الأقسامبحار الأنواركتاب الفتن و المحن
بحار الأنوار

كِتَابُ الْإِسْتِدْرَاكِ: بِإِسْنَادِهِ، أَنَّ الْمُتَوَكِّلَ قِيلَ لَهُ إِنَّ أَبَا الْحَسَنِ يَعْنِي عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الرِّضَا- يُفَسِّرُ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ: وَ يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ... الْآيَتَيْنِ، فِي الْأَوَّلِ وَ الثَّانِي. قَالَ: فَكَيْفَ الْوَجْهُ فِي أَمْرِهِ؟. قَالُوا: تَجْمَعُ لَهُ النَّاسَ وَ تَسْأَلُهُ بِحَضْرَتِهِمْ، فَإِنْ فَسَّرَهَا بِهَذَا كَفَاكَ الْحَاضِرُونَ أَمْرَهُ، وَ إِنْ فَسَّرَهَا بِخِلَافِ ذَلِكَ افْتَضَحَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ، قَالَ: فَوَجَّهَ إِلَى الْقُضَاةِ وَ بَنِي هَاشِمٍ وَ الْأَوْلِيَاءِ، وَ سُئِلَ (عليه السلام)، فَقَالَ: هَذَانِ رَجُلَانِ كَنَى اللَّهُ عَنْهُمَا وَ مَنَّ بِالسَّتْرِ عَلَيْهِمَا، أَ فَيُحِبُّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَكْشِفَ مَا سَتَرَهُ اللَّهُ؟. فَقَالَ: لَا أُحِبُّ.. 114- أقول: رَأَيْتُ فِي بَعْضِ كُتُبِ الْمَنَاقِبِ، عَنِ الْمُفَضَّلِ، قَالَ الصَّادِقُ (عليه السلام): إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (صلوات الله عليه) بَلَغَهُ عَنْ بَعْضٍ شَيْءٌ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ سَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ فَقَالَ: إِنَّهُ بَلَغَنِي عَنْكَ كَيْتَ وَ كَيْتَ وَ كَرِهْتُ أَنْ أَفْضَحَكَ، وَ جَعَلْتُ كَفَّارَةَ ذَلِكَ فَكَّ رَقَبَتِكَ مِنَ الْمَالِ الَّذِي حُمِلَ إِلَيْكَ مِنْ خُرَاسَانَ الَّذِي خُنْتَ فِيهِ اللَّهَ وَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ سَلْمَانُ: فَلَمَّا قُلْتُ ذَلِكَ لَهُ تَغَيَّرَ وَجْهُهُ وَ ارْتَعَدَتْ فَرَائِصُهُ وَ أُسْقِطَ فِي يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ بِلِسَانٍ كَلِيلٍ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ! أَمَّا الْكَلَامُ فَلَعَمْرِي قَدْ جَرَى بَيْنِي وَ بَيْنَ أَهْلِي وَ وُلْدِي وَ مَا كَانُوا بِالَّذِي يُفْشُونَ عَلَيَّ، فَمِنْ أَيْنَ عَلِمَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ؟ وَ أَمَّا الْمَالُ الَّذِي وَرَدَ عَلَيَّ فَوَ اللَّهِ مَا عَلِمَ بِهِ إِلَّا الرَّسُولُ الَّذِي أَتَى بِهِ، وَ إِنَّمَا هُوَ هَدِيَّةٌ، فَمِنْ أَيْنَ عَلِمَ؟ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ: وَ اللَّهِ ثُمَّ وَ اللَّهِ..- ثَلَاثاً- إِنَّ ابْنَ أَبِي طَالِبٍ سَاحِرٌ عَلِيمٌ. قَالَ سَلْمَانُ: قُلْتُ: بِئْسَ مَا قُلْتَ يَا عَبْدَ اللَّهِ؟. فَقَالَ: وَيْحَكَ! اقْبَلْ مِنِّي مَا أَقُولُهُ فَوَ اللَّهِ مَا عَلِمَ أَحَدٌ بِهَذَا الْكَلَامِ وَ لَا أَحَدٌ عَرَفَ خَبَرَ هَذَا الْمَالِ غَيْرِي، فَمِنْ أَيْنَ عَلِمَ؟ وَ مَا عَلِمَ هُوَ إِلَّا مِنَ السِّحْرِ، وَ قَدْ ظَهَرَ لِي مِنْ سِحْرِهِ غَيْرُ هَذَا؟. قَالَ سَلْمَانُ: فَتَجَاهَلْتُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: بِاللَّهِ ظَهَرَ لَكَ مِنْهُ غَيْرُ هَذَا؟. قَالَ: إِي وَ اللَّهِ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ؟. قُلْتُ: فَأَخْبِرْنِي بِبَعْضِهِ. قَالَ: إِذاً وَ اللَّهِ أَصْدُقُكَ وَ لَا أُحَرِّفُ قَلِيلًا وَ لَا كَثِيراً مِمَّا رَأَيْتُهُ مِنْهُ، لِأَنِّي أُحِبُّ أَنْ أَطَّلِعَكَ عَلَى سِحْرِ صَاحِبِكَ حَتَّى تَجْتَنِبَهُ وَ تُفَارِقَهُ، فَوَ اللَّهِ مَا فِي شَرْقِهَا وَ غَرْبِهَا أَحَدٌ أَسْحَرَ مِنْهُ، ثُمَّ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَ قَامَ وَ قَعَدَ، وَ قَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ! إِنِّي لَمُشْفِقٌ عَلَيْكَ وَ مُحِبٌّ لَكَ، عَلَى أَنَّكَ قَدِ اعْتَزَلْتَنَا وَ لَزِمْتَ ابْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَلَوْ مِلْتَ إِلَيْنَا وَ كُنْتَ فِي جَمَاعَتِنَا لَآثَرْنَاكَ وَ شَارَكْنَاكَ فِي هَذِهِ الْأَمْوَالِ، فَاحْذَرِ ابْنَ أَبِي طَالِبٍ وَ لَا يَغُرَّنَّكَ مَا تَرَى مِنْ سِحْرِهِ! فَقُلْتُ: فَأَخْبِرْنِي بِبَعْضِهِ. قَالَ: نَعَمْ، خَلَوْتُ ذَاتَ يَوْمٍ أَنَا وَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْخُمُسِ، فَقَطَعَ حَدِيثِي وَ قَالَ لِي: مَكَانَكَ حَتَّى أَعُودَ إِلَيْكَ، فَقَدْ عَرَضَتْ لِي حَاجَةٌ، فَخَرَجَ، فَمَا كَانَ بِأَسْرَعَ أَنِ انْصَرَفَ وَ عَلَى عِمَامَتِهِ وَ ثِيَابِهِ غُبَارٌ كَثِيرَةٌ، فَقُلْتُ: مَا شَأْنُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟. قَالَ: أَقْبَلْتُ عَلَى عَسَاكِرَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ يُرِيدُونَ بِالْمَشْرِقِ مَدِينَةً يُقَالُ لَهَا: صَحُورُ، فَخَرَجْتُ لِأُسَلِّمَ عَلَيْهِ، فَهَذِهِ الْغَبَرَةُ مِنْ ذَلِكَ، فَضَحِكْتُ تَعَجُّباً مِنْ قَوْلِهِ، وَ قُلْتُ: يَا أَبَا الْحَسَنِ! رَجُلٌ قَدْ بَلِيَ فِي قَبْرِهِ وَ أَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّكَ لَقِيتَهُ السَّاعَةَ وَ سَلَّمْتَ عَلَيْهِ، هَذَا مَا لَا يَكُونُ أَبَداً. فَغَضِبَ مِنْ قَوْلِي، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيَّ فَقَالَ: أَ تُكَذِّبُنِي؟!. قُلْتُ: لَا تَغْضَبْ فَإِنَّ هَذَا مَا لَا يَكُونُ. قَالَ: فَإِنْ عَرَضْتُهُ عَلَيْكَ حَتَّى لَا تُنْكِرَ مِنْهُ شَيْئاً تُحْدِثُ لِلَّهِ تَوْبَةً مِمَّا أَنْتَ عَلَيْهِ؟. قُلْتُ: لَعَمْرُ اللَّهِ. فَاعْرِضْهُ عَلَيَّ، فَقَالَ: قُمْ، فَخَرَجْتُ مَعَهُ إِلَى طَرَفِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لِي: يَا شَاكُّ غَمِّضْ عَيْنَيْكَ، فَغَمَّضْتُهَا فَمَسَحَهُمَا ثُمَّ قَالَ: يَا غَافِلُ افْتَحْهُمَا، فَفَتَحْتُهُمَا فَإِذَا أَنَا وَ اللَّهِ- يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ- بِرَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) مَعَ الْمَلَائِكَةِ لَمْ أُنْكِرْ مِنْهُ شَيْئاً، فَبَقِيتُ وَ اللَّهِ مُتَعَجِّباً أَنْظُرُ فِي وَجْهِهِ، فَلَمَّا أَطَلْتُ النَّظَرَ إِلَيْهِ فَعَضَّ الْأَنَامِلَ بِالْأَسْنَانِ وَ قَالَ لِي: يَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ! أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا، قَالَ: فَسَقَطْتُ مَغْشِيّاً عَلَى الْأَرْضِ، فَلَمَّا أَفَقْتُ قَالَ لِي: هَلْ رَأَيْتَهُ وَ سَمِعْتَ كَلَامَهُ؟. قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: انْظُرْ إِلَى النَّبِيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، فَنَظَرْتُ فَإِذَا لَا عَيْنَ وَ لَا أَثَرَ وَ لَا خَبَرَ مِنَ الرَّسُولِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ لَا مِنْ تِلْكَ الْخُيُولِ. فَقَالَ لِي: يَا مِسْكِينُ فَأَحْدِثْ تَوْبَةً مِنْ سَاعَتِكَ هَذِهِ. فَاسْتَقَرَّ عِنْدِي فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَنَّهُ أَسْحَرُ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَ بِاللَّهِ لَقَدْ خِفْتُهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَ هَالَنِي أَمْرُهُ، وَ لَوْ لَا أَنِّي وَقَفْتُ- يَا سَلْمَانُ- عَلَى أَنَّكَ تُفَارِقُهُ مَا أَخْبَرْتُكَ، فَاكْتُمْ هَذَا وَ كُنْ مَعَنَا لِتَكُونَ مِنَّا وَ إِلَيْنَا حَتَّى أُوَلِّيَكَ الْمَدَائِنَ وَ فَارِسَ، فَصِرْ إِلَيْهِمَا وَ لَا تُخْبِرِ ابْنَ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) بِشَيْءٍ مِمَّا جَرَى بَيْنَنَا، فَإِنِّي لَا آمَنُهُ أَنْ يَفْعَلَ لِي مِنْ كَيْدِهِ شَيْئاً. قَالَ: فَضَحِكْتُ وَ قُلْتُ: إِنَّكَ لَتَخَافُهُ؟. قَالَ: إِي وَ اللَّهِ خَوْفاً لَا أَخَافُ شَيْئاً مِثْلَهُ. قَالَ سَلْمَانُ: فَنَشَطْتُ مُتَجَاهِلًا بِمَا حَدَّثَنِي وَ قُلْتُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ! أَخْبِرْنِي عَنْ غَيْرِهِ فَوَ اللَّهِ إِنَّكَ أَخْبَرْتَنِي عَنْ أُعْجُوبَةٍ؟. قَالَ: إِذاً أُخْبِرُكَ بِأَعْجَبَ مِنْ هَذَا مِمَّا عَايَنْتُهُ أَنَا بِعَيْنِي. قُلْتُ: فَأَخْبِرْنِي. قَالَ: نَعَمْ، إِنَّهُ أَتَانِي يَوْماً مُغْضَباً وَ فِي يَدِهِ قَوْسُهُ فَقَالَ لِي: يَا فُلَانُ! عَلَيْكَ بِشِيعَتِكَ الطُّغَاةِ وَ لَا تَتَعَرَّضْ لِشِيعَتِي، فَإِنِّي خَلِيقٌ أَنْ أُنَكِّلَ بِكَ. فَغَضِبْتُ أَنَا أَيْضاً- وَ لَمْ أَكُنْ وَقَفْتُ عَلَى سِحْرِهِ قَبْلَ ذَلِكَ-، فَقُلْتُ: يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ! مَهْ، مَا هَذَا الْغَضَبُ وَ السَّلْطَنَةُ؟. أَ تَعْرِفُنِي حَقَّ الْمَعْرِفَةِ؟. قَالَ: نَعَمْ، فَوَ اللَّهِ لَأَعْرِفَنَّ قَدْرَكَ، ثُمَّ رَمَى بِقَوْسِهِ الْأَرْضَ، وَ قَالَ: خُذِيهِ، فَصَارَتْ ثُعْبَاناً عَظِيماً مِثْلَ ثُعْبَانِ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ فَفَغَرَ فَاهُ فَأَقْبَلَ نَحْوِي لِيَبْلَعَنَي، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ طَارَ رُوحِي فَرَقاً وَ خَوْفاً وَ صِحْتُ وَ قُلْتُ: اللَّهَ! اللَّهَ! الْأَمَانَ الْأَمَانَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اذْكُرْ مَا كَانَ فِي خِلَافَةِ الْأَوَّلِ مِنِّي حِينَ وَثَبَ إِلَيْكَ، وَ بَعْدُ فَاذْكُرْ مَا كَانَ مِنِّي إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ الْفَاسِقِ بْنِ الْفَاسِقِ حِينَ أَمَرَهُ الْخَلِيفَةُ بِقَتْلِكَ، وَ بِاللَّهِ مَا شَاوَرَنِي فِي ذَلِكَ فَكَانَ مِنِّي مَا كَانَ حَتَّى شَكَانِي وَ وَقَعَ بَيْنَنَا الْعَدَاوَةُ، وَ اذْكُرْ- يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ- مَا كَانَ مِنِّي فِي مَقَامِي حِينَ قُلْتُ: إِنَّ بَيْعَةَ أَبِي بَكْرٍ كَانَتْ فَلْتَةً فَمَنْ عَادَ إِلَى مِثْلِهَا فَاقْتُلُوهُ، فَارْتَابَ النَّاسُ وَ صَاحُوا وَ قَالُوا: طَعَنَ عَلَى صَاحِبِهِ، قَدْ عَرَفْتَ هَذَا كُلَّهُ، وَ بِاللَّهِ إِنَّ شِيعَتَكَ يُؤْذُونَنِي وَ يُشَنِّعُونَ عَلَيَّ، وَ لَوْ لَا مَكَانُكَ- يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ- لَكُنْتُ نَكَلْتُ بِهِمْ، وَ أَنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَتَعَرَّضْ لَهُمْ مِنْ أَجْلِكَ وَ كَرَامَتِكَ، فَاكْفُفْ عَنِّي هَذَا الثُّعْبَانَ فَإِنَّهُ يَبْلَعُنِي. فَلَمَّا سَمِعَ هَذَا الْمَقَالَ مِنِّي قَالَ: أَيُّهَا الْمِسْكِينُ لَطُفْتَ فِي الْكَلَامِ، وَ إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ نَشْكُرُ الْقَلِيلَ، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ إِلَى الثُّعْبَانِ وَ قَالَ: مَا تَقُولُ؟. قُلْتُ: الْأَمَانَ! الْأَمَانَ! قَدْ عَلِمْتَ أَنِّي لَمْ أَقُلْ إِلَّا حَقّاً، فَإِذَا قَوْسُهُ فِي يَدِهِ وَ لَيْسَ هُنَاكَ ثُعْبَانٌ وَ لَا شَيْءٌ، فَلَمْ أَزَلْ أَحْذَرُهُ وَ أَخَافُهُ إِلَى يَوْمِي هَذَا. قَالَ سَلْمَانُ: فَضَحِكْتُ وَ قُلْتُ: وَ اللَّهِ مَا سَمِعْتُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأُعْجُوبَاتِ. قَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ! هَذَا مَا رَأَيْتُهُ أَنَا بِعَيْنَيَّ هَاتَيْنِ، وَ لَوْ لَا أَنِّي قَدْ رَفَعْتُ الْحِشْمَةَ فِيمَا بَيْنِي وَ بَيْنَكَ مَا كُنْتُ بِالَّذِي أُخْبِرُكَ بِهَذَا. قَالَ سَلْمَانُ: فَتَجَاهَلْتُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: هَلْ رَأَيْتَ مِنْهُ سِحْراً غَيْرَ مَا أَخْبَرْتَنِي بِهِ؟. قَالَ: نَعَمْ، لَوْ حَدَّثْتُكَ لَبَقِيتَ مِنْهُ مُتَحَيِّراً، وَ لَا تَقُلْ- يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ- إِنَّ هَذَا السِّحْرَ هُوَ الَّذِي أَظْهَرَهُ، لَا وَ اللَّهِ وَ لَكِنْ هُوَ وِرَاثَةٌ يَرِثُونَهَا. قُلْتُ: كَيْفَ؟. قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي أَنَّهُ رَأَى مِنْ أَبِيهِ أَبِي طَالِبٍ وَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ سِحْراً لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ، وَ ذَكَرَ أَبِي أَنَّ أَبَاهُ نُفَيْلًا أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى مِنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ سِحْراً لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ. قَالَ سَلْمَانُ: فَقُلْتُ: حَدِّثْنِي بِمَا أَخْبَرَكَ بِهِ أَبُوكَ؟. قَالَ: نَعَمْ، أَخْبَرَنِي أَبِي أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) فِي سَفَرٍ يُرِيدُونَ الشَّامَ مَعَ تُجَّارِ قُرَيْشٍ تَخْرُجُ مِنَ السَّنَةِ إِلَى السَّنَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً فَيَجْمَعُونَ أَمْوَالًا كَثِيرَةً، وَ لَمْ يَكُنْ فِي الْعَرَبِ أَتْجَرُ مِنْ قُرَيْشٍ، فَلَمَّا كَانُوا بِبَعْضِ الطُّرُقِ إِذَا قَوْمٌ مِنَ الْأَعْرَابِ قُطَّاعٌ شَاكُونَ فِي السِّلَاحِ لَا يُرَى مِنْهُمْ إِلَّا الْحَدَقُ، فَلَمَّا ظَهَرُوا لَنَا هَالَنَا أَمْرُهُمْ وَ فَزِعْنَا وَ وَقَعَ الصِّيَاحُ فِي الْقَافِلَةِ، وَ اشْتَغَلَ كُلُّ إِنْسَانٍ بِنَفْسِهِ يُرِيدُ أَنْ يَنْجُوَ بِنَفْسِهِ فَقَطْ، وَ دَهِمَنَا أَمْرٌ جَلِيلٌ، وَ اجْتَمَعْنَا وَ عَزَمْنَا عَلَى الْهَرَبِ، فَمَرَرْنَا بِأَبِي طَالِبٍ وَ هُوَ جَالِسٌ، فَقُلْنَا: يَا أَبَا طَالِبٍ! مَا لَكَ؟ أَ لَا تَرَى مَا قَدْ دَهِمَنَا فَانْجُ بِنَفْسِكَ مَعَنَا؟. فَقَالَ: إِلَى أَيْنَ نَهْرُبُ فِي هَذِهِ الْبَرَارِي؟. قُلْنَا: فَمَا الْحِيلَةُ؟. قَالَ: الْحِيلَةُ أَنْ نَدْخُلَ هَذِهِ الْجَزِيرَةَ فَنُقِيمَ فِيهَا وَ نَجْمَعَ أَمْتِعَتَنَا وَ دَوَابَّنَا وَ أَمْوَالَنَا فِيهَا. قَالَ: فَبَقِينَا مُتَعَجِّبِينَ، وَ قُلْنَا: لَعَلَّهُ جُنَّ وَ فَزِعَ مِمَّا نَزَلَ بِهِ، فَقُلْنَا: وَيْحَكَ! وَ لَنَا هُنَا جَزِيرَةٌ؟! قَالَ: نَعَمْ. قُلْنَا: أَيْنَ هِيَ؟. قَالَ: انْظُرُوا أَمَامَكُمْ. قَالَ: فَنَظَرْنَا إِذَا وَ اللَّهِ جَزِيرَةٌ عَظِيمَةٌ لَمْ يَرَ النَّاسُ أَعْظَمَ مِنْهَا وَ لَا أَحْصَنَ مِنْهَا، فَارْتَحَلْنَا وَ حَمَلْنَا أَمْتِعَتَنَا، فَلَمَّا قَرِبْنَا مِنْهَا إِذَا بَيْنَنَا وَ بَيْنَهَا وَادٍ عَظِيمٌ مِنْ مَاءٍ لَا يُمْكِنُ أَحَداً أَنْ يَسْلُكَهُ، فَقَالَ: وَيْحَكُمْ! أَ لَا تَرَوْنَ هَذَا الطَّرِيقَ الْيَابِسَ الَّذِي فِي وَسَطِهِ قُلْنَا: لَا. قَالَ: فَانْظُرُوا أَمَامَكُمْ وَ عَنْ يَمِينِكُمْ، فَنَظَرْنَا فَإِذَا وَ اللَّهِ طَرِيقٌ يَابِسٌ سَهْلُ الْمَسْلَكِ فَفَرِحْنَا، وَ قُلْنَا: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا بِأَبِي طَالِبٍ، فَسَلَكَ وَ سَلَكْنَا خَلْفَهُ حَتَّى دَخَلْنَا الْجَزِيرَةَ فَحَطَطْنَا، فَقَامَ أَبُو طَالِبٍ فَخَطَّ خَطّاً عَلَى جَمِيعِ الْقَافِلَةِ، ثُمَّ قَالَ: يَا قَوْمُ! أَبْشِرُوا فَإِنَّ الْقَوْمَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكُمْ وَ لَا أَحَدٌ مِنْهُمْ بِسُوءٍ. قَالَ: وَ أَقْبَلَتِ الْأَعْرَابُ يَتَرَاكَضُونَ خَلْفَنَا، فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى الْوَادِي إِذَا بَحْرٌ عَظِيمٌ قَدْ حَالَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَنَا فَبَقُوا مُتَعَجِّبِينَ، فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَ قَالُوا: يَا قَوْمُ! هَلْ رَأَيْتُمْ قَطُّ هَاهُنَا جَزِيرَةً أَوْ بَحْراً؟. قَالُوا: لَا. فَلَمَّا كَثُرَ تَعَجُّبُهُمْ قَالَ شَيْخٌ مِنْهُمْ- قَدْ مَرَّتْ عَلَيْهِ التَّجَارِبُ-: يَا قَوْمُ! أَنَا أَطَّلِعُكُمْ عَلَى بَيَانِ هَذَا الْأَمْرِ السَّاعَةَ. قَالُوا: هَاتِ- يَا شَيْخُ- فَإِنَّكَ أَقْدَمُنَا وَ أَكْبَرُنَا سِنّاً وَ أَكْثَرُنَا تجاربا [تَجَارِبَ. قَالَ: نَادُوا الْقَوْمَ، فَنَادَوْهُمْ، فَقَالُوا: مَا تُرِيدُونَ؟. قَالَ الشَّيْخُ: قُولُوا لَهُمْ: أَ فِيكُمْ أَحَدٌ مِنْ وُلْدِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَنَادَوْهُمْ، فَقَالُوا: نَعَمْ، فِينَا أَبُو طَالِبِ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. قَالَ الشَّيْخُ: يَا قَوْمُ!، قَالُوا: لَبَّيْكَ. قَالَ: لَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَصِلَ إِلَيْهِمْ بِسُوءٍ أَصْلًا، فَانْصَرِفُوا وَ لَا تَشْتَغِلُوا بِهِمْ، فَوَ اللَّهِ مَا فِي أَيْدِيكُمْ مِنْهُمْ قَلِيلٌ وَ لَا كَثِيرٌ، فَقَالُوا: قَدْ خَرِفْتَ أَيُّهَا الشَّيْخُ، أَ تَنْصَرِفُ عَنْهُمْ وَ تَتْرُكُ هَذِهِ الْأَمْوَالَ الْكَثِيرَةَ وَ الْأَمْتِعَةَ النَّفِيسَةَ مَعَهُمْ؟!، لَا وَ اللَّهِ وَ لَكِنْ نُحَاصِرُهُمْ أَوْ يَخْرُجُونَ إِلَيْنَا فَنَسْلُبُهُمْ. قَالَ الشَّيْخُ: قَدْ نَصَحْتُ لَكُمْ وَ لكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ، فَاتْرُكُوا نُصْحَكُمْ وَ ذَرُوا. قَالُوا: اسْكُتْ يَا جَاهِلُ! فَحَطُّوا رَوَاحِلَهُمْ لِيُحَاصِرُوهُمْ فَلَمَّا حَطُّوا أَبْصَرَ بَعْضُهُمْ بِالطَّرِيقِ الْيَابِسِ، فَصَاحَ: يَا قَوْمُ! هَاهُنَا طَرِيقٌ يَابِسٌ، فَأَبْصَرَ الْقَوْمُ كُلُّهُمُ الطَّرِيقَ الْيَابِسَ، وَ فَرِحُوا وَ قَالُوا: نَسْتَرِيحُ سَاعَةً وَ نَعْلِفُ دَوَابَّنَا ثُمَّ نَرْتَحِلُ إِلَيْهِمْ فَإِنَّهُمْ لَا يُمْكِنُهُمْ أَنْ يَتَخَلَّصُوا، فَفَعَلُوا، فَلَمَّا أَرَادُوا الِارْتِحَالَ تَقَدَّمَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ إِلَى الطَّرِيقِ الْيَابِسِ فَلَمَّا تَوَسَّطُوا غَرِقُوا وَ بَقِيَ الْآخَرُونَ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِمْ فَأَمْسَكُوا وَ نَدِمُوا فَاجْتَمَعُوا إِلَى الشَّيْخِ، وَ قَالُوا: وَيْحَكَ يَا شَيْخُ! أَلَّا أَخْبَرْتَنَا أَمْرَ هَذَا الطَّرِيقِ فَإِنَّهُ قَدْ أُغْرِقَ فِيهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ. قَالَ الشَّيْخُ: قَدْ أَخْبَرْتُكُمْ وَ نَصَحْتُ لَكُمْ فَخَالَفْتُمُونِي وَ عَصَيْتُمْ أَمْرِي حَتَّى هَلَكَ مِنْكُمْ مَنْ هَلَكَ. قَالُوا لَهُ: وَ مِنْ أَيْنَ عَلِمْتَ ذَاكَ يَا شَيْخُ؟. قَالَ: وَيْحَكُمْ! إِنَّا خَرَجْنَا مَرَّةً قَبْلَ هَذَا نُرِيدُ الْغَارَةَ عَلَى تِجَارَةِ قُرَيْشٍ، فَوَقَعْنَا عَلَى الْقَافِلَةِ فَإِذَا فِيهَا مِنَ الْأَمْوَالِ وَ الْأَمْتِعَةِ مَا لَا يُحْصَى كَثْرَةً، فَقُلْنَا قَدْ جَاءَ الْغِنَى آخِرَ الْأَبَدِ، فَلَمَّا أَحَسُّوا بِنَا- وَ لَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا وَ بَيْنَهُمْ إِلَّا قَدْرُ مِيلٍ- قَامَ رَجُلٌ مِنْ وُلْدِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ، فَقَالَ: يَا أَهْلَ الْقَافِلَةِ! مَا تَرَوْنَ؟. قَالُوا: مَا تَرَى، قَدْ دَهِمَنَا هَذَا الْخَيْلُ الْكَثِيرُ، فَسَلُوهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا مِنَّا أَمْوَالَنَا وَ يُخَلُّوا سِرْبَنَا فَإِنَّا إِنْ نَجَوْنَا بِأَنْفُسِنَا فَقَدْ فُزْنَا. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قُومُوا وَ ارْتَحِلُوا فَلَا بَأْسَ عَلَيْكُمْ. فَقُلْنَا: وَيْحَكَ! وَ قَدْ قَرُبَ الْقَوْمُ وَ إِنِ ارْتَحَلْنَا وَضَعُوا عَلَيْنَا السُّيُوفَ. فَقَالَ: وَيْحَكُمْ! إنا [إِنَ لَنَا رَبّاً يَمْنَعُنَا مِنْهُمْ، وَ هُوَ رَبُّ الْبَيْتِ الْحَرَامِ وَ الرُّكْنِ وَ الْمَقَامِ، وَ مَا اسْتَجَرْنَا بِهِ قَطُّ إِلَّا أَجَارَنَا، فَقُومُوا وَ بَادِرُوا. قَالَ: فَقَامَ الْقَوْمُ وَ ارْتَحَلُوا، فَجَعَلُوا يَسِيرُونَ سَيْراً رُوَيْداً، وَ نَحْنُ نَتَّبِعُهُمْ بِالرَّكْضِ الْحَثِيثِ وَ السَّيْرِ الشَّدِيدِ فَلَا نَلْحَقُهُمْ، وَ كَثُرَ تَعَجُّبُنَا مِنْ ذَلِكَ، وَ نَظَرَ بَعْضُنَا إِلَى بَعْضٍ وَ قُلْنَا: يَا قَوْمُ! هَلْ رَأَيْتُمْ أَعْجَبَ مِنْ هَذَا؟! إِنَّهُمْ يَسِيرُونَ سَيْراً رُوَيْداً وَ نَحْنُ نَتَرَاكَضُ فَلَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَلْحَقَهُمْ، فَمَا زَالَ ذَلِكَ دَأْبَنَا وَ دَأْبَهُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَ لَيَالِيَهَا، كُلَّ يَوْمٍ يَخْطُونَ فَيَقُومُ عَبْدُ اللَّهِ فَيَخُطُّ خَطّاً حَوْلَ الْقَافِلَةِ وَ يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ: لَا تَخْرُجُوا مِنَ الْخَطِّ فَإِنَّهُمْ لَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمْ فَنَنْتَهِي إِلَى الْخَطِّ فَلَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَتَجَاوَزَهُ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ- كُلَّ يَوْمٍ يَسِيرُونَ سَيْراً رُوَيْداً وَ نَحْنُ نَتَرَاكَضُ أَشْرَفْنَا عَلَى هَلَاكِ أَنْفُسِنَا وَ عَطِبَتْ دَوَابُّنَا وَ بَقِينَا لَا حَرَكَةَ بِنَا وَ لَا نُهُوضَ، فَقُلْنَا: يَا قَوْمُ! هَذَا وَ اللَّهِ الْعَطَبُ وَ الْهَلَاكُ، فَمَا تَرَوْنَ؟. قَالُوا: الرَّأْيُ الِانْصِرَافُ عَنْهُمْ، فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ سَحَرَةٌ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إِنْ كَانُوا سَحَرَةً فَالرَّأْيُ أَنْ نَغِيبَ عَنْ أَبْصَارِهِمْ وَ نُوهِمَهُمْ أَنَّا قَدِ انْصَرَفْنَا عَنْهُمْ، فَإِذَا ارْتَحَلُوا كَرَرْنَا عَلَيْهِمْ كَرَّةً وَ هَجَمْنَا عَلَيْهِمْ فِي مَضِيقٍ. قَالُوا: نِعْمَ الرَّأْيُ هَذَا، فَانْصَرَفْنَا عَنْهُمْ وَ أَوْهَمْنَاهُمْ أَنَّا قَدْ يَئِسْنَا، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ ارْتَحَلُوا وَ مَضَوْا فَتَرَكْنَاهُمْ حَتَّى اسْتَبْطَنُوا وَادِياً فَقُمْنَا فَأَسْرَجْنَا وَ رَكِبْنَا حَتَّى لَحِقْنَاهُمْ، فَلَمَّا أَحَسُّوا بِنَا فَزِعُوا إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَ قَالُوا: قَدْ لَحِقُونَا. فَقَالَ: لَا بَأْسَ عَلَيْكُمْ، امْضُوا رُوَيْداً. قَالَ: فَجَعَلُوا يَسِيرُونَ سَيْراً رُوَيْداً، وَ نَحْنُ نَتَرَاكَضُ وَ نَقْتُلُ أَنْفُسَنَا وَ دَوَابَّنَا حَتَّى أَشْرَفْنَا عَلَى الْمَوْتِ مَعَ دَوَابِّنَا، فَلَمَّا كَانَ فِي آخِرِ النَّهَارِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ لِأَصْحَابِهِ: حُطُّوا رَوَاحِلَكُمْ، وَ قَامَ فَخَطَّ خَطّاً وَ قَالَ: لَا تَخْرُجُوا مِنَ الْخَطِّ فَإِنَّهُمْ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكُمْ بِمَكْرُوهٍ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْخَطِّ فَوَ اللَّهِ مَا أَمْكَنَنَا أَنْ نَتَجَاوَزَهُ، فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ: وَ اللَّهِ مَا بَقِيَ إِلَّا الْهَلَاكُ أَوِ الِانْصِرَافُ عَنْهُمْ عَلَى أَنْ لَا نَعُودَ إِلَيْهِمْ. قَالَ: فَانْصَرَفْنَا عَنْهُمْ فَقَدْ عَطِبَتْ دَوَابُّنَا وَ هَلَكَتْ، وَ كَانَتْ سَفْرَةً مَشُومَةً عَلَيْنَا، فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنَ الشَّيْخِ قَالُوا: أَلَّا أَخْبَرْتَنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ فَكُنَّا نَنْصَرِفُ عَنْهُمْ وَ لَمْ يَغْرَقْ مِنَّا مَنْ غَرِقَ؟. قَالَ الشَّيْخُ: قَدْ أَخْبَرْتُكُمْ وَ نَصَحْتُ لَكُمْ، وَ قُلْتُ لَكُمُ: انْصَرِفُوا عَنْهُمْ فَلَيْسَ لَكُمُ الْوُصُولُ إِلَيْهِمْ، وَ فِيهِمْ رَجُلٌ مِنْ وُلْدِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَ قُلْتُمْ: إِنِّي قَدْ خَرِفْتُ وَ ذَهَبَ عَقْلِي، فَلَمَّا سَمِعَ أَبِي هَذَا الْكَلَامَ مِنَ الشَّيْخِ وَ هُوَ يُحَدِّثُ أَصْحَابَهُ عَلَى رَأْسِ الْخُطَّةِ نَظَرَ إِلَى أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: وَيْحَكَ! أَ مَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ الشَّيْخُ؟. قَالَ: بَلَى يَا خَطَّابُ! أَنَا وَ اللَّهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ فِي الْقَافِلَةِ وَ أَنَا غُلَامٌ صَغِيرٌ، وَ كَانَ هَذَا الشَّيْخُ عَلَى قَعُودٍ لَهُ، وَ كَانَ شَائِكاً لَا يُرَى مِنْهُ إِلَّا حَدَقَتُهُ، وَ كَانَتْ لَهُ جُمَّةٌ قَدْ أَرْخَاهَا عَنْ يَمِينِهِ وَ شِمَالِهِ. فَقَالَ الشَّيْخُ: صَدَقَ وَ اللَّهِ كُنْتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى قَعُودٍ عَلَيَّ ذُؤَابَتَانِ قَدْ أَرْسَلْتُهُمَا عَنْ يَمِينِي وَ شِمَالِي. قَالَ الْخَطَّابُ: فَانْصَرِفُوا عَنَّا. فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: ارْتَحِلُوا. فَارْتَحَلْنَا، فَإِذَا لَا جَزِيرَةَ وَ لَا بَحْرَ وَ لَا مَاءَ، وَ إِذَا نَحْنُ عَلَى الْجَادَّةِ وَ الطَّرِيقِ الَّذِي لَمْ نَزَلَ نَسْلُكُهُ فَسِرْنَا وَ تَخَلَّصْنَا بِسِحْرِ أَبِي طَالِبٍ حَتَّى وَرَدْنَا الشَّامَ فَرِحِينَ مُسْتَبْشِرِينَ، وَ حَلَفَ الْخَطَّابُ أَنَّهُ مَرَّ بَعْدُ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ بِعَيْنِهِ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ مَرَّةً إِلَى الشَّامِ فَلَمْ يَرَ جَزِيرَةً وَ لَا بَحْراً وَ لَا مَاءً، وَ حَلَفَتْ قُرَيْشٌ عَلَى ذَلِكَ، فَهَلْ هَذَا- يَا سَلْمَانُ- إِلَّا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ؟. قَالَ سَلْمَانُ: قُلْتُ: وَ اللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لَكَ إِلَّا أَنَّكَ تُورِدُ عَلَيَّ عَجَائِبَ مِنْ أَمْرِ بَنِي هَاشِمٍ. قَالَ: نَعَمْ، يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ! هُمْ أَهْلُ بَيْتٍ يَتَوَارَثُونَ السِّحْرَ كَابِراً عَنْ كَابِرٍ!. قَالَ سَلْمَانُ: فَقُلْتُ- وَ أَنَا أُرِيدُ أَنْ أَقْطَعَ الْحَدِيثَ-: مَا أَرَى أَنَّ هَذَا سِحْرٌ. قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ! تَرَى كَذَبَ الْخَطَّابُ وَ أَصْحَابُهُ، أَ تَرَاكَ مَا حَدَّثْتُكَ بِهِ مِمَّا عايتنه [عَايَنْتُهُ أَنَا بِعَيْنِي كذب [كَذِباً؟. قَالَ سَلْمَانُ: فَضَحِكْتُ، فَقُلْتُ: وَيْلَكَ! إِنَّكَ لَمْ تَكْذِبْ وَ لَا كَذَبَ الْخَطَّابُ وَ أَصْحَابُهُ، وَ هَذَا كُلُّهُ صِدْقٌ وَ حَقٌّ. فَقَالَ: وَ اللَّهِ لَا تُفْلِحْ أَبَداً، وَ كَيْفَ تُفْلِحُ وَ قَدْ سَحَرَكَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ؟. قُلْتُ: فَاتْرُكْ هَذَا.. مَا تَقُولُ فِي فَكِّ الرَّقَبَةِ وَ الْمَالِ الَّذِي وَافَاكَ مِنْ خُرَاسَانَ؟. قَالَ: وَيْحَكَ! يُمْكِنُنِي أَنْ أَعْصِيَ هَذَا السَّاحِرَ فِي شَيْءٍ يَأْمُرُنِي بِهِ؟ نَعَمْ أَفُكُّهَا عَلَى رَغْمٍ مِنِّي وَ أَوْجَهَ بِالْمَالِ إِلَيْهِ. قَالَ سَلْمَانُ: فَانْصَرَفْتُ مِنْ عِنْدِهِ، فَلَمَّا بَصُرَ بِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) قَالَ: يَا سَلْمَانُ! طَالَ حَدِيثُكُمَا. قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ حَدَّثَنِي بِالْعَجَائِبِ مِنْ أَمْرِ الْخَطَّابِ وَ أَبِي طَالِبٍ. قَالَ: نَعَمْ- يَا سَلْمَانُ- قَدْ عَلِمْتُ ذَلِكَ وَ سَمِعْتُ جَمِيعَ مَا جَرَى بَيْنَكُمَا، وَ مَا قَالَ لَكَ أَيْضاً إِنَّكَ لَا تُفْلِحُ. قَالَ سَلْمَانُ: وَ اللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ مَا حَضَرَ الْكَلَامَ غَيْرِي وَ غَيْرُهُ، فَأَخْبَرَنِي مَوْلَايَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) بِجَمِيعِ مَا جَرَى بَيْنِي وَ بَيْنَهُ. ثُمَّ قَالَ: يَا سَلْمَانُ! عُدْ إِلَيْهِ فَخُذْ مِنْهُ الْمَالَ وَ أَحْضِرْ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ فَرِّقْهُ إِلَيْهِمْ.

بحار الأنوار — كتاب الفتن و المحن · شرح انعقاد السقيفة و كيفية السقيفة] (1)

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.