ج: سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقُمِّيُّ الْأَشْعَرِيُّ، قَالَ: بُلِيتُ بِأَشَدِّ النَّوَاصِبِ مُنَازَعَةً، فَقَالَ لِي يَوْماً- بَعْدَ مَا نَاظَرْتُهُ-: تَبّاً لَكَ وَ لِأَصْحَابِكَ، أَنْتُمْ مَعَاشِرَ الرَّوَافِضِ تَقْصِدُونَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارَ بِالطَّعْنِ عَلَيْهِمْ وَ الْجُحُودِ لِمَحَبَّةِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) لَهُمْ، فَالصِّدِّيقُ هُوَ فَوْقَ الصَّحَابَةِ بِسَبَبِ سَبْقِ الْإِسْلَامِ، أَ لَا تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) إِنَّمَا ذَهَبَ بِهِ لَيْلَةَ الْغَارِ لِأَنَّهُ خَافَ عَلَيْهِ كَمَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ، وَ لِمَا عَلِمَ أَنَّهُ يَكُونُ الْخَلِيفَةَ فِي أُمَّتِهِ أَرَادَ أَنْ يَصُونَ نَفْسَهُ كَمَا يَصُونُ (عليه السلام) خَاصَّةَ نَفْسِهِ، كَيْلَا يَخْتَلَّ حَالُ الدِّينِ مِنْ بَعْدِهِ، وَ يَكُونَ الْإِسْلَامُ مُنْتَظِماً، وَ قَدْ أَقَامَ عَلِيّاً عَلَى فِرَاشِهِ لِمَا كَانَ فِي عِلْمِهِ أَنَّهُ لَوْ قُتِلَ لَا يَخْتَلُّ الْإِسْلَامُ بِقَتْلِهِ، لِأَنَّهُ يَكُونُ مِنَ الصَّحَابَةِ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ، لَا جَرَمَ لَمْ يُبَالِ مِنْ قَتْلِهِ. قَالَ سَعْدٌ: إِنِّي قَدْ قُلْتُ عَلَى ذَلِكَ أَجْوِبَةً لَكِنَّهَا غَيْرُ مُسْكِتَةٍ. ثُمَّ قَالَ: مَعَاشِرَ الرَّوَافِضِ تَقُولُونَ: إِنَّ الْأَوَّلَ وَ الثَّانِيَ كَانَا يُنَافِقَانِ، وَ تَسْتَدِلُّونَ عَلَى ذَلِكَ بِلَيْلَةِ الْعَقَبَةِ؟ ثُمَّ قَالَ لِي: أَخْبِرْنِي عَنْ إِسْلَامِهِمَا كَانَ عَنْ طَوْعٍ وَ رَغْبَةٍ أَوْ كَانَ عَنْ إِكْرَاهٍ وَ إِجْبَارٍ؟. فَاحْتَرَزْتُ عَنْ جَوَابِ ذَلِكَ وَ قُلْتُ مَعَ نَفْسِي إِنْ كُنْتُ أُجِيبُهُ بِأَنَّهُ كَانَ عَنْ طَوْعٍ فَيَقُولُ: لَا يَكُونُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ إِيمَانُهُمَا عَنْ نِفَاقٍ، وَ إِنْ قُلْتُ كَانَ عَلَى إِكْرَاهٍ وَ إِجْبَارٍ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِلْإِسْلَامِ قُوَّةٌ حَتَّى يَكُونَ إِسْلَامُهُمَا بِإِكْرَاهٍ وَ قَهْرٍ، فَرَجَعْتُ عَنْ هَذَا الْخَصْمِ عَلَى حَالٍ يُقْطَعُ كَبِدِي، فَأَخَذْتُ طُومَاراً وَ كَتَبْتُ بِضْعاً وَ أَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً مِنَ الْمَسَائِلِ الْغَامِضَةِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ عِنْدِي جَوَابُهَا، وَ قُلْتُ: أَدْفَعُهَا إِلَى صَاحِبِ مَوْلَايَ أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ (عليهما السلام) الَّذِي كَانَ فِي قُمَّ، أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ، فَلَمَّا طَلَبْتُهُ كَانَ هُوَ قَدْ ذَهَبَ، فَمَشَيْتُ عَلَى أَثَرِهِ فَأَدْرَكْتُهُ، وَ قُلْتُ الْحَالَ مَعَهُ، فَقَالَ لِي: تَجِيءُ مَعِي إِلَى سُرَّ مَنْ رَأَى حَتَّى تَسْأَلَ عَنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ مَوْلَانَا الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ (عليهما السلام)، فَذَهَبْتُ مَعَهُ إِلَى سُرَّ مَنْ رَأَى، ثُمَّ جِئْنَا إِلَى بَابِ دَارِ مَوْلَانَا (عليه السلام)، فَاسْتَأْذَنَّا بِالدُّخُولِ عَلَيْهِ فَأَذِنَ لَنَا، فَدَخَلْنَا الدَّارَ وَ كَانَ مَعَ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ جِرَابٌ قَدْ سَتَرَهُ بِكِسَاءٍ طَبَرِيٍّ، وَ كَانَ فِيهِ مِائَةٌ وَ سِتُّونَ صُرَّةً مِنَ الذَّهَبِ وَ الْوَرِقِ، عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا خَاتَمُ صَاحِبِهِا الَّذِي دَفَعَهَا إِلَيْهِ، وَ لَمَّا دَخَلْنَا وَ وَقَعَ أَعْيُنُنَا عَلَى وَجْهِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ (عليهما السلام) كَانَ وَجْهُهُ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَ قَدْ رَأَيْنَا عَلَى فَخِذِهِ غُلَاماً يُشْبِهُ الْمُشْتَرِيَ فِي الْحُسْنِ وَ الْجَمَالِ.... فَأَرَدْتُ أَنْ أَسْأَلَهُ عَنْ مَسَائِلَ فَقَالَ: سَلْ قُرَّةَ عَيْنِي- وَ أَوْمَأَ إِلَى الْغُلَامِ- عَمَّا بَدَا لَكَ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ مَسَائِلَ فَأَجَابَنِي.. ثُمَّ قَالَ مُبْتَدِئاً: يَا سَعْدُ! إِنَّ مَنِ ادَّعَى أَنَّ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله)- وَ هُوَ خَصْمُكَ- ذَهَبَ بِمُخْتَارِ هَذِهِ الْأُمَّةِ مَعَ نَفْسِهِ إِلَى الْغَارِ، فَإِنَّهُ خَافَ عَلَيْهِ كَمَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ، لِمَا عَلِمَ أَنَّهُ الْخَلِيفَةُ مِنْ بَعْدِهِ عَلَى أُمَّتِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ حُكْمِ الِاخْتِفَاءِ أَنْ يَذْهَبَ بِغَيْرِهِ مَعَهُ، وَ إِنَّمَا أَنَامَ عَلِيّاً (عليه السلام) عَلَى مَبِيتِهِ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ إِنْ قُتِلَ لَا يَكُونَ مِنَ الْخَلَلِ بِقَتْلِهِ مَا يَكُونُ بِقَتْلِ أَبِي بَكْرٍ، لِأَنَّهُ يَكُونُ لِعَلِيٍّ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي الْأُمُورِ، أَ لَمْ تَنْقُضْ عَلَيْهِ بِقَوْلِكَ: أَ وَ لَسْتُمْ تَقُولُونَ إِنَّ النَّبِيَّ (عليه السلام) قَالَ: إِنَّ الْخِلَافَةَ مِنْ بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنَةً؟! وَ صَيَّرَهَا مَوْقُوفَةً عَلَى أَعْمَارِ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ، أَبِي بَكْرٍ، وَ عُمَرَ، وَ عُثْمَانَ، وَ عَلِيٍّ.. فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى مَذْهَبِكُمْ خُلَفَاءَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)؟ فَإِنَّ خَصْمَكَ لَمْ يَجِدْ بُدّاً مِنْ قَوْلِهِ: بَلَى. ثُمَّ قُلْتَ: فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلَمَّا كَانَ أَبُو بَكْرٍ الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِهِ كَانَ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ خُلَفَاءَ أُمَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ؟ فَلِمَ ذَهَبَ بِخَلِيفَةٍ وَحْدَهُ- وَ هُوَ أَبُو بَكْرٍ- إِلَى الْغَارِ وَ لَمْ يَذْهَبْ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ، فَعَلَى هَذَا الْأَسَاسِ يَكُونُ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) مُسْتَخِفّاً بِهِمْ دُونَ أَبِي بَكْرٍ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَ مَا فَعَلَ بِأَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بِهِمْ يَكُونُ مُتَهَاوِناً بِحُقُوقِهِمْ، وَ تَارِكاً لِلشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أَنْ كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَ بِهِمْ جَمِيعاً عَلَى تَرْتِيبِ خِلَافَتِهِمْ مَا فَعَلَ بِأَبِي بَكْرٍ. وَ أَمَّا مَا قَالَ لَكَ الْخَصْمُ: بِأَنَّهُمَا أَسْلَمَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لِمَ لَمْ تَقُلْ بَلْ إِنَّهُمَا أَسْلَمَا طَمَعاً، وَ ذَلِكَ أَنَّهُمَا يُخَالِطَانِ مَعَ الْيَهُودِ وَ يُخْبَرَانِ بِخُرُوجِ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ اسْتِيلَائِهِ عَلَى الْعَرَبِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَ مَلَاحِمِ قِصَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ وَ آلِهِ السَّلَامُ، وَ يَقُولُونَ لَهُمَا: يَكُونُ اسْتِيلَاؤُهُ عَلَى الْعَرَبِ كَاسْتِيلَاءِ بُخْتَنَصَّرَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا أَنَّهُ يَدَّعِي النُّبُوَّةَ وَ لَا يَكُونُ مِنَ النُّبُوَّةِ فِي شَيْءٍ، فَلَمَّا ظَهَرَ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) تَسَاعَدَا مَعَهُ عَلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) طَمَعاً أَنْ يَجِدَا مِنْ جِهَةِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَلَايَةَ بَلَدٍ إِذَا انْتَظَمَ أَمْرُهُ وَ حَسُنَ حَالُهُ، وَ اسْتَقَامَتْ وَلَايَتُهُ، فَلَمَّا أَيِسَا مِنْ ذَلِكَ وَافَقَا مَعَ أَمْثَالِهِمَا لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ، وَ تَلَثَّمَا مِثْلَ مَنْ تَلَثَّمَ مِنْهُمْ، وَ نَفَرُوا بِدَابَّةِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) لِتُسْقِطَهُ وَ يَسِيرَ هَالِكاً بِسُقُوطِهِ بَعْدَ أَنْ صَعِدَا الْعَقَبَةَ فِيمَنْ صَعِدَ، فَحَفِظَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ مِنْ كَيْدِهِمْ وَ لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَفْعَلُوا شَيْئاً، وَ كَانَ حَالُهُمَا كَحَالِ طَلْحَةَ وَ الزُّبَيْرِ إِذْ جَاءَا عَلِيّاً (عليه السلام) وَ بَايَعَا طَمَعاً أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَايَةٌ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ وَ أَيِسَا مِنَ الْوَلَايَةِ نَكَثَا بَيْعَتَهُ وَ خَرَجَا عَلَيْهِ حَتَّى آلَ أَمْرُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى مَا يَئُولُ أَمْرُ مَنْ يَنْكُثُ الْعُهُودَ وَ الْمَوَاثِيقَ. أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: مَا بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا إِلَّا وَ فِي وَقْتِهِ شَيْطَانَانِ يُؤْذِيَانِهِ وَ يَفْتِنَانِهِ وَ يُضِلَّانِ النَّاسَ بَعْدَهُ، فَأَمَّا الْخَمْسَةُ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، نُوحٌ، وَ إِبْرَاهِيمُ، وَ مُوسَى، وَ عِيسَى، وَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَ أَمَّا صَاحِبَا نُوحٍ، فقيطيفوس وَ خرام، وَ أَمَّا صَاحِبَا إِبْرَاهِيمَ، فمكيل وَ رذام، وَ أَمَّا صَاحِبَا مُوسَى، فَالسَّامِرِيُّ وَ مرعقيبا، وَ أَمَّا صَاحِبَا عِيسَى، فمولس وَ مريسان، وَ أَمَّا صَاحِبَا مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَحَبْتَرٌ وَ زُرَيْقٌ.
بحار الأنوار — كتاب الفتن و المحن · شرح انعقاد السقيفة و كيفية السقيفة] (1)