴾ إِنَّ هُدَاهُ لَلْهُدَى، وَ هُمَا السَّبِيلَانِ: سَبِيلُ الْجَنَّةِ وَ سَبِيلُ النَّارِ وَ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةُ، فَقَدْ تَرَى مَا نَزَلَ بِالْقَوْمِ مِنِ اسْتِحْقَاقِ الْعَذَابِ الَّذِي عَذَّبَ بِهِ مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ، وَ كَيْفَ بَدَّلُوا كَلَامَ اللَّهِ، وَ كَيْفَ جَرَتِ السُّنَّةُ فِيهِمْ مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ، فَعَلَيْكُمْ بِالتَّمَسُّكِ بِحَبْلِ اللَّهِ وَ عُرْوَتِهِ، وَ كُونُوا مِنْ حِزْبِ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ، وَ الْزَمُوا عَهْدَ رَسُولِ اللَّهِ وَ مِيثَاقَهُ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيباً وَ سَيَعُودُ غَرِيباً، وَ كُونُوا فِي أَهْلِ مِلَّتِكُمْ كَأَصْحَابِ الْكَهْفِ، وَ إِيَّاكُمْ أَنْ تَغُشُّوا أَمْرَكُمْ إِلَى أَهْلٍ أَوْ وَلَدٍ أَوْ حَمِيمٍ أَوْ قَرِيبٍ، فَإِنَّهُ دِينُ اللَّهِ الَّذِي أَوْجَبَ لَهُ التَّقِيَّةَ لِأَوْلِيَائِهِ فَيَقْتُلُكُمْ قَوْمُكُمْ وَ إِنْ أَصَبْتُمْ مِنَ الْمَلِكِ فُرْصَةً أَلْقَيْتُمْ عَلَى قَدْرِ مَا تَرَوْنَ …

بحار الأنوار — كتاب الفتن و المحن · شرح انعقاد السقيفة و كيفية السقيفة] (1)

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.